الوضع القانوني للجولان السوري في القانون الدولي
تحميل المقال (PDF)في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 2024، وجّه مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة رسالتين متطابقتين إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن، دانَ فيهما توغّل جيش الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة منزوعة السلاح، وفي جبل الشيخ، ومحافظة القنيطرة، واستمرار القصف المكثف الذي استهدف عديدًا من المواقع المدنية والعسكرية في دمشق ومناطق متفرقة من الأراضي السورية [...]، وعدَّ أن ذلك يشكل انتهاكًا جسيمًا لاتّفاقية فك الاشتباك لعام 1974، التي أُعيد تأكيدها في القرار 350 لعام 1974 [...]، وهو ما يتعارض مع قرارات مجلس الأمن 242 لعام 1967، و338 لعام 1973، و497 لعام 1981[1].
في اليوم نفسه، ادعى المندوب الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة، في رسالتين موجهتين إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن، أن: «جماعات مسلحة دخلت منطقة الفصل، واستهدفت قوات الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (أندوف)، و[...]»، مؤكدًا أن إسرائيل ستواصل اتّخاذ التدابير اللازمة لحماية أمنها[2].
وفي 15 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الموافقة على خطة تنمية ديموغرافية وبنية تحتية لهضبة الجولان، هدف الخطة هو تنمية وتوسيع المستوطنات الإسرائيلية في هضبة الجولان، بغرض تعزيز الوجود الإسرائيلي ومضاعفة عدد سكان هضبة الجولان استعدادًا لما يقال عنه "جبهة جديدة مع سورية" في أعقاب سقوط نظام الأسد[3].
ترى إسرائيل في الوضع الراهن داخل سورية فرصةً لتعزيز مكاسبها وترسيخ نفوذها في الجنوب السوري، مستفيدةً من هشاشة الواقع الذي ورثته السلطات الانتقالية، والمتمثِّل بضعف المؤسَّسات، وتدهور الاقتصاد. وفي ظلِّ تركيز السلطة الجديدة على تحقيق الاستقرار الداخلي وتوحيد السيطرة وكسب الشرعية الدولية، يبقى ملف الجولان مؤجلًا عمليًا في المدى المنظور. ويزداد المشهد تعقيدًا بسبب أعمال العنف والانتهاكات التي شهدتها محافظة السويداء في تموز/ يوليو 2025، والتي أضعفت التوازن الاجتماعي الهشّ، ومنحت إسرائيل مبررًا إضافيًا لتعزيز حضورها الأمني والعسكري في الجنوب السوري، بما قد يزيد من تعقيد الأزمة السورية وهشاشة الوضع الإقليمي[4].
تكتسب دراسة الوضع القانوني لمرتفعات الجولان أهمية متزايدة في ظلِّ التحولات الجيوسياسية التي تشهدها سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما نتج منها من تغيرات في موازين القوى الإقليمية. وتبرز أهمية إعادة بحث الأسس القانونية الناظمة لوضع الجولان ومدى تأثير هذه التطورات في الحقوق الثابتة المقررة وفق القانون الدولي.
يهدف هذا البحث إلى تحليل الوضع القانوني لمرتفعات الجولان في إطار القانون الدولي العام، من خلال دراسة الأسس التاريخية والقانونية للنزاع، وبيان الطبيعة القانونية للاحتلال الإسرائيلي ومدى مشروعيته في ضوء قواعد القانون الدولي. كما يتناول الآثار القانونية لسياسات الاستيطان وقرار ضم الجولان ومدى توافقها مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وينقسم البحث إلى محورين رئيسين: عدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان في ضوء القانون الدولي، والبطلان القانوني لضمّ مرتفعات الجولان.
أولًا: عدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان في ضوء القانون الدولي
في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، وقع ما يعرف بحرب الأيام الستة إثر هجوم إسرائيلي انتهى في العاشر من الشهر، مساحات واسعة من الأراضي العربية سقطت بيد الاحتلال، بما فيها مرتفعات الجولان السورية التي سقطت بأيدي القوات الإسرائيلية يومي 9 و10 حزيران/ يونيو 1967[5].
شكّل احتلال إسرائيل للأراضي العربية عام 1967، بما فيها مرتفعات الجولان، نقطة تحول جوهرية في النزاع العربي الإسرائيلي على المستويات السياسية والعسكرية والقانونية. وفي هذا السياق، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 242 بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، مؤكّدًا مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وضرورة تحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. ودعا القرار إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلّة في النزاع، وإنهاء حالة الحرب، واحترام سيادة ووحدة أراضي جميع دول المنطقة واستقلالها السياسي، وضمان حقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها[6].
يُعد قرار مجلس الأمن رقم 242 من أهم قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، إذ شكّل أول إطار دولي لتنظيم نتائج حرب عام 1967 ووضع أسس التسوية السياسية. وتكمن أهميته القانونية في تكريسه مبدأً أساسيًا في القانون الدولي، هو عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، والذي أصبح مرجعًا رئيسًا في معالجة قضايا الاحتلال، بما فيها الجولان. وقد أرسى القرار إطارًا عامًا للسلام قائمًا على الانسحاب من الأراضي المحتلّة، والاعتراف المتبادل، وضمان الأمن والحدود المعترف بها. أما بالنسبة إلى سورية، فقد ارتبطت أهمية القرار بتأكيده مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة وضرورة الانسحاب من الجولان المحتل، على الرغم من تحفُّظها في البداية على عدّه مرجعًا وحيدًا للحل.
