مجلة الجولان
→ رجوع

الهوية بين تفكيك الذات ورمزية المكان المفقود

✍ محمّد حلّاق الجرف 📅 2026/08/03 📖 العدد الأول 🗂 الجولان في الفكر السياسيّ السوريّ
تحميل المقال (PDF)

مقدّمة

لم يحضر نزوح أهالي الجولان منذ هزيمة حزيران/ يونيو عام 1967 بوصفه قضية وطنية جامعة في وجدان بقية السوريّين، إذْ أدّت هُويّة النّزوح دورًا إقصائيًا بحقّ النّازحين الجولانيّين وتحوّلت إلى وصْمة تكرّست من خلالها عملية تهميشهم وتمييزهم، وبقي الجولان بالنسبة إلى أهله رمزًا تائهًا بين "أرضٍ" مفقودة و"وطن" بديل مفترض. هذه الهُويّة بقيت هُويّةً معلّقة فلم يعدْ النّزوح مجرّد انتقال موقت عابرٍ من أرض سورية إلى أرض سورية أخرى في وطن واحد، بل أصبح واقعًا دائمًا يتصارع فيه إصرار التمسّك بالأرض الأصلية ضدّ اضطرار العيش والتّعايش مع ظروف المنفى والشّتات الداخلي.
على مدار العقود الماضية، سابقًا في ظلِّ حكم الأسدين في دمشق ومن ثمّ السّلطة الانتقالية الجديدة التي وصلت إلى الحكم في 8 كانون الثاني/يناير 2024، اصطدمت قضية النّزوح هذه بثنائية مركبة من التّهميش، فقد عدّتها السّلطات المتعاقبة مجرّد ورقة مساومة مع إسرائيل، ومجالًا للخطاب الشعاراتي الفارغ من أي معنى والسّاعي إلى "التكسّب الإيديولوجي" من دون أي سعي حقيقي لتأصيل حقوق النّازحين في العقد الاجتماعي السّوري، أو العمل على تحويل الجولان إلى قضية وطنية جامعة لجميع السوريّين. كما أنّ الأدبيات الدولية حصرت قضية النّزوح الجولاني، مثل القضايا المشابهة جميعًا، في مجرّد مجموعة إشكاليات صغيرة تتعلّق بالأبعاد الإغاثية المادّية والإنسانية الضيقة.

سنحاول في هذه الورقة أنْ نسعى إلى كشف أسباب تهميش الأنظمة في سورية لقضية النّزوح في المجتمع والسّياسة السوريّين، وتفكيك آلياته عبر تقديم مقاربة نقدية تهدف إلى تحليل آثار النّزوح على أهالي الجولان، والتي أنتجت برأينا هُويّة متشظّية بين ذاتٍ مفكّكة ورمزية مكان مفقود، وصولًا إلى محاولة تأصيل هذا النّزوح بوصفه قضية وطنية جامعة لا مجرّد مأساة إنسانية معزولة لأناسٍ فقدوا أرضهم. ولتحقيق غايتنا هذه ستعتمد هذه الورقة على آليات التّفكيك الدريدوي La Déconstruction نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida (1930-2004)، وهي آليات تستند إلى منهجية تعمل على تفكيك السّائد من الخطابات و"الشّعارات"، وتعمل أيضًا عن الكشف عن "المسكوت عنه" في القوانين الدّولية والتعاطي الأممي مع قضايا النّازحين. فقد اعتمد دريدا في منهجه التّفكيكي على جملة من المفهومات يمكن تسميتها اصطلاحًا La terminologie Derridienne (أو ما يمكن ترجمته بـالتّرميز الدريدري)، وهو عبارة عن مقولات عدّة سنستخدم منها ثلاثة مصطلحات تفيد في محاولتنا لـ "تفكيك" الخطاب السّلطوي السّائد وتبيان آلية صناعة "الوصْمة" التي التصقت بالنّازحين عمومًا، ونازحي الجولان خصوصًا. وهذه المصطلحات هي: الأثر La Trace، والاختلاف المُرجأ La Différance، والتّمركز حول العقل Le Logocentrisme.

ونحن نعتقد أنَّ هذه المفهومات قد تفيد غاية ورقتنا هذه التي تهدف إلى المساهمة في تحويل الجولان من مجرّد مسألة شعاراتية وورقة مساومة سياسية نفعية إلى قضيّة جامعة في صلب الهُويّة الوطنية والمواطنة السّوريتين، وهذا يتطلَّب بالطبع تفكيك الثّنائيات الإقصائية التّقليدية وصولًا إلى تأسيس "الجولان" كجوهر أساسي وقضية وطنية في أي عقدٍ اجتماعي مستقبلي لسورية.

