مجلة الجولان
→ رجوع

لماذا غاب الجولان عن خطاب السلطة والمعارضة منذ احتلالها

✍ سليمان الشمّر 📅 2026/08/03 📖 العدد الأول 🗂 الجولان في الفكر السياسيّ السوريّ
تحميل المقال (PDF)

لقد مضى على خسارة سورية لمرتفعات الجولان ستة عقود، خسارة كانت لا تقل عن الهزيمة في حرب الأيام الستة التي جاءت خسارة الجولان كواحدة من تداعياتها، فتلك كانت هزيمة لبنية المجتمع العربي ومنه السوري، وهي هزيمة لم نخرج من صدمتها وتداعياتها حتى الآن، هزيمتنا في الجولان لم تقتصر على خسارة مساحتها الجغرافية وفقدان ميزتها الاستراتيجية عسكريًا، بل ترتب عليها نزوح سكاني طال أغلب سكانها وتركت لإسرائيل خالية، سوى من أربع قرى لم يتجاوز عدد سكانها بعد ستة عقود 40 ألف نسمة، في حين اضطر نحو 138 ألف نسمة إلى ترك قراهم وأراضيهم وذكرياتهم، وتوزعوا في المدن السورية بخاصة دمشق ودرعا، وقد بات عددهم بعد هذه السنين كلها ينوف على النصف مليون نسمة ممنوعين من العودة إلى ديارهم، ليس بقرار إسرائيلي وسكوت حكومي سوري فقط، بل بعدم اكتراث مجتمعي، بحيث يبدو وكأنه ليس هناك من قضية عنوانها الجولان ونازحو الجولان، أو على الأقل يبدو أنها ليست على جدول العمل الوطني لدى السلطة، وكذلك هي الحال عند قوى المعارضة، على الرغم من مرور هذا الزمن كله على خسارتها، الأمر الذي يطرح السؤال حول الأسباب الكامنة خلف هذا التناسي وعدم الاكتراث؟

في سياق البحث عن أجوبة قد لا تكون شافية، لأنَّه ليست هناك من معطيات موثقة ومعلنة، بل إن المحاولة تقوم على التحليل والربط المنطقي لا أكثر، إلى أن تظهر معطيات موثقة وذات صدقية، ربما من أرشيف الدولة السورية، أو أرشيفات الدول المعنية ومنها إسرائيل، أو من مذكرات أصحاب القرار في ذلك الوقت، إن كانوا قد تركوا خلفهم ما يلقي بعض الضوء على قصة الهزيمة في الـ67، وهنا في طريق البحث عن تفسير لا بد من التطرق إلى مواقف ثلاثة أطراف معنية بهذه القضية، ألا وهي السلطات السورية المتعاقبة، قوى المعارضة السورية في شرطها الموضوعي، ثم النازحون السوريون أصحاب القضية.

أولًا: موقف السلطات السورية من قضية الجولان

بداية بما أن الهزيمة وخسارة الجولان قد وقعت في عهد سلطة البعث بين (1966-1970)، تلك السلطة التي لم تحاسب نفسها على الهزيمة، ولم تعترف بها على أنها هزيمة، بل مجرد نكسة، مصطلح ما زال متداولًا في الأدبيات "نكسة حزيران"، والنكسة في بعض معانيها معجميًا هي الإخفاق، وما دامت كذلك فهي عارضة وسطحية يمكن تجاوزها بجولات مقبلة، وبما أن إسرائيل في عدوانها كانت تستهدف السلطة الثورية في دمشق وفي مصر وأخفقت، لذلك هي عارضة، لكن الخطأ الأكبر أن تلك السلطة، رفضت القرار الأممي 242 الذي يدعو إسرائيل للانسحاب من الأراضي العربية التي احتلّتها في تلك الحرب على الجبهات الثلاثة، وعلى الرغم من أنَّ عبد الناصر قَبِل مبادرة روجرز، إلَّا أنَّ الرفاق في دمشق رفضوا، ما أدى إلى رفع الغطاء السوفياتي عنهم، الأمر الذي مهد وأنجح انقلاب حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر1970.

حكاية موقف السلطة من قضية الجولان تتكثف في استراتيجية حافظ الأسد حيالها وحيال إدارته للحكم في سورية الذي استمرّ خمسة عقود ونيّف، والدور الوظيفي الذي اكتسبه بعد دخوله على خط الحرب الأهلية اللبنانية، وما تبعها من إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينيّة من لبنان، وتشتيتها في المنافي البعيدة (تونس-السودان-اليمن)، ثم تفويضه بحكم لبنان والوصاية عليه لمدة عقدين بعد ذلك التاريخ.