من جانب إسرائيل، استند التفسير اللغوي للنص الإنكليزي لقرار 242، وخصوصًا غياب أداة التعريف “the” قبل كلمة territories، إلى القول بأن الانسحاب لا يشمل بالضرورة جميع الأراضي المحتلّة عام 1967، بل يمكن أن يكون انسحابًا جزئيًا مرتبطًا بترتيبات السلام والحدود الآمنة والمعترف بها.
غير أن هذا التفسير يبقى محلّ جدل، لأنَّ القرار في مقدمته يؤكد مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالحرب (the inadmissibility of the acquisition of territory by war)، ما يفيد عدم شرعية الاحتفاظ بأي أراضٍ محتلّة بالقوة. كما أن النص الفرنسي الرسمي يستخدم عبارة des territoires occupés، والتي تُفهم في سياق القرار على أنها تشير إلى الأراضي المحتلّة عام 1967، بما يعزز اتجاهًا نحو تفسير أكثر شمولًا لمبدأ الانسحاب[7].
يؤكد ميثاق الأمم المتحدة بوضوح مبدأ حظر استخدام القوة، حيث تنص المادة 2/4 على منع التهديد بالقوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. ويُعدّ هذا الحظر من المبادئ الجوهرية التي ميّزت نظام الأمم المتحدة عن عصبة الأمم، كما يُعدّ في القانون الدولي المعاصر قاعدة آمرة .(jus cogens)
وقد أرست هذه القاعدة نظامًا يقيّد اللجوء إلى القوة المسلحة، ولا يجيزه إلا في حالات استثنائية مثل الدفاع الشرعي عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن، ما مثّل تحولًا أساسيًا نحو تكريس الأمن الجماعي والحدّ من الحرب كأداة في العلاقات الدولية.
ولا يُعد حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها مجرد هدف سياسي تسعى الدول إلى تحقيقه، بل هو مبدأ قانوني ملزم يفرض التزامات على المجتمع الدولي. وقد تجلّى تطور هذا المبدأ وتعزيزه ضمن التسلسل الهرمي لقواعد القانون الدولي من خلال ممارسات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ولا سيَّما عبر اعتماد «إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة» بالقرار 2625 الذي نص على أنه «لا يجوز أن تكون أراضي دولة ما موضوعًا لاحتلال عسكري ناتج من استخدام القوة بما يتعارض مع أحكام الميثاق».
إذًا الاحتلال في القانون الدولي يعد فعلًا محظورًا، لا يُنشئ مركزًا قانونيًا مشروعًا بحد ذاته، بل يُعدّ وضعًا غير مشروع ينشأ عنه أمر واقع مادي (de facto situation) أي أن الدولة القائمة بالاحتلال لا يمكنها تحويل السيطرة العسكرية إلى حق قانوني.[8]
ومع ذلك، فإن عدم مشروعية الاحتلال لا تعني غياب الآثار القانونية المترتبة عليه. أي إن الاحتلال يُنتج واقعًا ماديًا مفروضًا بالقوة غير مُنتج لأي شرعية قانونية، ولكنه يظل خاضعًا لنظام قانوني خاص يهدف إلى الحد من آثاره ومنع تكريسه كأمر دائم. فالقانون الدولي يُقرّ بأن الأوضاع غير المشروعة التي تنشأ عن خرق قاعدة آمرة لا تُنتج حقوقًا قانونية، لكنها في المقابل تُنشئ جملة من الالتزامات القانونية المستمرة على عاتق الدولة القائمة بالاحتلال، وعلى المجتمع الدولي ككل. ومن أهم هذه الالتزامات: عدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن الانتهاك، وعدم تقديم المساعدة أو الدعم له، وواجب احترام قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة.
استولت إسرائيل على معظم مرتفعات الجولان خلال عدوان حزيران/ يونيو 1967، واحتلّت نحو 1250 كم². وخلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، استعادت سورية نحو 50 كم² شملت مدينة القنيطرة ومحيطها، بينما بقي نحو 1200 كم² تحت الاحتلال الإسرائيلي. وعلى إثر الحرب، اعتمد مجلس الأمن القرار 338 (1973)، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وأكد ضرورة تنفيذ القرار 242 لعام 1967. وفقًا لقرارات مجلس الأمن الجولان أرض محتلّة ومن ثم تخضع لاتّفاقية لاهاي 1907 ولاتّفاقية جنيف الرابعة[9]. ومن ثم تقع على سلطة الاحتلال الإسرائيلية المسؤولية المباشرة في إدارة الجولان المحتل وفقًا لما نصت عليه المادة 43 من لائحة لاهاي 1907 «على سلطة الاحتلال أن تتّخذ جميع التدابير التي تعتمد عليها لإعادة النظام العام والسلامة العامة، مع احترام القوانين السارية في البلاد»، وتسمح المادة 64 من اتّفاقية جنيف الرابعة لسلطة الاحتلال بإصدار قوانين وتنظيمات بغرض الحفاظ على الأمن وضمان الإدارة العامة للإقليم[10]. وذلك في ما لا يتعارض مع احترام الأشخاص المحميين وحماية أمنهم وسلامتهم وضمان المعاملة الإنسانية[11].