ستقدم هذه الدّراسة تصوّرًا أوليًّا لمفهوم "تفكّك الذات" من خلال تعرية الثّنائيات الضدية التي يقوم عليها وعي النّزوح: (وطن/منفى)، و(ذات/آخر)، و(مركز/هامش). مع محاولة توضيح آلية مصطلح دريدا في الاختلاف المرجأ (La Différance) في النّصوص القانونية الدّولية. ومن ثمّ سنعمل على كشْف كيف يتحوّل المكان المفقود إلى أثر، أو (La Trace) بحسب تعبير دريدا، يقاوم هذا الفقد، مع الاستمرار في نقد الخطاب القانوني الدولي الذي يختزل النّزوح في البعد الإغاثي والبقاء البيولوجي. لنحاول في النهاية طرح مقترح بديل يتجاوز التفكيك نحو البناء عبر مأسسة قضية النّزوح الجولاني مفاهيميًا ودستوريًا، كي يكون للجولان مكانٌ رئيس في بنود أي عقدٍ اجتماعي سوري مقبل.

تفكّك الذات: صناعة الوصْمة والمسكوت عنه

استخدم دريدا مفهوم "الأثر" كعلامة على حضور الغياب، فهو يدّل على ما "مضى" الذي يترك أثره في الحاضر. إذْ إنّ الأثر عنده يتحرّك باتّجاهين: يُبقي على ذكرى الشيء، ويعلن في الوقت نفسه عن رحيله وغيابه. ولذلك فإنّ الأثر، وفق دريدا، لا يمتلك كيانًا مستقلًا بل يستمد معناه من اختلافه مع الآثار الأخرى، ويضرب دريدا مثلًا عندما يقول بأنّ الكلمة لا تعني شيئًا إلّا لأنَّها ليست كلمةً أخرى. بهذا المعنى نستطيع القول إنّ نزوح الجولان، كأي نزوح آخر، لم يكنْ مجرّد انتقال جغرافي من أرض إلى أرض أخرى بفعل عوامل سياسية وعسكرية. بل هو أثرٌ تحوّل نازح الجولان بسببه إلى "آخر"، بالنسبة إلى بقية السوريّين. وقد عزّز تعامل النّظام السّياسي الرسمي مع مسألة الجولان هذا التحوّل الذي أصبح بمنزلة "وصمة" تُميّز أي جولاني نازح. والنّزوح السوري في تجربته الجولانيّة تجاوز حدود الاقتلاع الجغرافي. فالهُويّة التي تشكّلت بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967 لم تكن بفعل مجرّد انتقال من حيّز جغرافي إلى آخر في وطن واحد، بل كانت مواجهة عنيفة مع بُنىً إقصائية بعد أنْ استقبلت السّلطات السورية النّازحين الجولانيّين في مخيمات بُنيت على عجل في ضواحي دمشق، أشهرها مخيّم الحجر الأسود جنوبي العاصمة، ومخيّم الوافدين غربها، وتوزع بعض النّازحين في أحياء خاصة بهم أصبحت تُعرف شعبيًا بـ "أحياء النّازحين" أشهرها في منطقة برزة قرب دمشق. هذا التوزّع السكاني وضع النّازحين عمليًا ضمن كانتونات محدّدة بحدودٍ معزولة جغرافيًا ونفسيًا ما خلق حالة اجتماعية مركبة عند قاطني هذه الكانتونات: فرسميًا هم سوريون "يتمتّعون" بالحقوق نفسها التي يتمتّع بها بقية السوريّين، وعليهم الواجبات نفسها، وأهمها بالطبع الخدمة العسكرية. وشعبيًا هم دائمًا "آخر" يعيش في "الهامش". وهذا الهامش الناتج من سياسات النّظام السوري لم يكن مجرّد انعكاس للفقر بقدر ما كان ترسيخًا للفصل الاجتماعي، فقد أصبح "المركز" رمزًا للقوّة والهيمنة والشّرعية والفرص أيضًا، وغدا "الهامش" يمثّل التّبعية والنّقص وضرورة البحث عن الاعتراف بالوجود وردّ الاعتبار بالنسبة إلى سكّانه. هذا فصلٌ وتمييز اجتماعي بالمعيار الأوّل، وليس مجرّد آلية سلطوية وإنْ كان نتيجةً لها بالأصل. خصوصًا إذا أخذنا في الحسبان أنّ الفضاء المكاني يتداخل مع الفضاء الاجتماعي لتُكرَّس صورة سكّان أي تجمّعٍ بشري وكأنّهم كتلة اجتماعية متجانسة مع ربط صورة "المخيّم" بالفقر والجهل والإقصاء في المخيال العام، الأمر الذي يولّد ضعف الإحساس بالروابط الوطنية، كالانتماء والهُويّة الوطنية المشتركة من جهة. ومن جانب آخر فإنّه يجعل الإهمال والتّهميش الحكومي أمرًا مبرّرًا، أو على الأقل أمرًا قابلًا للتّسامح، وعندما يعكس الموقع المكاني درجة التصنيف الاجتماعي والتمييز بين (نحن/الآخر) يتحوّل إلى "وصمة" اجتماعية ذات دلالاتٍ سلبية لدى بقية السوريّين.

