الجولان السوري - الجرح المنسي والهزيمة المزمنة
تحميل المقال (PDF)(1) الجولان عنوانٌ لهزيمةٍ مركّبة
لم يكن الجولان، منذ حزيران/ يونيو 1967، عنوانًا لاحتلال أرض سورية وحسب، بل مرآةً كاشفةً لهزيمة مركّبة وممتدّة ومزمنة. الهزائم الكبرى لا تقع في الجبهات العسكريّة وحدها؛ تبدأ قبل ذلك في العقل السياسي، وفي بنية الدولة، وفي الثقافة العامة، وفي علاقة السلطة بالمجتمع، وفي طبيعة الجيش، وفي شكل التعليم، وفي غياب الحريات.
فالنظر إلى الجولان بوصفه أرضًا ضائعة وحسب، من دون النظر إلى ارتباطه بمسارٍ طويلٍ من الاستبداد والقصور السياسيّ وإخفاق التنمية والوعي المشوّه، لا يساعدنا في فهم ما حدث، ولا في بناء ما نريده ونطمح إليه. في الجولان تتكثَّف أسئلة الأرض والإنسان، الدولة والسلطة، الذاكرة والنسيان، الوطنيّة والاستبداد، الحرب والسلام، والهزيمة التي لم تُقرأ جيدًا لأنَّها دُفنت تحت ركام الإنكار والشعارات الصاخبة. الجولان ليس سؤالًا عسكريًا وحسب، بل سؤالٌ عن الدولة والحداثة والديمقراطيّة والفاعليّة المجتمعيّة، وعن الوطن والمواطن ومعنى الوطنيّة.
لقد عاشت شعوب المنطقة العربيّة خلال ما يزيد على ثمانية عقود خلت مفارقةً قاسيةً. في الأربعينيّات، كانت لدى بعض هذه الشعوب كيانات قابلة، نظريًّا، للتحوّل إلى دول حديثة: كانت هناك مؤسَّسات ناشئة، وبرلمانات، وصحف، وأحزاب، وحياة مدنيّة، ولو بحدودها الأولى، لكنَّ مسارًا طويلًا من الانقلابات والاستبداد والعسكرة والشعارات قتل جنين الدولة الوطنيّة الحديثة في أكثر من بلدٍ عربيٍّ. انتقلنا، في حالات كثيرة، من مشروع الدولة إلى ما يشبه العصابات أو الطغم الحاكمة: أجهزة أمن، زعماء أبديّون، ولاءات ضيقة، اقتصاد منهوب، وجيوش لا تحمي إلَّا السلطة، ونخب متأخرة سياسيًّا وأيديولوجيًّا، ووعي عامّ مفوَّت. وفي المقابل، انتقلت إسرائيل، على الرغم من أصلها الاستيطاني والعنفي والعدواني، من تنظيمات وعصابات مسلّحة إلى دولة حديثة بالمعنى المؤسَّسيّ والعلميّ والتقنيّ. هنا تكمن مرارة المقارنة: نحن لم نُهزم بالسلاح وحده، بل هُزمنا أصلًا عندما أخفقنا في بناء الدولة الوطنيّة الحديثة.
إنَّ العقل الذي أخفق في الحرب مع إسرائيل هو نفسه الذي أخفق، وسيُخفق دائمًا، في صناعة سلامٍ مرضٍ معها. لأنَّ المشكلة ليست في قرار الحرب أو السلام وحده، بل في بنية التفكير التي تدير الاثنين. من لا يدرك أنَّ الديمقراطية وحقوق الإنسان وبناء المواطن الحرّ هي أساس المناعة الوطنيّة، لن ينتصر في حربٍ، ولن يصنع سلامًا عادلًا.
ساهمت الشعبويّة بعد عام 2011 في تشويه إضافي للقضيّة. من ذلك اختزال هزيمة 1967 في عبارة "حافظ الأسد باع الجولان". هذه العبارة، مهما بدت مريحة وغاضبة، لا تفسِّر شيئًا. هي تضع الهزيمة كلَّها في جيب شخصٍ واحدٍ، وتعفي المجتمع والنخب والأنظمة والثقافة السياسيّة والجيوش والإعلام والتعليم من أيِّ مسؤوليّة. نعم، حافظ الأسد كان وزيرًا للدفاع في تلك اللحظة، ونعم، يتحمّل هو والسلطة التي كان جزءًا منها مسؤوليّة سياسيّة وعسكريّة كبيرة. لكنَّ اختزال الهزيمة في "صفقة بيع" يحوِّل الكارثة إلى حكاية شعبوية، ويجعلنا نتخيَّل أنَّنا كنّا قادرين على الانتصار لولا "خيانة فرد". هذا التفكير خطر لأنَّه يمنعنا من قراءة الهزيمة بوصفها هزيمةً شاملةً.