تنص المادة 49 من اتّفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على حظر التهجير القسري كما تحظر أيضًا قيام دولة الاحتلال بنقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وهو ما يشكل الأساس القانوني الدولي لحظر الاستيطان. كما أكدت المادة 85 (الفقرة 4/أ) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 أن ترحيل أو نقل السكان المدنيين بصورة غير مشروعة، بما في ذلك نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلّة، يُعد من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. في هذا الإطار، تُعد ممارسات سلطات الاحتلال في الجولان السوري المحتل، ولا سيَّما ما يتعلق بتغيير الوضع الديموغرافي وفرض وقائع سكانية وإدارية جديدة خرقًا فاضحًا لالتزاماته الدولية.
بلغ عدد سكان مرتفعات الجولان السورية قبيل حرب حزيران/ يونيو 1967 ما يقارب 130,000 إلى 145,000 نسمة. وبعد احتلال المنطقة عام 1967، تعرّضت الأغلبية الساحقة من السكان لعمليات نزوح قسري، حيث قُدِّر عدد النازحين بما يراوح بين 120,000 و130,000 شخص، أي ما يعادل نحو 95 في المئة إلى 98 في المئة من إجمالي السكان. ولم يبقَ في المنطقة سوى نحو 6,000 إلى 7,000 نسمة.
يصعب إنكار أن ما جرى في الجولان يشكل حالة نزوح قسري ارتبطت مباشرة بالاحتلال، الأمر الذي يجعله خاضعًا لأحكام المادة (49) من اتّفاقية جنيف الرابعة. ومع ذلك، دأبت إسرائيل على عدم الاعتراف بأن ما وقع في الجولان منذ عام 1967 يندرج ضمن مفهوم "التهجير القسري غير المشروع"، مستندةً في دفاعها القانوني والسياسي إلى جملة من الحجج، أبرزها عدم صدور أوامر ترحيل مباشرة للسكان، وعدّ النزوح نتيجةً لظروف الحرب أو لإجراءات إجلاء فرضتها ضرورات عسكرية. غير أن هذه الحجج يمكن دحضها بسهولة في ضوء الوقائع اللاحقة للاحتلال؛ إذ اتبعت سلطات الاحتلال سلسلة من الإجراءات المتعاقبة شملت تدمير عدد كبير من القرى والتجمعات السكنية أو تركها في حالة خراب تمنع إعادة إعمارها أو عودة سكانها إليها، فضلًا عن طمس المعالم العمرانية والتاريخية والحضارية التي تجسِّد الهُويّة السورية للجولان المحتل. وفي الوقت ذاته، شرعت إسرائيل في إقامة المستوطنات على أنقاض القرى المدمرة، مع توفير مختلف أشكال الدعم المالي والإداري والبنية التحتية اللازمة لاستقطاب المستوطنين الإسرائيليين وتوطينهم في الإقليم المحتل، ما أدى إلى إحداث تغيير ديموغرافي واسع النطاق يتعارض بصورة صريحة مع قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
في الواقع، انتهجت القوات الإسرائيلية خلال حرب حزيران/ يونيو 1967 سياسةً عسكرية اتسمت باستهداف المناطق السكنية في الجولان السوري المحتل وقصفها بصورة مكثفة بهدف إفراغها من سكانها. وتعد مدينة القنيطرة من أبرز الشواهد على هذه السياسة؛ إذ أُعلن عن سقوط المدينة عبر إذاعة دمشق في 10 حزيران/ يونيو 1967 قبل وصول القوات الإسرائيلية إليها فعليًا، وهو ما تسبب بحالة من الذعر والانسحاب الكيفي والفرار الجماعي للقوات الموجودة فيها. أي أن المدينة لم تشهد معارك واسعة النطاق تبرر حجم الدمار الذي لحق بها[12].
وبعد إحكام سيطرتها على الجولان، أنشأت إسرائيل إدارة عسكرية لإدارة الإقليم المحتل، وفرضت مجموعة من الإجراءات القانونية والإدارية التي هدفت إلى ترسيخ الاحتلال وتوسيع الاستيطان. إذ سارعت سلطات الاحتلال، فور انتهاء العمليات القتالية، إلى إقامة مستوطنات على أنقاض القرى والمزارع التي هُجِّر سكانها منها أو في محيطها المباشر. وقد أُنشئت أولى هذه المستوطنات، وهي مستوطنة "مروم غولان"، عام 1967، على مقربة من قرية المنصورة المدمرة، بما يكشف عن وجود سياسة ممنهجة هدفت إلى إحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي دائم في المنطقة، وهو ما يتعارض مع القواعد الآمرة للقانون الدولي الإنساني وأحكام اتّفاقية جنيف الرابعة[13].
في 14 حزيران/ يونيو صدر أمر عسكري يقضي بإعلان كامل منطقة الجولان منطقة عسكرية مغلقة، وحُظر على أي شخص، مهما كانت هويته، الدخول إليها أو الخروج منها[14]. ثم صدر الأمر العسكري رقم (1) بتاريخ 18 من الشهر نفسه بشأن المناطق المغلقة، ونص على أنه: «لا يجوز لأي شخص الدخول إلى منطقة هضبة الجولان من منطقة تقع خارجها إلا بتصريح يصدر مني (الحاكم العسكري)». وتوالت بعد ذلك الأوامر العسكرية التي استهدفت تهجير السكان ومنع عودتهم إلى قراهم.[15]
ومع الانتهاء من سياسات الطرد، بدأت مرحلة السيطرة على الممتلكات، حيث صدر الأمر العسكري رقم (20) المتعلق بالأموال المتروكة والممتلكات الخاصة، والذي منح سلطات الاحتلال صلاحيات واسعة للتصرف بأملاك المواطنين العرب الذين فقدوا حقهم فيها بذريعة أنهم "غائبون" عنها. وفي 27 آب/ أغسطس صدر الأمر العسكري رقم (39)، الذي عدّ جميع القرى التي هُجّر سكانها قرى متروكة، ومنع أصحابها من العودة إليها أو دخولها، ما مهّد لسياسات الاستيلاء على الممتلكات، في خرقٍ للمادة 46 من لائحة لاهاي التي تحظر مصادرة الممتلكات الخاصة.