ثنائية (نحن/الآخر) هذه هي أبرز أثر La Trace ناتج من "الفصل" المكاني ضمن كانتونات موصومة سلفًا، فلا يعود النازحون سكان المخيّمات مجرّد سكان أحياء مختلفة، بل أصبح يُنظر إليهم بوصفهم "آخرين" داخل المجتمع نفسه، هم مواطنون يعيشون في الوطن نفسه، لكنهم "وصمة" خارج المخيّلة الرّمزية لبقية مواطنيه. استند الخطاب الشعبي، في ظلِّ غياب أي خطاب رسمي أو حقوقي، إلى هذه الثنائية لإقصاء النّازح وتصنيعه كـ"منفي" داخل وطنه، وأصبحت صفة "النّازح"، أو "الوافد" في الصّياغات الرسمية المحلية والأممية الملطّفة، وصمة مكرّسة في الأحياء البعيدة، والمعزولة، والمهمّشة. فرزٌ مكاني صارم يُمثّل تجسيدًا دقيقًا لما يدعوه دريدا "التّمكين المكاني" فلا يكون الكانتون مجرّد تجمّع بشري معزول، بل تقنية سلطوية، حكومية ومجتمعية، تُنتج مسافة عازلة وفاصلة تضع النّازح الغريب في مرتبةٍ أدنى وتمنع اندماجه في النّسيج الوطني. الأمر الذي عزّز ما سندعوه بالـ"ذات المتشظّية" المفكّكة، فالنّازح ليس لاجئًا في بلد أجنبي يخضع فيه لقوانين اللجوء ومن ثم يستحقّ حقوقه بصفته لاجئًا، وفي الوقت نفسه فإنّ وطنه يرفض أن يمنحه مواطنته كاملةً، ليجد نفسه نتيجةً لهذا الإقصاء الذي لا يتحمّل وزره، في الـ"لا مكان" تسير حياته اليومية تحت وطأة تمييز مركّب ينظر إليه كحالة طارئة وموقتة على الرغم من استمرارها لأكثر من ستين عامًا.

أدارت السّلطات السورية المتعاقبة لعبة (مركز/هامش) بطريقة نفعية، أكان في عهد الأسدين أم حاليًا في ظلِّ تعقيدات السلطة الانتقالية الجديدة بعد 8 كانون الثاني/ يناير 2024. ولكي نكون منصفين، فإنّ هذه السياسة كانت تستهدف عموم السوريّين لا الجولانيّين فقط، وعند هذه السلطات لا يوجد "مركز" ثابت أو "هامش" مستقر. ففي داخل كل منهما هناك باستمرار عملية توليد مراكز وهوامش جديدة تتّسع أو تضيق بحسب حاجة ومصلحة هذه السلطات. فقد خلقت السلطة لنفسها وضعًا مكّنها من أن تكون المركز الوحيد الذي يحتكر الحقيقة الوطنية وحماية "القضايا السّيادية" المتعلّقة بالجولان المحتل، في وقت دفعت فيه أهالي الجولان ومأساة نزوحهم إلى الهامش، فبينما كان الجولان حاضرًا بشدّة في الخطاب الرّسمي على الأقنية الإعلامية للنّظام، وكان أيضًا ورقة المساومة الأساسية في مفاوضات السّلام التي انخرط فيها مع إسرائيل، كان غائبًا تمامًا على أرض الواقع بالنسبة إلى أهله النّازحين. لقد استُنزفت قضية الجولان كشعار أجوف وورقة مساومة تلوّح به السلطات تجاه الخارج لنيل شرعية على طاولة المفاوضات خارجيًا، ورضا سياسي في الدّاخل.
هذا العقل الإيديولوجي المركزي صنع نوعًا من "العنف الرّمزي" الذي يستحضر الأرض بوصفها فكرة، ولكنّه يمحو الإنسان بوصفه ذاتًا وجودية وسياسية وحقوقية حيّة، وترك النازحين أمام تهميشٍ مجتمعي وإقصاء إداري وغيابٍ شبه كامل للحقوق المدنية والاقتصادية والسّياسية.