بعيدًا من نظرية المؤامرة، فإن الأسد ووارثه كما بيّنت التجربة، لم يكونا يريدان استعادة الجولان، لا عن طريق الحرب فهما عاجزان عن ذلك وفقًا لميزان القوى القائم، ولا عن طريق السلم عندما أتيحت الفرصة أو كانت محتملة، ذلك أنه وبعد اتّفاق فضّ الاشتباك على الجبهة السورية 1974، أَمِنَ الأسد جبهة الجولان، واشتغل على جبهة لبنان، ليثبت أنه مقاوم على حساب اللبنانيين وحاضرهم، فقد رفض مبادرة السادات، وعمل على تخوينه لسنوات، وانشغل بجبهة الصمود والتصدي( سورية-لبنان-منظمة التحرير-الأردن)، التي أراد منها تقوية موقفه تجاه إسرائيل بعد خروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، وأخفق في هذا المسعى، ولاحقًا بعد حرب الخليج الثانية شارك في مباحثات مدريد للسلام كبقية الوفود العربية المعنية، من دون نيّة فعلية للتوصل إلى تسوية، وبعد أن وقع الأردن اتّفاق وادي عربة/1994، دخل النظام السوري في مفاوضات ماراثونية مع إسرائيل في شيبردتاون في أميركا ثم في جنيف، وعلى الرغم من تلهّف إدارة كلينتون، لدفعه لتوقيع اتّفاق سلام قبل وفاته بوصفه القادر على ذلك بحكم قبضته الحديدية على سورية، إلَّا أنَّ هذه المساعي باءت بالفشل، حيث تذرع أنه يريد مُشاطأة بحيرة طبريا، وتجنّد خلف ما سُمي "وديعة رابين" الوهمية، لكن القراءة العميقة لتقدير الموقف تؤكد أنه لم يكن ليوظف توقيعه على اتّفاق سلام حتى لو حظي بجميع مطالبه؛ ما يفتح الباب واسعًا أمام التساؤلات حول الخلفيات الحقيقية لهذا الرفض المستمر الذي انتهجه الأسد الأب، وسار على خطاه الأسد الابن لاحقًا خلال مفاوضات عام 2008 التي جرت بوساطة تركية.

ذهب بعض المتابعين والمحللين إلى أن الأسد لم يوقع، حتى لا يُحمل الطائفة العلوية التي يدعي تمثيلها وزر اتّفاق سلام مع إسرائيل، وأنه ترك هذا الأمر للسنة، وما يدحض هذا التكهن، أن الأسد لو أراد، لترك نائبه عبد الحليم خدام يقوم بمهمة توقيع الاتّفاق، والأهم من هذا يتجلى في سؤال مهم: هل كان الأسد سيترك السلطة راضيًا للسنّة حتى لو وصل الحكم للوريث العاشر؟ لكن بمنأى عن نظرية المؤامرة التي أُلفَ كثير منها حول الأسد والجولان، فإن ما كان يهم الأسد هو استمرار حكمه قبل أي اعتبار آخر، إذ كان يدرك أنَّ توقيع سلام مع إسرائيل سيتطلَّب إلغاء الحالة الاستثنائية التي كرسها في سورية لضبط الوضع الداخلي، بما فيها الأحكام العرفية وقانون الطوارئ اللذان استمرّا 45 عامًا، وعندما ألغيا استبدلا بقانون الإرهاب الأشد سوءًا، كذلك فإن السلام كان سيعني انفتاحًا سياسيًا وإعلاميًا وفرض رقابة على الميزانيات التي كان يُرصد 70 في المئة منها للجيش والمخابرات حُماة حكمه من خصومه في الداخل، وماذا كان سيفعل بماكينته الإعلامية التي بُنيتْ على محورية خطاب المواجهة وقضية فلسطين والتحرير إلى آخر المعزوفة.

بناءً على ما تقدم يمكن الاستنتاج بنسبة ترجيح عالية، أنه لم تكن للأسد أي مصلحة في تفعيل قضية الجولان، سوى على الصعيد الإعلامي، لكن المؤسف أنه رحل من دون أن يوضح للشعب السوري، كيف كان سيجعل الجولان في وسط سورية كما وعد؟ فبقيت حسرة تحز في نفوس السوريّين، وخاصة أن إسرائيل أهدته -لحكمةٍ ليست معروفة حتى الآن- فرصةً دعائيةً عندما دمرت مدينة القنيطرة الخالية من السكان تفجيرًا بسلاح الهندسة، وطوال تلك السنوات كلها واظب الأسد على اصطحاب ضيوفه الدوليين إلى القنيطرة، ليطلعهم عيانيًا على الوحشية الإسرائيلية، في حين لم يبنِ فيها حجرًا، وكأنه أرادها متحفًا يغطي على موقفه.