ووفق المادة 55 من لائحة لاهاي لعام 1907، تُعد سلطات الاحتلال مجرد “مدير ومؤتمن على الأملاك العامة في الإقليم المحتل”، ويتوجب عليها الحفاظ على رأس مال هذه الأملاك. إلَّا أنَّ السلطات الإسرائيلية، وبموجب الأمر العسكري رقم (21) الصادر في الأشهر الأولى بعد الاحتلال، استولت على جميع الممتلكات التابعة للجمهورية العربية السورية، بما في ذلك النقود والحسابات المصرفية والأسلحة والذخيرة ووسائط النقل والمركبات والعتاد الحربي والمدني وغيرها.
لاحقًا، تعززت سياسات السيطرة عبر الأمر العسكري رقم 120 الصادر في آذار/ مارس 1968، والذي نص على وضع اليد على الموارد المائية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد ليشمل نهب آثار الجولان وتزوير تاريخه[16].
وتشكِّل هذه الممارسات، عند النظر إليها في مجموعها وفي سياقها الزمني المتصل، دليلًا قويًا لا يدع مجالًا للشك في أن ما شهده الجولان لم يكن مجرد نتيجة عرضية أو أثرًا جانبيًا للأعمال الحربية التي وقعت عام 1967 أو في 1973، وإنما كان جزءًا من سياسة ممنهجة ارتبطت بأهداف الاحتلال الرامية إلى فرض السيطرة الدائمة على الإقليم وإحداث تغيير جذري في بنيته السكانية والجغرافية. فقد اقترنت السيطرة العسكرية على الأرض بسياسة تهدف إلى إفراغها من سكانها الأصليين، والحيلولة دون عودتهم إليها، والاستيلاء على ممتلكاتهم العامة والخاصة ووضع اليد عليها والتصرف فيها بما يخدم المصالح الاستيطانية لدولة الاحتلال.
ولا يمكن النظر إلى التدابير والقرارات المذكورة سابقًا بوصفها إجراءات موقتة فرضتها اعتبارات عسكرية أو أمنية، إذ تكشف طبيعتها المتراكمة واستمرارها عبر العقود عن وجود سياسة تهدف إلى تكريس واقع قانوني وسياسي جديد في الجولان، يقوم على ضم الإقليم. وقد بلغت هذه السياسة ذروتها بإصدار "قانون الجولان" عام 1981، الذي أعلنت إسرائيل بموجبه فرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها على الجولان المحتل، في خطوة عُرفت على نطاق واسع بأنها قرار بضم الإقليم.
ثانيًا: البُطلان القانوني لضمّ مرتفعات الجولان
في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1981 اتخذت إسرائيل ما عُرف بـ «قانون الجولان»، حيث أقر الكنيست الإسرائيلي مشروع القانون الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، مناحيم بيغن. وقد جاء نصّ القانون مقتضبًا جدًّا، إذ اقتصر على ثلاث مواد رئيسة، نصت المادة الأولى منها على أن: «يسري قانون الدولة وقضاؤها وإدارتها على منطقة مرتفعات الجولان كما هو مبيَّن في الملحق». أما المادة الثانية فقد قررت نفاذ القانون من تاريخ إقراره في الكنيست، في حين خولت المادة الثالثة وزير الداخلية، بالتشاور مع وزير العدل، صلاحية إصدار الأنظمة اللازمة لتنفيذ القانون، بما في ذلك الأحكام الانتقالية المتعلقة باستمرار العمل بالأنظمة والأوامر واللوائح الإدارية والحقوق والالتزامات التي كانت سارية في الجولان قبل نفاذ القانون.
وعلى الرغم من أنَّ النص التشريعي لم يتضمّن لفظ «الضم» صراحة، إلَّا أنَّ مضمونه وأهدافه وآثاره القانونية تعني من دون لَبْس فرض السيادة الإسرائيلية على الجولان، من خلال إخضاعه بصورة كاملة للمنظومة القانونية والقضائية والإدارية لإسرائيل.
وقد أثار إقرار القانون ردات فعل دولية واسعة ورفضًا قاطعًا من المجتمع الدولي، بوصفه انتهاكًا لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي، وعلى إثر ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 497 بتاريخ 17 كانون الأول/ ديسمبر 1981، أي بعد ثلاثة أيام فقط من صدور القانون، وأكد فيه أن قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها على الجولان السوري المحتل «باطل ولاغٍ وليس له أي أثر قانوني دولي»، كما طالب إسرائيل بسحب قرارها فورًا، مؤكدًا استمرار انطباق اتّفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على الجولان بوصفه أرضًا محتلّة.
اعتُمد القرار بالإجماع من الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وعلى الرغم من أنَّ صياغته اتسمت بالقوة والحسم من حيث المضمون، فإنه لم يصدر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وإنما جاء في إطار الفصل السادس المتعلق بتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، وذلك استنادًا إلى صلاحيات مجلس الأمن العامة بموجب المادة 24 من الميثاق.