لم تكن هزيمة 1967 سقوط مدينة أو منطقة أو جبهة وحسب، بل سقوطًا لوعيٍ كاملٍ، ولنموذجٍ سياسيٍّ محدَّدٍ، ولثقافةٍ شعاراتيّةٍ تصرخ أكثر ممّا تفكِّر، وتعبِّئ أكثر ممّا تبني، وتتّهم أكثر ممّا تُراجع فكرها وأداءها. كان يمكن للجيوش أن تُهزم عسكريًّا، لكنَّ الهزيمة الأخطر كانت أنَّ الأنظمة لم تسمح بعد الهزيمة بقراءتها وتحليلها نقديًّا؛ فبدلًا من النقد والمراجعة رفعت شعارات الانتصار والتعمية على الهزيمة، وعوضًا عن إصلاح الدولة والجيش والتعليم والسياسة والإعلام، عمّقت الاستبداد، وبدل الذهاب نحو بناء المواطن، اتّجهت إلى بناء أجهزة أمنية تحصي على المواطنين أنفاسهم. لذلك بقي الجولان محتلًّا، وظلَّت الهزيمة تنتج نفسها وتُورَّث إلى الأجيال الجديدة.
تتحمّل الأنظمة المستبدة المسؤوليّة الأكبر في صناعة الهزيمة، لأنَّها امتلكت القرار والثروة والسلاح والمؤسَّسات، لكنَّها لم تكن وحدها في صناعة الخراب. هناك أيضًا نخب ثقافيّة وسياسيّة قبلت بالشعارات الشعبويّة أو عاشت عليها، وفضّلت الحكاية السهلة على التحليل الصعب، ومعارضات لم تبنِ بديلًا عقلانيًّا، ومجتمعات هُندست على الخوف والولاءات الضيقة. لذلك، كان تجاوز الهزيمة يبدأ دائمًا من الاعتراف بها وبأبعادها ومستوياتها كافة لا من تحويلها إلى رواية مريحة للضمائر والعقول ترتكز على خياناتٍ فرديّةٍ.
(2) الجولان المنسيّ بفعل الاستبداد
كان أحد أسباب نسيان الجولان أنَّ السوريّين أُبعدوا طويلًا عن السياسة؛ فالاستبداد لم يكن مجرّد قمعٍ مباشرٍ، بل كان صناعة للجهل العام أيضًا. لقد سُلب السوريّون حقّهم في النقاش، وفي التنظيم، وفي معرفة بلدهم، وفي مساءلة سلطتهم، وفي بناء معنى مشترك للوطن. وحين تُصادر السياسة، تُصادر معها القضايا الوطنيّة نفسها، لأنَّ القضايا الكبرى لا تعيش إلَّا في المجال العام، وفي النقاش الحرّ، وفي المؤسَّسات، وفي التربية السياسيّة، ولهذا ظلَّ الجولان، على الرغم من أهميّته، قضيّة محتكَرة في يد السلطة، وقضيّة منسيّة في مجتمعٍ حُرم من التفكير ووسائل المشاركة في القرار السياسيّ.
احتكر نظام الأسد قضيّة الجولان كما احتكر غيرها من القضايا الوطنيّة. لم يتعامل معها بوصفها قضيّة شعبٍ وأرضٍ وحقوقٍ، بل بوصفها ورقةً من أوراق بناء شرعيّته الخارجيّة والداخليّة. رفع شعار التحرير، لكنَّه لم يبنِ دولةً قادرةً على التحرير. تحدّث عن المقاومة، لكنَّه حوّل المجتمع إلى كتلةٍ مسكونةٍ بالخوف، والجيش إلى مؤسَّسة مرتبطة بالسلطة أكثر من ارتباطها بالوطن. وصار الجولان، عبر عقود، مادةً خطابيّةً تُستدعى عند الحاجة: في المفاوضات، وفي علاقات النظام الإقليميّة، وفي مواجهة خصومه، وفي تثبيت سرديّة "الممانعة"، لا في مشروعٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ يُعيد الأرض والبشر إلى مركز التفكير السوريّ.
ومن وجوه النسيان الذي أنتجه نظام الاستبداد أنَّ السوريّين لا يعرفون الجولان كما يجب. طوال عقود، اختُزل الجولان في خمس قرى بقي سكانها تحت الاحتلال، مجدل شمس والقرى المحيطة بها. هؤلاء جزء أصيل من القضيّة، وصمودهم مهم، وانتماؤهم السوريّ له قيمة وطنيّة كبيرة، لكنَّ الجولان أكبر من هذه القرى. هناك مئات الآلاف من الجولانيّين النازحين الذين عاشوا في دمشق وريفها ودرعا ومناطق أخرى، في الحجر الأسود، وجديدة الفضل، وخان الشيح، والسيدة زينب، والطبالة، ومخيم درعا، وغيرها. هؤلاء لم يكونوا مجرّد أرقام؛ كانوا بشرًا فقدوا الأرض، ثم عاشوا الإهمال، ثم دفع كثيرٌ منهم بعد عام 2011 أثمانًا مضاعفة من الاعتقال والقتل والنزوح الجديد.