ثانيًا: الجولان في عمل المعارضة السورية السياسي

لم يكن موقف القوى السياسية المعارضة من قضية الجولان متمايزًا عن موقف السلطة، لا في العمل الميداني ولا على مستوى الخطاب السياسي، حيث اقتصرت على رحلات ينظمها الحزب الشيوعي السوري في يوم ذكرى الجلاء 17 نيسان/ أبريل من كل عام حتى عام 2000، حيث تنطلق باصات عدة تقل ناشطين إلى منطقة جبل الشيخ في مواجهة قرية المجدل في الطرف المحتل من الجولان، ويجري تبادل الكلمات وإدانة الاحتلال لمدة ساعتين أو أقل، ثم تتحول بعدها الفعالية إلى رحلة ترفيهية في مناطق محافظة القنيطرة قبل العودة إلى دمشق.

على مستوى البيانات السياسية، فقد دأبت الصياغات على إدراج فقرة تخصّ الجولان كلما استدعى سياق الحدث ذلك، مؤكدةً ضرورة وحق تحريره بجميع السبل المتاحة، ثم تحولت هذه اللازمة بعد عام 2000 عند بعض القوى إلى استعادة الجولان بالطرائق السلمية، ربما استبعادًا لخيار الحرب التي لم تكن سورية قادرة عليه، أو تبرؤًا من تهمة استفزاز النظام الذي رفع شعار الأرض مقابل السلام منذ عام 1992.

لم تسعَ الأحزاب المعارضة لتسييس أبناء الجولان، كتوجه مقصود لذاته ومشغول عليه وفق خطط معتمدة، ونتيجة لذلك، لم تغامر إلا قلّة منهم بدخول عالم الأحزاب؛ نظرًا إلى التكلفة الباهظة للنشاط السياسي في ظلِّ حكم حزب البعث والأسدين، وتجريم العمل السياسي خارج البعث وجبهته الوطنية، وتجفيف الحقل السياسي على نحو ممنهج.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتركز حول خلفيات موقف القوى السياسية التي لم تمنح قضية الجولان مكانة في نشاطها السياسي، كما يمليه الواجب حيال قضية وطنية، ولعل أول الأسباب يتمثَّل بأنَّ التركيز كان على القضية الكبرى ألا وهي القضية الفلسطينيّة، فعندما تُحل القضية الكبرى تحريرًا أو استعادةً، تُحل القضايا الصغرى ومنها الجولان تباعًا، فالأحزاب السورية على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية كانت عابرة للوطنية، ولا تعترف بالوطنية وإن اعترفت بها فكمحطة موقتة تجاه الهدف الأكبر وهو توحيد الأمة.

أما ثاني الأسباب فيتجلّى في ضغط السلطة الأمني والسياسي، إذ لم تكن لتسمح بأن يعلو صوت على صوتها في قضية كقضية الجولان، في وقتٍ اكتفت فيه بإجراءات تلطيفية، كدعم أبناء الجولان برفض الجنسية الإسرائيلية، أو قبول أبناء القرى المحتلّة في الجامعات السورية كمبتعثين وبميزات تفضيلية نسبيًا، ومنع أبناء بقية المناطق السورية من زيارة محافظة القنيطرة إلا بموافقة أمنية ليس من السهل الحصول عليها، بمعنى آخر أنها سقفت أي نشاط أو خطاب معارض حيال قضية الجولان.

ثالث الأسباب يتحدد بقلة عدد أبناء الجولان الذين انتظموا بأحزاب سياسية معارضة ما أدى إلى ضعف حامل قضية الجولان من أبنائها داخل تلك الأحزاب، حتى يكونوا دافعًا للأحزاب المعارضة لتبني خطاب وخطط عمل أكثر حضورًا وفعالية تجاه قضية الجولان.