ومع ذلك، فإن صدوره في إطار الفصل السادس لا ينتقص من قيمته القانونية أو من قوته الإلزامية من حيث المبدأ، ولا سيَّما أنه عبّر عن موقف دولي جماعي واضح وحاسم. غير أنه، بخلاف قرارات الفصل السابع، لا يتضمّن آليات تنفيذ قسرية أو تدابير إلزامية لفرض الامتثال، مثل العقوبات أو استخدام القوة، وإنما يقتصر على التأكيد القانوني على بطلان الإجراء محل القرار.
وفي 5 شباط/ فبراير 1982 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار ES-9/1، الذي عدّ أن قرار إسرائيل بفرض قوانينها وإدارتها على الجولان السوري المحتل هو قرار «باطل ولاغٍ ولا يترتب عليه أي أثر قانوني دولي». كما أعلن القرار أن قرار إسرائيل هذا يُعدّ عملًا عدوانيًا بموجب أحكام المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة. وطالب القرار جميع الدول الأعضاء تطبيق التدابير الآتية: (أ) الامتناع عن إمداد إسرائيل بأي أسلحة أو معدات متصلة بها ووقف أي مساعدات عسكرية تتلقاها إسرائيل منها؛ (ب) الامتناع عن اقتناء أي أسلحة أو معدات عسكرية من إسرائيل؛ (ج) وقف المساعدات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية لإسرائيل ووقف التعاون معها؛ (د) قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والثقافية مع إسرائيل؛ وطلب أيضًا إلى جميع الدول الأعضاء أن تكفّ على الفور، فرادى ومجتمعة، عن كل تعامل مع إسرائيل كي تعزلها عزلًا تامًا في جميع الميادين.
جاء هذا القرار في بعد إخفاق مجلس الأمن الدولي بسبب الفيتو الأميركي باستصدار قرار يتعلق بإدانة إجراءات إسرائيل في الجولان السوري المحتل. صوتت لصالح القرار86 دولة، و21 دولة صوتت ضده، و34 دولة امتنعت عن التصويت، وهو ما يعكس دعمًا دوليًا واسعًا للموقف الرافض للإجراءات الإسرائيلية في الجولان، ويؤكد وجود اتجاه غالب داخل المجتمع الدولي لتكريس مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة. كما يُظهر في الوقت ذاته استمرار الانقسام السياسي بين الدول الأعضاء، بما يعكس تأثر مواقف بعض الدول باعتبارات سياسية وتحالفات استراتيجية، على الرغم من الطبيعة غير الملزمة لقرارات الجمعية العامة.
استنادًا إلى وثيقة الأمم المتحدة التي تُسجل مداخلات إسرائيل في الجلسات المرتبطة بقرار الجمعية العامة ES-9/1 لعام 1982، يمكن تلخيص الموقف الإسرائيلي على النحو الآتي:
تمسّكت إسرائيل بأن قرار الجمعية العامة بشأن الجولان يمثل إجراءً سياسيًا غير ملزم قانونيًا، مؤكدة أن الجمعية العامة لا تملك صلاحية فرض التزامات قانونية على الدول، وأن قراراتها تظل توصيات. وأشارت إسرائيل كذلك إلى أن الصراع في الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن التهديدات الأمنية المستمرة ضدها.[17]
وفي مداخلات المندوب الإسرائيلي أمام الجمعية العامة، أكدت إسرائيل أن مرتفعات الجولان لم تكن وفق طرحها خاضعة لسيادة سورية “فعليًا أو قانونيًا بصورة مكتملة”، وأن وضعها السابق كان نتيجة ترتيبات وقف إطلاق النار لعام 1949 وليس حدودًا دولية نهائية. وبناءً على هذا التصور، عدّت إسرائيل أن قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة التي تفترض وجود “أرض سورية محتلّة” تنطلق من فرضية قانونية غير مقبولة لديها.
كما ربطت إسرائيل بين هذا الموقف ورفضها للقرارات الأممية، إذ أكدت أن الإجراءات التي اتخذتها في الجولان (وخاصة قانون الجولان) لا تُعد ضمًا لأرض ذات سيادة معترف بها، بل هي تدابير إدارية وأمنية داخل منطقة خاضعة لسيطرتها الفعلية منذ 1967. ومن ثم، رأت أن قرارات الأمم المتحدة، لا تعكس التعقيد الحقيقي للنزاع[18].
أي أنَّ إسرائيل لا تعترف بسيادة سورية على الجولان قبل الاستيلاء عليه في 1967، على الرغم من أنَّ سورية أصبحت عضوًا في الأمم المتحدة في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1945، بل كانت من الدول المؤسَّسة للأمم المتحدة، فقد وقّعت ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو في 26 حزيران/ يونيو 1945، ثم صدّقت عليه قبل دخوله حيّز النفاذ في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1945. صحيح أن الانضمام إلى الأمم المتحدة لا يُعدّ بذاته اعترافًا قانونيًا بحدود الدولة بتاريخ القبول، إلَّا أنَّ انضمام سورية عام 1945 استلزم اعترافًا دوليًا بسيادتها ضمن حدودها الموروثة من فترة الانتداب. وهذه الحدود هي تلك التي نتجت من الترتيبات الدولية التي كانت سائدة آنذاك خلال فترة الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، ثم استقلال سورية. ومن المفيد التذكير في هذا السياق بأن قبول إسرائيل عضوًا في الأمم المتحدة لم يكن أمرًا تلقائيًا أو فوريًا في عقب إعلان قيامها في 14 أيار/مايو 1948، إذ رُفض طلبها للانضمام إلى المنظمة الدولية مرتين. وفي شباط/ فبراير 1949، جددت إسرائيل طلبها للعضوية، فأوصى مجلس الأمن بقبولها بموجب القرار رقم 69 (1949)، قبل أن تعتمد الجمعية العامة، بتاريخ 11 أيار/مايو 1949، القرار رقم 273(III) ، الذي أُقرت بموجبه عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.