لم يكن اختزال الجولان في سكان القرى الخمس بريئًا؛ فقد ركّز نظام الأسد عليهم إعلاميًّا لأنَّه يستطيع استخدامهم في صراعه السياسيّ مع إسرائيل وفي خطابه الخارجيّ، بينما أهمل النازحين في الداخل لأنَّهم لا يقدِّمون صورة نافعة بالقدر نفسه. لو كان اهتمام السلطة بسكان الجولان تحت الاحتلال جزءًا من اهتمام شامل بجميع الجولانيّين، لكان مفهومًا ومقدّرًا، لكنَّ ما حدث هو أنَّ القرى المحتلّة صارت واجهة خطابيّة واحتفاليّة، بينما تُرك النازحون في هوامش المدن، في الفقر والسكن العشوائي والانتظار الطويل. وكانت النتيجة أنَّ كثيرين من السوريّين لم يعودوا يعرفون من الجولان إلَّا صورة مجتزأة ومشوّهة.
ربّما لم يبدأ السوريّون بالتعرّف إلى بلدهم حقًا إلَّا بعد انفجار 2011؛ فحين خرجت مدن وبلدات سوريّة كثيرة من صمتها، عرف السوريّون أسماء مناطق لم تكن حاضرة في الإعلام إلَّا نادرًا: الرقة، دير الزور، الحسكة، إدلب، القنيطرة، وغيرها. اكتشفوا وجود مأساة كرديّة طويلة الأمد، وتهميشًا واسعًا في شرق البلاد، وفقرًا عميقًا في أطرافها، ومدنًا كانت خارج الروح العامة المسيطرة في البلد وثقافته وإعلامه. لكنَّ هذه المعرفة جاءت متأخِّرة ومكلفة، عبر الدم والنزوح والصور الآتية من الخراب. والجولان كان جزءًا من هذا الجهل العامّ: يعرفه السوريّون اسمًا وشعارًا، ولا يعرفونه أرضًا وسكانًا وتاريخًا اجتماعيًّا وذاكرةَ اقتلاع.
ومن أكثر وجوه مأساة الجولان قسوةً مأساة النازحين. فقد تحوّلت كلمة "نازح"، بعد هزيمة 1967، من وصفٍ مؤقّتٍ لمن أُخرجوا من أرضهم إلى صفة ثابتة تكاد تشبه الجنسيّة الاجتماعيّة. لم يعد الأمر يتعلّق بأناسٍ اقتُلعوا من بيوتهم وبلداتهم، بل بجماعةٍ وُضعت في خانة مخصوصة داخل المجتمع. ومع مرور الزمن، وولادة أجيالٍ كاملةٍ خارج الجولان، بقيت الصفة تُلاحق أبناءهم وأحفادهم، كأنَّ النزوح قدرٌ وراثيٌّ. والأسوأ أنَّ هذه الصفة ارتبطت بتنميط قاسٍ: الجولانيّ النازح بوصفه أقلّ تحضرًا أو أدنى تعليمًا وثقافة. إنَّها الصورة نفسها التي ستلاحق في ما بعد السوريّين النازحين واللاجئين بعد عام 2011، حين صار نصف السوريّين أو أكثر يعرفون معنى أن تتحوَّل المأساة إلى هُويّة مفروضة.
كان الجولانيّ النازح يحمل جرحًا مضاعفًا: فقدان الأرض أولًا، ثم الإحساس بالغربة أو الانتقاص من مكانته داخل وطنه نفسه. وقد أخطأ الجميع، دولةً ونظامًا ومجتمعًا، حين جرى التعامل مع النزوح بوصفه عبئًا يخصّ النازحين وحدهم، وتُرك ليتحوّل إلى وصمةٍ اجتماعيّةٍ تلاحقهم بدل أن الاعتراف به جرحًا وطنيًّا عامًّا، في حين أنَّ وجود دولة وطنيّة حقيقيّة كان كفيلًا بالنظر إلى النازحين بوصفهم جزءًا من قضيّتها المركزيّة وذاكرتها ومسؤوليّتها.
كان ينبغي أن يتعلّم السوريّون في مدارسهم أنَّ اقتلاع الجولانيّين من أرضهم خسارة لسورية كلِّها، وأنَّ القنيطرة المهدّمة ليست ذكرى تخصّ أبناءها وحدهم، وأنَّ الأرض المحتلّة ليست شعارًا موسميًّا يُستدعى في المناسبات، بل مسؤوليّة معرفيّة وسياسيّة وأخلاقيّة يوميّة. لكنَّ ما جرى كان أقرب إلى العكس: أُهمل الجولانيّون في واقعهم المعيشيّ والاجتماعيّ، فيما استُخدم الجولان المحتلّ بكثافةٍ في خطاب السلطة وشعاراتها.
