مستقبل فلسطينيي سورية - بين المخاوف المشروعة وآفاق الأمل
تحميل المقال (PDF)يشهد الفلسطينيّون في سورية مرحلةً مفصليّةً منذ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأوّل/ديسمبر 2024، مع بروز قيادة جديدة تعلن تبنّي سياسة أكثر واقعيّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة، تقوم على احترام القرار الفلسطيني، ودعم إقامة الدولة الفلسطينيّة وفق الشرعيّة الدوليّة، والابتعاد عن استخدام فلسطين ورقةً سياسيّةً، أو تحويل الأراضي السوريّة إلى ساحة صراع. ويأتي هذا التوجّه ضمن مساعي دمشق إلى استعادة دورها العربي والإقليمي، من خلال سياسة متوازنة ومنفتحة على محيطها العربي والمجتمع الدولي.
ينظر الفلسطينيّون السوريّون إلى هذه المرحلة بترقّب يختلط فيه الأمل بالحذر. فقد رأى كثيرون في سقوط النظام نهايةً لسنوات طويلة من التهميش والاضطهاد، بعدما كانوا من أكثر المتضرّرين من الحرب؛ إذ تعرّضوا للحصار والقتل والاعتقال والتهجير، ودُمّرت مخيّماتهم، وفي مقدّمتها مخيّم اليرموك. ومع بدء عودة بعض اللاجئين من لبنان والأردن وتركيا، برزت الحاجة الملحّة إلى إعادة الإعمار، وتأمين المساعدات الإنسانيّة، وتوفير بيئة آمنة تضمن عودةً كريمةً وطوعيّة.
وعلى الرغم من المؤشّرات الإيجابيّة، لا تزال المخاوف القانونيّة قائمة، ولا سيَّما بعد تداول شائعات حول إعادة تصنيف الفلسطينيّين بوصفهم أجانب، أو المساس بخصوصيّتهم القانونيّة بوصفهم لاجئين. وعلى الرغم من نفي الحكومة الجديدة هذه الأنباء، يخشى الفلسطينيّون أن يؤدّي أيّ تعديل قانوني إلى تقييد حقوقهم في الإقامة والعمل والتملّك والحصول على وثائق السفر، أو أن يمهّد للتوطين ويُضعف حقّ العودة، وهو ما يجعل الحفاظ على الهُويّة الفلسطينيّة أولويّةً وطنيّةً وإنسانيّة.
ويُعدّ الفلسطينيّون في سورية جزءًا أصيلًا من النسيج السوري، إذ تجمعهم بالشعب السوري روابط التاريخ والمعاناة والمصير المشترك. وقد دفعوا ثمنًا باهظًا خلال الثورة السوريّة، تمثَّل بتدمير المخيّمات، ونزوح أكثر من نصف اللاجئين، وفقدان الممتلكات ومصادر الرزق، إضافةً إلى وجود آلاف المعتقلين والمفقودين الذين لا يزال مصير معظمهم مجهولًا.
ويبقى مخيّم اليرموك رمزًا لهذه التجربة؛ فلم يكن مجرّد مخيّم للاجئين، بل كان العاصمة الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة للوجود الفلسطيني في سورية، ومركزًا للنشاط السياسي وللنخب العلميّة والمهنيّة؛ ولذلك شكّل تدميره خسارةً إنسانيّةً ووطنيّةً عميقة.
وتتمثَّل مطالب الفلسطينيّين اليوم ببناء دولة القانون والمواطنة، وتحقيق العدالة الانتقاليّة، والكشف عن مصير المعتقلين والمختفين قسرًا، وإعادة إعمار المخيّمات، والحفاظ على تسمياتها ورمزيّتها، وتطوير القوانين الناظمة لأوضاعهم بما يضمن حقوقهم المدنيّة، من دون المساس بحقّ العودة أو بهويّتهم الوطنيّة، مع تعزيز التعاون بين الدولة السوريّة والأونروا والمنظّمات الدوليّة.
وتتجسّد آمالهم في تحسين الأمن والخدمات، وإعادة إعمار المخيّمات، واستعادة الممتلكات، ودعم المشاريع الاقتصاديّة، والحفاظ على الحقوق التي كفلها المرسوم رقم 260 لعام 1956، والمشاركة في بناء سورية الجديدة. وفي المقابل، تتزايد المخاوف من تقليص خدمات الأونروا، أو إعادة تصنيف الفلسطينيّين قانونيًّا، أو طرح مشاريع للتطبيع أو التوطين قد تمسّ هويّتهم وحقوقهم التاريخيّة.
ويبقى مستقبل فلسطينيّي سورية مرتبطًا بمستقبل سورية نفسها؛ فنجاح المرحلة الجديدة لن يُقاس بإعادة الإعمار فحسب، بل بقدرتها على ترسيخ العدالة، وصون كرامة الفلسطينيّين، وحماية هويّتهم الوطنيّة، وتأكيد حقّهم الثابت في العودة إلى وطنهم فلسطين.