ثالثًا: نازحو الجولان

من المؤكد أن صدور البيان رقم 66 عن وزارة الدفاع السورية، وإذاعته عبر أثير إذاعة دمشق بتاريخ العاشر من حزيران/ يونيو 1967، معلنًا سقوط القنيطرة قبل حدوثه ودخول الجيش الإسرائيلي إليها، بالتزامن مع الانسحاب العشوائي للقطعات العسكرية السورية الداخلة في الحرب على جبهة الجولان تاركين سلاحهم وهائمين على وجوههم على الطرقات وفي الأراضي، قد أشاع حالة من الهلع بين سكان المحافظة، فخرجوا بأولادهم ولباسهم هربًا من مجهول لا يعرفونه، وتفرقوا نازحين في مدينتي دمشق ودرعا وبعض مناطق الجنوب السوري، لا يملكون فراشًا ولا غطاءً، وعليه فهم ضحايا بكل ما يعنيه هذا التوصيف، ضحايا سلطتهم قبل أن يكونوا ضحايا إسرائيل، ذلك أنَّ السلطة التي كانت تعلي بيانات وتصريحات التحرير وهزيمة الكيان وحرب التحرير الشعبية، لم تكلف نفسها عناء تحضير وتهيئة شعبها في مناطق العمليات على الأقل، وأن تعزز صمودهم في أرضهم، في مواجهة احتمال نشوب الحرب، وهزيمة الجيش أو اضطراره إلى الانسحاب، وهم أيضًا ضحايا الجهل، إذ كانت نسبة الأمية في سورية بذلك التاريخ تنوف على 60 في المئة وربما تجاوزت ذلك في القنيطرة، والجهل بطبيعته يولد الخوف وضعف الإحساس بالأمان، والسلطة في ذلك التاريخ ركزت جهدها على خطابات الوحدة والبناء الاشتراكي والتحرير -إن أخذنا خطابها وخططها على محمل الجد- مهملةً تهيئة شعبها تعليميًا ومعرفيًا، وغرس سرديّات الصمود وتجارب الحروب، بل تركتهم لفطرتهم ليقعوا ضحايا للمفهوم السائد الذي استلهمه لاجئو فلسطين من قبل ومفاده "العرض قبل الأرض". وهذان العاملان يفسران حجم النزوح الهائل قياسًا بعدد سكان المحافظة آنذاك والذي تمدد موقتًا ليشمل بعض مناطق ريف دمشق المتاخمة لمسرح العمليات.

كان من الطبيعي أن ينشغل النازحون في سنوات النزوح الأولى بترميم أوضاعهم المعيشية من ملبس ومسكن والبحث عن فرص عمل، ومع مرور ثلاث سنوات على المأساة، دخلت قضية النزوح مرحلة جديدة تزامنت مع استيلاء الأسد الأب على السلطة، وتوجهه نحو تحويل حزب البعث ومنظماته الشعبية إلى أداة مركزية للضبط الأمني والمجتمعي، رديفةً للأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية الأخرى. وشُرعت أبواب الحزب لضم أكبر عدد من الأعضاء بغض النظر عن قناعاتهم بأهداف الحزب من عدمها، بحيث ارتفع عدد أعضائه من بضعة آلاف إلى ما يزيد على ثلاثة ملايين مطلع الثمانينيات، ومع تحول وثيقة الانتساب للحزب إلى شرط إلزامي للحصول على الوظائف العامة، والقبول في الجامعات، والانخراط في الجيش والأمن، تماهى أغلب أبناء الجولان كغيرهم من السوريّين مع هذا المسار طلبًا للاستقرار المعيشي والمهني، الأمر الذي حرم قضية الجولان من أبنائها وحامليها المفترضين، كونهم باتوا ملزمين بموقف الحزب ورؤية أمينه العام، بمعنى أنها لم تعد أولوية وطنية، على الرغم من شعار حافظ الأسد المخاتل "التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل"، ومقولته بأنه "سيجعل الجولان وسط سورية".

من البديهي أنَّه عندما يمنع نظامٌ شعبه من التنظيم أو الانتظام السياسي والمدني، فإنه يحولهم إلى أفراد بهموم فردية، ومن ثم لا فاعلية لهم، وهذه هي حال السوريّين منذ أن استولى البعث على السلطة عام 1963، ومن غير المعلوم إن كانت هذه الحال ستستمر بعد سقوط نظام البعث والأسدية، ما يجعل السؤال؛ حول إمكانية إحياء قضية الجولان أو دفعها إلى مصافِ القضايا الملحَّة في سورية، سؤالًا مشروعًا وقابلًا للعمل عليه، والاعتقاد بأن الإجابة هي "نعم" يمثل خيارًا منطقيًا ومعقولًا، لكنه يظل مشروطًا بتوافر مناخ سياسي وقانوني يتيح للمجتمع السوري تنظيم صفوفه سياسيًا ومدنيًا كلٌ وفق أولوياته وهمومه، لأنَّه كلما تعمقت حركة التنظيم في المجتمع، ازدادت قوته، وازدادت خبرته في آليات تفعيل قضاياه، وهنا يفترض بأبناء الجولان أن يندفعوا في هذا المسار كونهم الأولى بحمل قضيتهم، من دون أن يعفي هذا بقية القوى السياسية والمنظمات المدنية السورية من واجباتها تجاه قضية الجولان والعمل على استعادتها.