(3) القوى السياسيّة السوريّة ومقاربتها الخاطئة للسياسة الإسرائيليّة
ومن سوء حظ الجولان أيضًا أنَّ المعارضة السوريّة، في معظم قواها وتشكيلاتها، لم تكن أفضل كثيرًا في التعاطي مع قضيّة الجولان. إذ انشغلت، بعد ثورة آذار/ مارس 2011، بإسقاط النظام وحسب بأيّ طريقةٍ، بوسائل مشروعة وأخرى غير مشروعة، لكنَّها لم تدرك أنَّ إسقاط النظام لا يعني إسقاط القضايا الوطنيّة التي تاجر بها. كان عليها أن تنتزع هذه القضايا من يد السلطة، لا أن تتركها لها أو أن تنفر منها لمجرّد أنَّ النظام استخدمها في مصلحة بقائه. فالقضيّة التي يتاجر بها الاستبداد لا تصبح قضيّةً غير حقيقيّة بسبب متاجرته بها، بل يصبح واجب القوى الوطنيّة أن تُعيد بناءها على أسس مختلفة: إنسانية، ووطنيّة، وديمقراطيّة، وقانونيّة، وعقلانيّة.
لقد دفع السوريّون ثمنًا باهظًا لغياب هذا الوعي، فقد ظهرت لدى بعض المعارضين نزعة معاكسة لخطاب النظام إلى حدِّ التنكر لأيِّ قضيّةٍ ارتبطت به لفظيًّا. لأنَّ النظام تحدَّث عن فلسطين، صار بعضهم ينفر من فلسطين، ولأنَّه تحدّث عن الجولان، صار بعضهم يتجنّب الجولان. ولأنَّه رفع شعار المقاومة، صار بعضهم يستخفُّ بمعنى الاحتلال. هذه ردّة فعلٍ مفهومة نفسيًّا عند بعض الناس الذين سحقهم نظام الأسد باسم الشعارات، لكنَّها تبقى ردّة غير مقبولة سياسيًّا عند من يدّعي العمل العامّ. فالمعارضة التي تريد بناء دولة لا يجوز أن تفكر بمنطق "الجكارة"، ولا أن تجعل موقفها مجرد ردّة فعل هزيلة على خطاب السلطة.
المشكلة أنَّ كثيرين خلطوا، خلال السنوات الماضية، بين العداء لنظام الأسد والفرح بأيِّ ضربةٍ إسرائيليّةٍ داخل سورية. عندما استهدفت إسرائيل مواقع إيرانية أو مواقع تابعة لحزب الله في سورية، كان هناك من السوريّين من فرح وشمت، وبعضهم شكر إسرائيل أحيانًا. يمكن فهم هذا الشعور لدى إنسانٍ عاديٍّ فقد بيته أو ابنه أو مدينته بسبب إيران وحزب الله والنظام، لكن لا يمكن قبوله من النخب السياسيّة والثقافيّة أو تسويغه. فالفرح بضربة إسرائيليّة لا يصنع وعيًا ولا سياسة، بل يكشف هشاشة المعايير الوطنيّة. ومع ذلك، لا يجوز أيضًا تحويل هذا الخطأ إلى تهمة جاهزة وحاسمة بالعمالة. نحن أمام نقصٍ في الوعي، وجرحٍ عميقٍ، وحقلٍ سياسيٍّ لم تُبنَ فيه بعد معايير وطنيّة صلبة وراسخة.
هناك حقيقة بسيطة تتعلَّق بالسياسة الإسرائيلية يجب أن تكون واضحة، وهي أنَّ إسرائيل لا تضرب في سورية من أجل السوريّين أو من أجل أيِّ جزءٍ منهم، وإنَّ وعي هذه الحقيقة يعفينا من كثيرٍ من الكلام المغلوط وسلوك الهبل الشائعين كثيرًا في الحقل السياسي والميدان العام على حدٍّ سواء. فعندما استهدفت إسرائيل مواقع إيران وحزب الله لم تكن تفكِّر في مصلحة الشعب السوريّ، بل في أمنها وحساباتها ومصالحها. وعندما دمّرت، بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، القسم الأكبر من القدرات العسكريّة السوريّة خلال أيامٍ قليلةٍ، لم تكن تقدِّم خدمةً لأيِّ طرفٍ سوريٍ، ولم تكن تنتظر دعوة من أحد. هي تتحرك وفق مصالحها، وتستغل الفراغات، وتقرأ الضعف، وتستثمر الانقسامات، وتبحث عن تثبيت وجودها وتفوّقها إلى أبعد مدىً ممكن. لذلك فإنَّ أيَّ سوريٍّ يظنُّ أنَّ الصمت عن قضيّة احتلال الجولان أو عن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة سيجعل إسرائيل أكثر رضى أو أقلَّ عدوانيةً، إنّما يُسيء فهم عناصر السياسة الإسرائيليّة ومحدِّداتها، بل وطبيعة إسرائيل ذاتها، ووضعيّتها القائمة على إبقاء ميزان القوى في المنطقة مائلًا لمصلحتها.