لا يتوقف ترسيخ هذه الثنائيات: (ذات/آخر)، و(وطن/منفى)، و(مركز/هامش) عند خطاب السلطة وآلياته فقط، بل إنّه يمتد ليشمل الأدبيات القانونية الأممية التي تختزل مسألة النّزوح إلى مجرّد قضية إنسانية، فمعظم وثائق المنظمات الدولية تركّز على المأوى، والغذاء، والصّحة، والتّعليم، والحماية. وعلى أهمية هذه الأبعاد الإنسانية وضرورتها إلَّا أنَّها تنظر إلى النازح على أنّه مستهلك للسلل الإغاثية لا بوصفه صاحب حقّ سياسي واجتماعي وقانوني، وقد تُنتج هذه الأدبيات بيئة تُخفّف بالفعل من الآثار السّلبية للنّزوح، ولكنّها في الوقت نفسه تترك قضية النّزوح معلّقة، ما دامت هذه الإجراءات لا يرافقها البحث عن الأسباب البنيوية للنّزوح ومحاولة معالجتها.

مع مرور الوقت وإطالة أمد الأزمة تبرز المسألة الأكثر إيلامًا، والأكثر عبثية أيضًا، إذْ تبدأ ممارسات محوٍ صامتة يمكن تفسيرها بالرّجوع إلى آلية الاختلاف المُرجأ La Différance. ومفهوم الاختلاف المُرجأ عند دريدا يفترض أنّ المعنى والهُويّة لا يحضران على نحو نقي وكامل دائمًا، فهما مؤجلان ومُرجآن باستمرار. وعلى هذا فإنّ آلية الاختلاف المُرجأ تقوم على بعدين؛ مكاني وزماني. فالاختلاف يعني أولًا أنّ الشيء يتميّز عن غيره بمسافة، ويعني ثانيًا أنّ المعنى الحقيقي مؤجل حتّى وقتٍ لاحق. وقد تعاملت القوانين الأمميّة والمنظّمات الدولية مع قضية نازحي الجولان بهذا المنطق، منطق الإرجاء المستمر La Différance (وهنا نعود لنؤكّد أنّ هذا هو ديدن هذا المجتمع الدولي في التّعاطي مع كل قضايا النّزوح والهجرة، ولا يقتصر الأمر على مسألة الجولان فقط). وكما ذكرنا، فإنّ الأمر لا يتوقّف عند حدود الخطاب السلطوي المحلي، بل يمتدّ لينبش "المسكوت عنه" في الخطاب القانوني الدولي والأدبيات الأممية التي تعاطت مع قضية النزوح الجولاني.

تعتمد هذه الأدبيات على التّأجيل الزّمني عبر إرجاء وتأجيل الحلّ السياسي والبُعد السيادي المتمثِّل بحقّ العودة واستعادة الأرض، إلى آفاق مستقبلية مفتوحة رهينة بتسويات شاملة مأمولة أو مفاوضات سلام مرتقبة. ومن جهة ثانية، فإنّها تفرغ قضية النزوح من مضمونها الوطني الإنساني الشامل وتحصرها في "سيميائية إغاثية" جافة. إنّ المسكوت عنه في هذه القوانين هو "الجرح الوجودي والسّياسي للنازح"، إذ يجري اختزال الذات الجولانيّة المطالبة بالعدالة والسيادة إلى مجرد "جسد بيولوجي مستهلك" يحتاج إلى الخيمة والمعونة والسّلة الغذائية. إنّ الهُويّة السياسية والحقّ السيادي يُمثّلان أبرز ما هو "مسكوت عنه" بالنسبة إلى أدبيات المنظّمات الدولية، فدائمًا ما تستغل الأدبيات الدولية مفهوم الحياد للإمعان في "العنف الرّمزي". وبحجة الحياد الإنساني تتواطأ المنظّمات الأممية مع سلطات الأمر الواقع أو الأنظمة الحاكمة، فهي تتعامل مع التّهميش الإداري والاجتماعي كـ "أمر واقع" من دون التّنديد بسياسات العزل المكاني التي مارستها الأنظمة لتجعل منهم ورقة مساومة، ومن دون الإشارة صراحةً إلى الطّرف المسؤول عن نزوحهم. وشيئًا فشيئًا فإنّ هذا "الحياد" يتحوّل إلى أداة لتثبيت الهامش وقمع الذّات النّازحة، والخطاب الدولي لا يعبأ كثيرًا بفضح دور الأنظمة في استغلال النازحين وتوظيف ألمهم على نحو شعاراتي.