وقد سبقت هذا القبول نقاشات مستفيضة داخل اللجنة السياسية الخاصة التابعة للجمعية العامة، حيث قدم ممثل إسرائيل آنذاك، أبا إيبان، جملة من التصريحات والتوضيحات أكد فيها أن حكومته تقبل الالتزامات الناشئة عن ميثاق الأمم المتحدة، كما أعلن استعدادها لتنفيذ القرارات الأساسية التي أصدرتها الأمم المتحدة بشأن فلسطين، وعلى وجه الخصوص القرار رقم 181 (II) الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 بشأن تقسيم فلسطين، والقرار رقم 194 (III) الصادر في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1948 بشأن اللاجئين الفلسطينيين ووضع القدس[19].
وقد أولت الجمعية العامة لهذه التصريحات أهمية خاصة، وهو ما انعكس صراحة في القرار رقم 273(III) ، إذ نصَّ على أنَّ الجمعية العامة «تحيط علمًا بالبيانات والتوضيحات التي قدمها ممثل حكومة إسرائيل أمام اللجنة السياسية المخصصة بشأن تنفيذ القرارين 181 (II) و194(III) ». ومن ثم، فإنَّ قبول إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة ارتبط، من الناحية السياسية والقانونية، بتعهدها احترام مبادئ الميثاق والقرارات الأساسية الصادرة عن الأمم المتحدة وهي حقيقة تكتسب أهمية خاصة في ما يتعلق بسيادة سورية على الجولان والحدود بين سورية وإسرائيل.
على الرغم من أنَّ القيمة القانونية لقرار الجمعية العامة رقم 181 (II) لعام 1947، المعروف بـ«خطة التقسيم»، تُعد محدودة لكونه توصية غير ملزمة، فإن قبول إسرائيل به يُفسَّر على أنه التزامٌ مبدئي بمبدأ التقسيم وما ترتب عليه من تصور لحدود عام 1947. كما تستند إسرائيل في مقاربتها إلى رفض الدول العربية لهذا القرار في حينه وعدّه غير شرعي. ومع اندلاع حرب 1948، لم يعد تطبيق حدود القرار ممكنًا على أرض الواقع، إذ بسطت إسرائيل سيطرتها على مساحات أوسع من تلك التي نصت عليها خطة التقسيم، لتُستبدل لاحقًا بخطوط الهدنة لعام 1949، والتي وُصفت بأنها ترتيبات عسكرية موقتة لا ترقى إلى مستوى الحدود الدولية النهائية.
وقد وُقِّعت اتّفاقية الهدنة بين سورية وإسرائيل في 20 تموز/ يوليو 1949، ونصت صراحةً على أن خط الهدنة لا ينبغي تفسيره على أنه «ينطوي بأي شكل من الأشكال على ترتيبات نهائية ذات طابع إقليمي تخص الطرفين في هذه الاتّفاقية» (المادة الخامسة). ويبدو أن هذه الصياغة تعني أنَّ أي تعديل للوضع الإقليمي القائم لا يمكن أن ينتج إلا من اتّفاق بين الطرفين، وأن أي محاولة أحادية الجانب لتغيير هذا الوضع تُعد غير مشروعة. ومن ثم، فقد استقر الرأي على أن اتّفاقية الهدنة لا تمس بالتسوية النهائية للنزاع، وأنَّ هذه التسوية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال اتّفاق، كما لا يجوز لأي من الطرفين أن يغيّر الوضع القائم من جانب واحد. ولهذا السبب، ومع الأخذ في الحسبان قبول إسرائيل عضوًا في منظمة الأمم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة الصادر في 11 أيار/مايو 1949، ترى بعض الدول، ومن بينها فرنسا، أنه -مع إمكانية إدخال تعديلات يجري التفاوض بشأنها- ينبغي أن تتطابق حدود إسرائيل مع خطوط الهدنة المرسومة عام 1949.
وبما أنَّ تعديل الوضع الإقليمي أو تغيير الحدود من جانب واحد غير جائز، إذ إنَّه يتطلَّب اتّفاقًا بين الأطراف المعنية، فقد رفضت عديد من الدول قرار ضم الجولان، بوصفه تغييرًا أحادي الجانب للوضع القانوني.
في الحقيقة، يبدو من غير الملائم قانونًا محاولة إثبات مسألة السيادة السورية على مرتفعات الجولان من خلال الاتّفاقات العسكرية أو رهنها بإرادة أطراف النزاع، إذ إن هذه السيادة تستند، في المقام الأول، إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي العام. وفي مقدمتها مبدأ أوتي بوسيديتيس يوريس (Uti possidetis juris)، الذي يقضي بأن تحتفظ الدولة المستقلة بالحدود الإدارية التي كانت قائمة عند حصولها على الاستقلال، والتي تتحول بحكم القانون إلى حدود دولية. يُعد هذا المبدأ أحد مبادئ القانون الدولي، ويقضي بأن حدود الدولة المستقلة حديثًا تتطابق مع الحدود الإدارية السابقة التي كانت قائمة قبل حصولها على الاستقلال.