من البدهيات التي يستحيل تجاهلها أو المساومة بشأنها أنَّ إسرائيل تحتلُّ أرضًا سوريّة في الجولان، وأنَّها قوة احتلال ارتكبت وترتكب جرائم بحقّ الفلسطينيّين، وأنَّ اعتداءها على سورية مدانٌ بصرف النظر عن طبيعة السلطة القائمة في دمشق. لا يحتاج الموقف الوطنيّ من الاعتداء الخارجيّ إلى جعله مرهونًا بطبيعة السلطة الحاكمة وموقفنا منها. يمكن أن نعارض سلطة سوريّة ما إلى أبعد الحدود، وأن نعدّها سلطة مستبدّة أو فاسدة أو مجرمة، وفي الوقت نفسه نرفض أيَّ عدوانٍ إسرائيليٍّ على الأرض السوريّة. فالوطن ليس ملكًا للسلطة، والسيادة حقٌّ للشعب وصفةٌ ملازمةٌ للدولة وأرضها، لا امتيازًا تحتكره السلطة القائمة؛ ولذلك فإنَّ الاعتداء الإسرائيلي على سورية هو اعتداءٌ على سيادة البلاد وحقوق شعبها، بصرف النظر عن مدى شرعية السلطة أو تمثيلها للسوريّين، والاحتلال لا يصبح أقلَّ خطورة أو مشروعًا لأنَّ السلطة القائمة لا تمثِّل شعبها.
في الثورة السوريّة كان الجولان حاضرًا بغيابه. قد لا يظهر في الشعارات اليوميّة ولا في نشرات الأخبار، لكنَّه كان حاضرًا في المعادلات الكبرى التي حكمت الموقف الدولي والإقليمي تجاه سورية ونظام حكمها. من لم يرَ الجولان في خلفيّة المشهد السوري لم يدرك كامل الصورة؛ فإسرائيل كانت، منذ البداية، تراقب ما يحدث في سورية من زاوية أمنها وحدودها وتفوّقها، والولايات المتحدة والقوى الكبرى كانت تقرأ الثورة والحرب والنظام والمعارضة ضمن خرائط أوسع تشمل الجولان ولبنان وفلسطين وإيران وتركيا والخليج العربي. لذلك، فإنَّ خطاب المعارضات السوريّة الذي كان سائدًا ومرتكزًا على مقولة "ليس وقت الجولان" لم يكن إلَّا دلالة على قصر النظر السياسيّ في أحسن الأحوال. القضايا الوطنيّة لا تنتظر الوقت الملائم؛ بل إنَّ غيابها عن التفكير هو ما يجعل الآخرين يقرِّرون بشأنها في الغرف المغلقة.
كان على المعارضات السوريّة أن تفعل شيئًا مختلفًا: أن تُعيد بناء القضيّة الوطنيّة السوريّة، وأن تقول إنَّ تحرير الأرض وتحرير الإنسان مساران لا ينفصلان، وأن تؤكِّد أنَّ الجولان لا يعود بالشعارات، وأنَّ سورية لا تُبنى بالتنازل عن قضاياها، وأنَّ الدولة الديمقراطيّة هي التي تستطيع أن تُعيد تعريف السيادة بوصفها علاقةً بين المواطن والأرض والقانون.
لكنَّ معارضي نظام الأسد، في معظمهم، ظنّوا أنَّ الاهتمام بالجولان يشوِّش على معركة إسقاطه، وكأنَّ القضايا الوطنيّة تتزاحم بدل أن تتكامل. لم يدرك هؤلاء أنَّ النظام استمدَّ جزءًا من قوته من احتكار السياسة الخارجية، وأنَّ نزع هذه الورقة منه كان يتطلَّب خطابًا وطنيًا أرقى لا صمتًا أو تنكّرًا. تستطيع القوى السياسيّة أن تنتقد السلطة وتعارضها على أرضيّة وطنيّة ديمقراطيّة، لكن من دون أن تفرح بعدوانٍ خارجيٍّ عليها وعلى البلد، وبإمكانها أن تتضامن مع فلسطين من دون أن تسمح بتحويل فلسطين إلى ستارٍ للاستبداد، والأهمّ أنَّ بإمكانها أن تصوغ سياسة جديدة تضع الإنسان السوريَّ في مركز قضيّة الجولان، وسائر القضايا الوطنيّة الأخرى.
(4) الجولان في خطاب السلطة السوريّة الراهنة
هذا ينطبق أيضًا على السلطة السوريّة الراهنة؛ فصمتها أو حديثها الخافت عن الجولان والانتهاكات الإسرائيليّة ليسا سياسة حكيمة على طول الخط. قد يكون مفهومًا أن تتجنّب سلطة انتقاليّة أو ضعيفة الدخول في مواجهة عسكريّة محسومة النتائج سلفًا، لكنَّ تجنّب الحرب شيءٌ، والتخلِّي عن اللغة الوطنيّة والقانونيّة شيءٌ آخر. لا أحد يطلب من سورية المنهكة أن تفتح حربًا لا تملك شروطها، لكنَّ هذا لا يعني أن تتنازل عن حقّها في الكلام، وعن تثبيت الموقف، وعن استخدام القانون الدوليّ، وعن بناء خطابٍ وطنيٍّ شجاع وحكيم في آنٍ معًا؛ خطابٍ يقول بوضوح إنَّنا لا نريد الحرب، لكنَّ هذا لا يمنعنا من تثبيت حقيقة أنَّ الجولان أرض سورية محتلّة، وأنَّ أيَّ توسّعٍ إسرائيليٍّ جديدٍ مرفوضٌ، وأنَّ قرارات الشرعيّة الدوليّة كلّها تقف إلى جانب هذه الحقيقة. فالصمت لا يحمي الضعفاء بقدر ما يزيد من استهتار الأقوياء بالضعفاء، ويغريهم بمزيدٍ التمدّد على حسابهم.