هذا الاختزال الأممي يتقاطع، عن وعي أو من دون وعي، مع مصلحة الأنظمة المتعاقبة في إبقاء الكانتونات الجولانيّة مجرد هوامش إغاثية معزولة، مجهضًا أي إمكانية لتأصيل هذا النّزوح كقضية وطنية جامعة تتصدر متن أي عقد اجتماعي أو دستوري سوري مستقبلي.

الجولان بوصفه "قضيّة" وطنية جامعة

يواجه الجولانيّون الذي بقوا في أرضهم بعد الاحتلال الإسرائيلي أو الذين نزحوا منها، سؤالًا كبيرًا: لماذا لم يتحوّل الجولان إلى قضية وطنية جامعة للسوريّين؟ لماذا لا يتعامل السوريون مع مأساتهم على أنّها مأساة وطنية تخصّ السوريّين كلهم على غرار المأساة الفلسطينيّة مثلًا؟ لماذا لا يرفع السوريون مطلب حقّ العودة لأهالي الجولان بوصفه حقًّا أصيلًا في المحافل الدّولية؟

للإجابة عن هذه الأسئلة نبدأ بالقول إنه لا يمكن التّعامل مع الجولان وكأنّه مجرّد مشكلة عابرة أو نزاع حدودي محدود بين بلدين متجاورين. في الحقيقة هناك عناصر عديدة تتوافر يمكننا من خلالها إطلاق توصيف "قضية" على مسألة الجولان. فهناك أولًا البعد الجماعي العام، فقضية الجولان طالت جماعة بشرية واسعة، إذ كانت مرتفعات الجولان قبل حرب 1967 تضمّ 312 منطقة مأهولة، يقطنها بحسب التقديرات نحو 147 ألف نسمة على مساحة تُقدّر بـ 1150 كم² (استرجعت سورية منها 50 كم² بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973)، وبحسب الباحث تيسير مرعي فقد بقي منهم بعد الحرب 6390 مواطنًا سوريًّا فقط، فيما نزح الباقون إلى الدّاخل السوري، وخاصةً تجاه دمشق وضواحيها، ومن أصل الـ 312 منطقة مأهولة بقيت فقط ست قرى مأهولة في شمال شرقي مرتفعات الجولان هي: مجدل شمس، بقعاتا، مسعدة، عين قنيا، سحيتا، والغجر. ولاحقًا دمّرت قوى الاحتلال الإسرائيلي قرية سحيتا ورحّلت أهلها إلى قرية مسعدة المجاورة. بنت إسرائيل المستوطنات فوق الأراضي التي تركها أهلها، ويُقدّر حاليًا عدد قاطني الجولان بـ 26 ألف مواطن سوري، و20 ألف مستوطن إسرائيلي. هذا السّرد هو للقول إنّ مسألة الجولان طالت جماعة بشرية واسعة يُقارب تعدادها 150 ألف نسمة. البُعد الثّاني للقضية هو استمراريتها الزّمنية، وقضية الجولان لم تكن حدثًا عابرًا، فهي ما زالت ممتدة منذ ستين عامًا، وتحوّلت بالفعل إلى ملفٍ مفتوح. كما أنّ لـ "القضية الجولانيّة" بعدًا حقوقيًا أخلاقيًا لأنَّها تتعلّق بحقوقٍ أساسية مثل الأرض، والسّيادة، وتقرير المصير، والعودة، والعدالة... وهكذا فنحن نرى أنّ "المسألة الجولانيّة" تمتلك مبرّرات البُعد الجماعي العام، والاستمراريّة الزّمنية، والبعد الحقوقي، وهي مبرّرات كافية برأينا لتصنيفها كـ"قضية" لا مجرّد مسألة حدودية. فما الذي منع إذًا من أن يكون الجولان قضية سورية وطنية جامعة؟