ويهدف هذا المبدأ إلى منع قيام كل دولة ناشئة بالمطالبة بأراضٍ مجاورة، الأمر الذي قد يؤدّي إلى نشوء نزاعات حدودية. ومن ثم، فإن المبدأ يقوم على الحفاظ على الحدود الموروثة عند لحظة نشوء الدولة الجديدة. كما يُعد مبدأ السلامة الإقليمية (سلامة الأراضي) من المبادئ المكملة له، إذ يمنع الدول الأخرى من تغيير حدود دولة ما بالقوة، وهو مبدأ منصوص عليه بصورة خاصة في ميثاق الأمم المتحدة.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية النزاع الحدودي (بوركينا فاسو ضد مالي) الصادر في 22 كانون الأول/ ديسمبر 1986 ما يأتي: «إن مبدأ أوتي بوسيديتيس ليس قاعدة خاصة بنظام معين من أنظمة القانون الدولي، وإنما هو مبدأ عام يرتبط منطقيًا بظاهرة حصول الدول على الاستقلال، أينما وقعت هذه الظاهرة».
ومن ثم، أكدت المحكمة أن هذا المبدأ أصبح مبدأً عامًا في القانون الدولي ينطبق على جميع حالات إنهاء الاستعمار وقيام الدول المستقلة، ويهدف إلى الحفاظ على الحدود الإدارية الموروثة وتحويلها إلى حدود دولية، بما يضمن استقرار العلاقات الدولية ويحول دون نشوء نزاعات إقليمية في عقب الاستقلال[20].
إذا رجعنا، على سبيل المثال، إلى القرار المتعلق بانتداب فلسطين[21] الصادر في 24 يوليو/تموز 1922، نجد أنه ينص على أن الانتداب يُمارس «في حدود تُحددها تلك القوى». وقد جرى ترسيم الحدود بين الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان والانتداب البريطاني على فلسطين عبر سلسلة من الاتّفاقات الثنائية بين فرنسا وبريطانيا، كان أهمها وآخرها اتّفاق بوليه–نيوكومب لعام 1923، الذي يُعد الاتّفاق الحاسم في ترسيم الحدود النهائية بين الانتدابين. وأُدرجت مرتفعات الجولان ضمن أراضي الانتداب الفرنسي على سورية[22].
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن أحكام الانتداب، كما حددها مجلس عصبة الأمم، تضمنت بندًا يضمن سلامة الإقليم الخاضع للانتداب، بما يعني أنه عند انتهاء الانتداب تمارس الدولة الناشئة سيادتها على الإقليم الواقع ضمن الحدود السابقة، فتغدو هذه الحدود حدودًا دولية. وينطبق ذلك على حالة سورية التي لم يكن ثمة نزاع بشأن حدودها عند حصولها على الاستقلال وانضمامها إلى الأمم المتحدة. وعليه، وبصرف النظر عن الجدل القائم حول نطاق الحقوق الإقليمية لإسرائيل، فإنَّ السيادة السورية على مرتفعات الجولان كانت، من منظور القانون الدولي المعاصر، محل اعتراف دولي ولا تثير نزاعًا قانونيًا يُعتدّ به.
ومع ذلك، ترفض إسرائيل الإرث القانوني الناجم عن نظام الانتداب، إذ أكدت، على لسان رئيس وزرائها مناحيم بيغن وعلى لسان مندوبيها في الأمم المتحدة، أن الحدود التي أُقرت في ظلِّ الانتدابين الفرنسي والبريطاني لا تشكل حدودًا دولية ملزمة لها، ووصفتها بأنها نتاج ترتيبات استعمارية لا تُلزم الدولة الإسرائيلية. وقد شدد بيغن، شأنه شأن عدد من القادة الإسرائيليين، على مفهومي «الحدود التاريخية» و«الحدود الآمنة» بوصفهما الأساس الذي تستند إليه إسرائيل في تحديد نطاقها الإقليمي[23].
وبالرجوع إلى التاريخ، كانت المنظمة الصهيونية[24] قد قدمت في 3 كانون الأول/ ديسمبر 1919 مذكرة إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلام في باريس، تضمنت حدودًا مقترحة تشمل مناطق تقع ضمن ما يُعرف اليوم بمرتفعات الجولان، ولا سيَّما المناطق المتصلة بجبل الشيخ ومنابع نهر الأردن، استنادًا إلى اعتبارات استراتيجية ومائية. ومن ثم، يمكن القول إن الأطماع الصهيونية في الجولان تعود إلى مرحلة مبكرة تسبق قيام دولة إسرائيل، وهو ما يُضعف الحجج التي تربط احتلال الجولان باعتبارات الدفاع الشرعي أو بالحاجات الأمنية الطارئة، ويعزز الرأي القائل بأن السيطرة عليه ارتبطت أيضًا بأهداف إقليمية واستراتيجية أوسع، مائية خصوصًا وعسكرية[25].