إنَّ الاختبار الوطنيّ للسلطة السوريّة الراهنة لا يكون بالصوت العالي ولا بالمزايدة، بل بقدرتها على تثبيت الحقوق من دون تهوّر، وعلى بناء سياسة من دون صمتٍ مهينٍ. ليس مطلوبًا أن تخوض مغامرات عسكريّة، بل أن تفتح ملفَّ الجولان قانونيًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا وتربويًّا، وأن تتواصل مع نازحيه وسكانه تحت الاحتلال، وأن تضع المسألة في صلب أيِّ تصورٍ لسورية المقبلة. بين الحرب العبثية أو غير المحسوبة والصمت توجد سياسة وطنيّة ممكنة: سياسة تعرف حدود القوة، لكنَّها لا تتخلّى عن الحقّ؛ ترفض الاحتلال والعدوان، لكنَّها لا ترفع شعاراتٍ فوق الواقع أو بما يتجاوز إمكانات اللحظة الراهنة.
(5) الجولان والقضيّة الفلسطينيّة
يرتبط الجولان، شئنا أم أبينا، بالقضيّة الفلسطينيّة، بوصفهما جزئين من منظومة واحدة قائمة على الاحتلال والتهجير والصراع على الأرض والهُويّة. لكنَّ المأساة السوريّة أنتجت لدى بعض السوريّين موقفًا انفعاليًّا من فلسطين والفلسطينيّين، فقد ذهب بعض السوريّين، بحكم متاجرة النظام بالقضيّة الفلسطينيّة، ووقوف فصائل فلسطينيّة أو شخصيّات فلسطينيّة معه أو صمتها عن جرائمه، إلى موقفٍ مضادٍّ من فلسطين والفلسطينيّين عامة. هذا خطأ كبير، أخلاقيًّا وسياسيًّا. في الحدِّ الأدنى، إنسانيًّا، لا يجوز للضحايا أن يأكلوا لحم ضحايا آخرين، ولا يجوز لنا، نحن الذين كنّا نستنكر عدم تعاطف بعض العرب مع مأساتنا، أن نقع في خانة عدم التعاطف مع مأساة الفلسطينيّين.
الفلسطينيّون في سورية جزءٌ من النسيج السوريّ، وما ينطبق على السوريّين من تنوّع في المواقف والخبرات والانتماءات ينطبق عليهم. لا يجوز اختزالهم في موقف فصيلٍ أو سلطةٍ أو خطابٍ. كما لا يجوز التقليل من بشاعة الاحتلال الإسرائيليّ لفلسطين بحجّة أنَّ السوريّين عانوا احتلالات أخرى، إيرانيّة أو روسيّة أو تركيّة. الألم لا يُلغي الألم، والاحتلال لا يسوَّغ احتلالًا آخر. المطلوب ليس العودة إلى المتاجرة بالقضيّة الفلسطينيّة، ولا تغطية الاستبداد باسمها، بل إعادة بناء وعينا بها وبالجولان معًا: وعي إنسانيّ، وديمقراطيّ، وحقوقيّ، يرى أنَّ حرية السوريّين وحرية الفلسطينيّين ليستا قضيّتين متنافستين، بل تنتميان إلى حقلٍ واحدٍ عنوانه الكبير الوقوف ضدّ الاحتلال والاستبداد والعنصريّة.
(6) الجولان قضيّة وطنيّة سوريّة
الجولان قضيّة وطنيّة سوريّة أولًا. هذا لا ينتقص من ارتباطها الأوسع بالصراع العربيّ الإسرائيليّ، ولا من تداخلها مع القضيّة الفلسطينيّة، لكنَّه يضعها في مكانها الطبيعيّ: أرض سورية محتلّة، وسكان سوريّون اقتُلعوا من قراهم وبلداتهم، ومجتمع جولانيّ بقي جزء منه تحت الاحتلال، فيما توزّع القسم الأكبر في دمشق وريفها ودرعا ومناطق سورية أخرى. عار الاحتلال ليس عارًا يخصُّ نازحي الجولان وحدهم، بل يطال السوريّين جميعًا. والهزيمة ليست وصمةً على أهالي الجولان، بل على الدولة السوريّة، وعلى الثقافة السياسيّة السوريّة، وعلى نظامٍ عربيٍّ كاملٍ لم يستطع أن ينتقل من الشعارات إلى بناء شروط القوة الفعليّة.