برأينا أمران: الحضور السّياسي والإعلامي الرّسمي الكافي لتحويلها إلى سردية وطنية تحتلّ المكانة التي تستحقها في الذاكرة الوطنية السورية، وأيضًا العمل على ترسيخ الجولان كرمز للظّلم ومقاومة هذا الظّلم. وبالفعل، فإنّ لأهالي الجولان تاريخًا مشرّفًا في رفض قرار الضمّ عام 1981، وكذلك تمسّكهم عبر ستّة عقود بهويتهم السورية على الرغم من جميع محاولات الاحتلال لدمجهم في منظومته. فعلى الرغم من تشابه الظّروف مع القضية الفلسطينيّة، بقي الجولان بعيدًا من الحضور الرّمزي في وعي السوريّين بسبب محدودية التّحرّك الشّعبي، الأمر الذي تتحمّل سلطات الأمر الواقع المتعاقبة مسؤوليته بالدرجة الأولى، فعليها تقع مسؤولية التعبئة والحشْد الشّعبيين، ومسؤولية خلق رأي عام حيوي يُطالب باستقلال الجولان، وحقّ أهله في العودة وتقرير مصيرهم.

لتفعيل هذه الآلية لا يمكن الاكتفاء بنقد واقع الثنائيات الضّدية وهجاء الكانتونات المعزولة، بل لا بدّ من العمل على إفساح المجال أمام حلولٍ بديلة أكثر عدالة، وتحويل نزوح أهالي الجولان من "وصمة" هامشية إلى قضية مركزية وطنية وجامعة. وهذا يتطلَّب بالطبع تشريح البعدين الزمني والمكاني للقضية بحيث لا تبقى الحلول الحقوقية مؤجلة. فلم يعد مقبولًا، خصوصًا بعد سقوط النّظام الأسدي والبدء بمرحلةٍ انتقاليةٍ جديدة، ترك قضية الجولان ساحةً للمساومات السّياسية والشّعارات الجماهيرية، بل يجب نقلها إلى حيّز المأسسة والنّص المكتوب، وذلك بقصد تثبيت الحقوق السياسية والأخلاقية عبر الانتقال من المنطوق الشّفوي، حيث كان الجولان يُستحضر لفظيًا في الخطابات الحماسية ووسائل الإعلام لتحصيل الشّرعية السّياسية في مواجهة الخارج، بينما يُحرم النّازحون عمليًا من حقوق المواطنة الشّاملة ويُتركون لمواجهة التّهميش الإداري والاجتماعي.

إن تحويل الجولان إلى قضية جامعة يبدأ من سحب هذا الملف من سوق "المساومات الإقليمية"، وإعادته إلى الفضاء التداولي السّوري بوصفه حقًّا سياديًا وحقوقيًا يخصّ عمق الهُويّة والمواطنة السورية، وليس كملف إقليمي يُستدعى للتكسب الأيديولوجي أو يُؤجَّل بحجة انتظار تسويات دولية ميتة.

أما الآلية الجوهرية والثانية لهذا التحول، فتتمثَّل بالدسترة والمأسسة داخل صلب العقد الاجتماعي السوري المقبل. لا ينبغي أن تُترك حقوق نازحي الجولان رهينة لوعود الحكومات أو السّياسات الإغاثية الهشّة للمنظّمات الدولية التي تختزل النّازح في بعده البيولوجي والمادي. بل يجب تأكيد قضية الجولان كبندٍ دستوري ثابت في متن الدّستور المرتقب. إنّ هذه المأسسة المكتوبة تعني صياغة عقد اجتماعي يعيد تعريف "المواطنة السورية" بناءً على إنصاف الهوامش، جميع الهوامش، وتفكيك كانتونات العزل، بحيث يُصنَّف الجولان والنّزوح كقضية سيادية وطنية عامة تمسّ وجدان وتكوين كلّ سوري من القامشلي إلى درعا، وتكون أحد المعايير التي يُقاس على أساسها مدى عدالة الدّولة المقبلة وحياديتها تجاه مواطنيها.

إنّ الانتقال بالجولان من "الخطاب المؤجّل" إلى "النصّ الدّستوري" المكتوب والحاضر هو الشّرط اللازم لإلغاء إرث التّهميش، وضمان ممارسة النّازحين لحقوقهم السياسية والمدنية والاقتصادية كاملة من دون تمييز أو وصْمة، مكرّسين الجولان بوصفه حجر زاوية لا غنى عنه في بناء سورية الجديدة.