في الخاتمة، لا تقوم الادعاءات الإسرائيلية بشأن الجولان على سند قانوني معتبر في مواجهة قواعد القانون الدولي العام، إذ يُعد إقليمًا سوريًّا محتلًّا، ويُعدّ قرار ضمه باطلًا ولا يترتّب عليه أي أثر قانوني. وبناءً عليه، تلتزم الدول بعدم الاعتراف بهذا الوضع أو تقديم أي دعم من شأنه الإبقاء عليه، وفقًا لما كرّسه قرار الجمعية العامة 2625 بوصفه من أهم النصوص التفسيرية لميثاق الأمم المتحدة، ولا سيَّما في ما يتعلق بمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، حيث نص على أنه: «يُحظر أي اكتساب إقليمي ينتج من التهديد باستعمال القوة أو استخدامها، ويجب عدم الاعتراف به كأمر مشروع»[26].
في هذا السياق، يُعدّ الاعتراف الأميركي عام 2019 بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان خروجًا عن الإطار القانوني الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. وعليه، فإن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستهدف استعادة الجولان، مع تجنب إضفاء أي شرعية على الأمر الواقع القائم اليوم.
الهوامش
- A/79/687–S/2024/888 ^
- S/2024/887 ^
- الحكومة الإسرائيلية، أخبار مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. ^
- مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تقرير لجنة التحقيق الأممية بشأن الانتهاكات الجسيمة في سورية. ^
- https://www.britannica.com/event/Six-Day-War. ^
- قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967. ^
- تجدر الإشارة هنا إلى أنَّه لا توجد "نسخة عربية أصلية رسمية" للقرار 242 عند صدوره حيث لم تكن اللغة العربية لغة رسمية معتمدة في مجلس الأمن. ^
- Les débats à la sixième Commission, D.O.A.G., XXXVIe session, A/36/649. ^
- في القانون الدولي الإنساني، يعدّ الاحتلال واقعًا عندما تُوضع منطقة ما فعليًا تحت سيطرة دولة لا تملك السيادة عليها. وتُعرّف المادة 42 من لوائح لاهاي لعام 1907 الاحتلال على النحو الآتي: "تُعتبر المنطقة محتلة عندما تُوضع فعليًا تحت سلطة جيش العدو. ولا يمتد الاحتلال إلا إلى تلك المناطق التي تُمارس فيها تلك السلطة فعليًا". ^
- المــادة (64) تبقى التشریعات الجزائیة الخاصة بالأراضي المحتلة نافذة، ما لم تلغھا دولة الاحتلال أو تعطلھا إذا كان فیھا ما یھدد أمنھا أو یمثل عقبة في تطبیق ھذه الاتفاقیة....... ^
- المــادة (27) للأشخاص المحمیّین في جمیع الأحوال حقّ الاحترام لأشخاصھم وشرفھم وحقوقھم العائلیة وعقائدھم الدینیة وعاداتھم وتقالیدھم. ویجب معاملتھم في جمیع الأوقات معاملة إنسانیة، وحمایتھم بشكل خاص ضد جمیع أعمال العنف أو التھدید، وضد السباب وفضول الجماھیر. ^
- إسرائيل أعادت مدينة القنيطرة إلى سورية بموجب اتفاقية فصل القوات لعام 1974. ^
- نزار أيوب، المكانة القانونية للجولان المحتل ومواطنيه السوريّين في القانون الدولي، في كتاب الجولان السوري المنسي وموقعه في سورية المستقبل، أعمال ندوة مركز حرمون للدراسات المعاصرة 2-3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (غازي عنتاب: مركز حرمون للدراسات المعاصرة ومؤسَّسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، أيار/ مايو 2017). ^
- مناشير أوامر وإعلانات صادرة عن قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي في منطقة هضبة الجولان، العدد 1، تل أبيب، مطبعة دافـار، ،1968، ص 9. ^
- الأمر العسكري رقم (14) الصادر في 4 تموز/ يوليو بخصوص مدينة القنيطرة الذي أعلنها منطقة عسكرية مغلقة، ثم الأمر رقم (15) المتعلق بإغلاق جميع قرى الجولان. والأمر رقم (7) المتعلق بمعاقبة جميع السكان العائدين إلى قراهم وطردهم إلى سورية. ^
- أسماء راتب معروف شهوانه، الاستيطان الصهيوني في هضبة الجولان السورية (1967م – 2000م / دراسة تاريخية تحليلية)، (نابلس: رسالة الماجستير في التاريخ بكليـة الدراسـات العليا في جامعة النجاح الوطنية، 2010). ^
- محضر جلسة من وثائق الأمم المتحدة. ^
- الدورة الاستثنائية الطارئة للجمعية العامة. ^
- The Legality of a Jewish State A Century of Debate over Rights in Palestine, Cambridge University Press, 2021, pp. 228-238. ^
- صفحة قضية أمام محكمة العدل الدولية. ^
- مجلس عصبة الأمم في 24 تموز/ يوليو 1922، ودخلت حيز النفاذ في 29 أيلول/ سبتمبر 1923. ^
- وثيقة عصبة الأمم، C.529.M.314.1922.VI ^
- Vincent Coussirat-Coustère, Israël et le Golan, problèmes juridiques résultant de la loi du 14 décembre 1981, Annuaire Français de Droit International, Année 1982 28 pp. 185-214 ^
- المادة الرابعة من قرار الانتداب: وثيقة عصبة الأمم C.528.M.313.1922.VI. ^
- M. Muslih, «Le Golan, état des lieux et enjeux stratégiques», Revue d’études palestiniennes, n° 16, été 1998. ^
- وقد أقرت الأمم المتحدة ممثلةً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، صراحةً، بتطبيق الالتزام الأول من هذين الالتزامين على حالة شبه جزيرة القرم. ^