لا ينتمي الجولان إلى ماضينا وحسب بل إلى حاضرنا ومستقبلنا أيضًا. الجولان جزءٌ من حاضرنا لأنَّه حاضرٌ في كلِّ نقاشٍ عن السيادة، وفي كلِّ حديثٍ عن الجنوب السوري، وفي كلِّ ترتيبٍ إقليميٍّ، وفي كلِّ مشروعٍ للسلام أو الحرب. وهو جزءٌ من مستقبلنا لأنَّه سيكشف، بطريقة أو أخرى، نوع الدولة التي يريد السوريّون بناءها: هل يريدون دولةً تستخدم الجولان وسيلةً لتثبيت سلطة أم دولةً تحرِّر الإنسان كي تستطيع يومًا أن تستعيد الأرض؟ هل يريدون خطابًا شعبويًّا يلعن الهزيمة من دون أن يفهمها؟ أم عقلًا سياسيًّا يعرف أن الطريق إلى استعادة الجولان يمرُّ عبر الديمقراطية، والمؤسَّسات، والمواطنة، والمعرفة، والعدالة، وبناء القوة على أسس حديثة؟
ليس الجولان قضيّة الجولانيّين وحدهم، بل قضيّة وطنيّة سوريّة، وهو امتحانٌ للسوريّين جميعًا؛ امتحانٌ لقدرتهم على تحويل الهزيمة إلى معرفة وعمل، وعلى تحويل الذاكرة إلى سياسة لا إلى بكاء على الأطلال، وعلى تحويل الوطنيّة من شعارٍ إلى عقدٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ. لقد نُسي الجولان طويلًا لأنَّه اختُطف من السياسة الحيّة ووُضع في جيب السلطة وشعاراتها، وإنَّ استعادته تبدأ بإدخاله إلى المدرسة، والجامعة، والصحافة، والبحث، والبرلمان، والبلديّة، والأرشيف، والفنّ، والوجدان العام، وحين يشعر كلُّ سوريٍّ أنَّ الجولان قضيّته لا قضيّة الجولانيّين وحدهم، وأنَّ الهزيمة لا تُهزم إلَّا حين نعترف بها ونفهمها ونبني ما يمنع تكرارها.
بهذه المعاني، يصبح الجولان اسمًا آخر للسؤال السوريِّ كلِّه: كيف نبني وطنًا لا ينسى أرضه ولا يُهين أبناءه؟ كيف نواجه احتلالًا خارجيًّا من دون أن نغفر للاستبداد الداخليِّ؟ كيف نحفظ فلسطين في وجداننا من دون أن نسمح لأحدٍ بالمتاجرة بها؟ كيف نرفض إسرائيل بوصفها قوةَ احتلالٍ وعدوانٍ، من دون أن نسقط في لغةٍ جوفاء أو أوهامٍ بطوليّة؟ وكيف نصنع سلامًا عادلًا، إن جاء زمن السلام، بعقلٍ مختلفٍ عن العقل الذي صنع الهزيمة؟ هذه الأسئلة لا تخصُّ الجولان وحده، لكنَّها تبدأ منه؛ لأنَّه الجرح الذي بقي مفتوحًا، وظلَّ شاهدًا على إخفاقنا في بناء دولة وطنيّة ديمقراطيّة.
الجولان فرصة لإعادة تعريف الوطنيّة السوريّة بعد زمنٍ طويلٍ من استنفادها في الولاء للسلطة، وبعد تشظّي بقاياها بفعل الحرب والتدخّلات الخارجية والسعار الطائفي. وطنيّة لا تقوم على عبادة أيِّ سلطةٍ، ولا على معيار الموقف من الأعداء الخارجيّين وحسب، ولا على إنكار المظالم المتعدِّدة في الداخل، ولا على الانتقام والثأر، ولا على أساس الدين أو الطائفة أو العرق. وطنيّة تقول إننا جميعًا خسرنا الجولان، وإننا جميعًا مسؤولون عن ألَّا نخسره مرة ثانية في الوعي والمعنى. وطنيّة تبدأ من الاعتراف بالسوريّين النازحين، وبالسوريّين تحت الاحتلال، وبالفلسطينيّين السوريّين، وبكلِّ ضحايا الاستبداد والحرب والكراهية، وتنتهي ببناء دولة وطنيّة ديمقراطيّة حديثة تليق بهذا الاعتراف، وعندها يمكن أن يعود الجولان من النسيان إلى السياسة، ومن الشعار إلى الوطن.
(7) مجلة "الجولان".. الدافع والغاية
نؤمن بأنَّ استعادة الجولان تبدأ من استعادة السياسة؛ فالقضيّة الوطنيّة لا يمكن أن تعيش في مجتمعٍ ممنوعٍ من النقاش والتنظيم والمساءلة، ولا يمكن أن تتحوّل إلى مشروعٍ عامّ إذا بقيت حبيسة الشعارات الرسميّة أو المناسبات الخطابيّة. ولا يمكن بناء استراتيجية وطنيّة للجولان من دون معرفة دقيقة بأرضه وسكّانه ونازحيه وحقوقهم وممتلكاتهم وذاكرتهم، ومن دون إشراك السوريّين في التفكير في قضيّته، وفي وسائل الدفاع عنها، وفي موقعها ضمن تصوّرهم لمستقبل دولتهم ووطنهم.
نحن في حاجة إلى أرشيفٍ وطنيٍّ شاملٍ للجولان؛ إلى خرائط ووثائق وصور وشهادات وقيود ملكيّة وسجلّات سكانيّة، وإلى تاريخ شفوي يحفظ ذاكرة من عاشوا في قراه ومدنه قبل الاحتلال. نحن في حاجة إلى دراسات عن القرى المدمَّرة، وعن النازحين وأوضاعهم الاجتماعيّة والقانونيّة، وعن السكّان السوريّين الباقين تحت الاحتلال، وعن سياسات الاستيطان ومصادرة الأرض وتغيير هُويّة المكان. ونحتاج كذلك إلى دراسة علاقة الجولان بفلسطين ولبنان والأردن، وموقعه في تاريخ المنطقة وصراعاتها، ووضعه في القانون الدولي، ومواقف الدول والقوى السياسيّة والمدنيّة المؤيّدة للحقوق السوريّة أو المتجاهلة لها أو المعادية لها. فالقضيّة التي لا تُعرف جيدًا لا يمكن الدفاع عنها جيدًا، والذاكرة التي لا تُصان لا تلبث أن تتآكل أو تُترك للآخرين كي يعيدوا صوغها بما يخدم روايتهم.
من هنا تأتي الحاجة إلى مجلّة تحمل اسم الجولان، لا بوصفها منبرًا تذكاريًّا أو نشرةً مناسباتيّة، بل بوصفها مساحةً مفتوحةً للبحث والتوثيق والنقاش. مجلّة تجمع بين التاريخ والجغرافيا والقانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والبيئة، وتفسح المجال للنازحين وأبنائهم، ولسكّان الجولان المحتلّ، وللباحثين والحقوقيّين والكتّاب والفنّانين، كي يساهموا في بناء معرفة وطنيّة مشتركة. فالجولان ليس ملفًّا عسكريًّا أو تفاوضيًّا وحسب، بل هو أرض وسكّان وذاكرة وحقوق وثقافة واقتصاد وموارد طبيعيّة ومستقبل.
ونحتاج أيضًا إلى أن تكون المجلة فرصةً لتحرير الجولان من اللغة الخشبيّة. لا يكفي أن نقول: "الجولان سوريّ"، ثم نعود إلى الصمت. هذه العبارة صحيحة، لكنّها تصبح فارغة إذا لم تُترجم إلى معرفة وسياسة ومؤسَّسات وعملٍ متراكم. المطلوب هو صناعة خطاب وطني جديد يقول بوضوح: الجولان أرض سوريّة محتلّة؛ وسكّانه، أكانوا نازحين أم مقيمين تحت الاحتلال، جزءٌ أصيل من الشعب السوري؛ وحقّ العودة والتعويض واستعادة الممتلكات حقوقٌ لا تسقط بالتقادم؛ وفرض القوانين والهُويّة الإسرائيليّة على الجولان باطل ومرفوض؛ والاستيطان ومصادرة الأرض والموارد انتهاكات لا يجوز تطبيعها أو التسليم بنتائجها.
ومجلّة الجولان، بهذا المعنى، ليست مجلّة عن بقعة جغرافيّة معزولة، بل محاولة لإعادة الجولان إلى قلب الوعي السوريّ، وإعادة السوريّين إلى قضيّته. هي مساهمة في مقاومة النسيان، وفي منع تحوّل الاحتلال إلى واقع مألوف، وفي ربط الأجيال الجديدة بأرض لم ترها ولكنَّها جزءٌ من تاريخها وحقوقها. وهي أيضًا دعوة إلى الانتقال من الحنين إلى المعرفة، ومن الغضب إلى السياسة، ومن الشعار إلى العمل، ومن الذاكرة المبعثرة إلى مشروعٍ وطنيٍّ منظّمٍ.
نريد لهذه المجلّة أن تكون مكانًا لحفظ الحقائق، ومساءلة الروايات، وتوثيق التجارب، واستعادة أسماء القرى والبلدات والناس، ومناقشة الخيارات الوطنيّة الممكنة من دون تخوين أو مزايدة. نريدها منبرًا يذكِّر بأنَّ الجولان ليس قضيّة الماضي وحده، بل قضيّة الحاضر والمستقبل أيضًا؛ وأنَّ استعادته تبدأ منذ الآن ببناء معرفة وطنيّة حيّة، وذاكرة مصونة، وسياسة مسؤولة، ودولة جديرة بأرضها ومواطنيها.
