سياسات التغييب واحتكار الذاكرة لأهالي الجولان النازحين
تحميل المقال (PDF)ملخّص
تتناول هذه الورقة نزوح أهالي الجولان السوري بوصفه مسارًا ممتدًا عبر ثلاثة أجيال، متجاوزةً مقاربته كحدثٍ تاريخي مغلق وقع عام 1967. وتجادل بأنَّ التغييب شبه الكامل لهذه الجماعة عن الأدبيات الأكاديمية والذاكرة العامة ليس إهمالًا عرضيًا، بل يُمثّل «غيابًا مُنتَجًا» صنعته آلياتٌ سلطوية ومعرفية، احتكرت القضية رمزيًا وفكّكت حامليها اجتماعيًا. وعبر تحليل وثائقي يتتبع ثلاث محطات مفصلية -التهجير التأسيسي عام 1967، مرورًا بتدمير تجمعات النازحين وتهجير سكانها بعد عام 2011، وصولًا إلى التوسّع الإسرائيلي ما بعد كانون الأول/ ديسمبر 2024- تفكّك الورقة البنى التي ساهمت في صناعة هذا الصمت التاريخي. مستندةً إلى أدبيات تفكيك المعرفة وإنتاج الجهل، وإلى المصادر الأولية وتقارير المنظمات الدولية، تخلص الورقة إلى أنَّ المسار الجولاني محكومٌ بثلاثية ثابتة تتمثَّل بالهشاشة، واحتكار التمثيل، والإنتاج المتبادل بين التغييب والتهجير. وتؤكد في ختامها أنَّ استرداد قضية نازحي الجولان يبدأ من تحرير المعرفة والذاكرة من هيمنة السرديّات الرسمية لتستعيد الجماعة حقها في تمثيل ذاتها.
الكلمات المفتاحية: الجولان السوري؛ الاحتلال؛ النزوح الممتد؛ الذاكرة الجمعية؛ إنتاج الصمت؛ سورية.
مقدّمة
في الأيام الأخيرة من حزيران/ يونيو 1967، كان نحو 131 ألف سوري قد اقتُلعوا من قراهم ومدنهم في الجولان؛ أي ما يقارب 95 في المئة من سكان الهضبة، في واحدة من أوسع عمليات التهجير القسري في تاريخ المشرق الحديث[1]. وبعد قرابة ستة عقود، لا يقابل هذا الحجم من الاقتلاع سوى ندرة بحثية لافتة، حولت النازحين إلى هامشٍ في أدبيات الصراع العربي–الإسرائيلي، وإلى رقمٍ عابر في حواشي الدراسات الجيوستراتيجية عن «الهضبة».
تجادل هذه الورقة بأن هذا الغياب ليس إهمالًا عرضيًا بل هو غيابٌ مُنتَج: صنعته في المقام الأول دولةٌ احتكرت قضية الجولان رمزيًا وفكّكت حامليها اجتماعيًا، فأدارت النازحين بوصفهم فئةً بيروقراطية «موقَّتة» ظلّت كذلك عقودًا، وصادرت ذاكرتهم في طقوسٍ رسمية مرخّصة، وتركتهم في أحزمة التهميش العمراني حول دمشق ودرعا. وحين استعاد النازحون ذاكرتهم علنًا عام 2011، بصيغة الاتهام لا الحنين، جاء الردّ بتدمير تجمعاتهم وتهجير سكانها مجدّدًا؛ ثم اكتمل هذا الحيف بعد كانون الأول/ ديسمبر 2024 بتوسّع الاحتلال الإسرائيلي خلف خط فضّ الاشتباك لعام 1974، وبغياب النازحين مرةً أخرى عن طاولة ترتيباتٍ تخصّ أرضهم.
تنطلق الورقة من سؤالين متلازمين: ما الآليات الدولاتية والمعرفية التي صنعت تغييب نازحي الجولان عن البحث والذاكرة والتفاوض؟ ولماذا لم يتبلور لديهم، خلافًا للتجربة الفلسطينيّة المجاورة جغرافيًا واجتماعيًا، ريبرتوارٌ شعبي مستقل للعودة (أي ذخيرة رمزية جماعية)؟ وللإجابة، تعتمد الورقة تحليلًا وثائقيًا للمصادر الأولية المنشورة، مع استثمار موقعية الباحث بوصفه من أبناء الجماعة المدروسة، لا كبيان ذاتي، بل كأداة منهجية لقراءة ما أُخفي أو أُهمل في السجلات الرسمية والسرديّات السائدة.
ينطلق التحليل في هذه المقالة من أطروحة ميشيل-رولف ترويو في «إسكات الماضي»: الصمت التاريخي لا «يحدث» بل يُصنع، فالصمت في التاريخ ليس فراغًا عفويًا، بل نتاج عمليات قوة تتوزّع على مراحل إنتاج المعرفة التاريخية. وتتوزع صناعته على أربع لحظات: لحظة إنتاج المصادر: ما يُسجّل وما لا يُسجّل، ومن يملك سلطة التوثيق، لحظة الأرشفة: ما يُحفظ، وكيف يُصنّف، وما يُهمل أو يُفقد ضمن سياسات الحفظ، لحظة السرد: ما يُروى في السرديّات العامة/الوطنية/الإعلامية، وما يُستبعد من الرواية. لحظة التاريخ النهائي: ما يتبلور كـ«تاريخ معياري» في المناهج والذاكرة الجماعية[2]. إلى جانب دراسات علم إنتاج الجهل «الأغنوتولوجيا» العلم الذي يدرس كيف أن غياب المعرفة قد يكون ناتجًا مقصودًا أو وظيفيًا لبنى سلطوية تستفيد من الفراغ المعرفي[3] والذي يقدم فهمًا تفسيريًا مكملًا لحالة الجولان.
تطبيقًا على حالة الجولان المحتل، تتقصّى الورقة كيف اجتمعت ثلاث بنى على إنتاج الصمت: بنية إسرائيلية صنّفت وثائق التهجير وسوّقت رواية «الفرار الطوعي» كبديل سردي يقلّب مسؤولية النزوح؛ وبنية أكاديمية غربية وعربية اختزلت الجولان في بُعده الجيوستراتيجي (أمن/حدود/مفاوضات)، ما يُنتِج صمتًا عن البعد الاجتماعي/الديموغرافي لسكان الجولان ورواياتهم؛ وبنية دولتية سورية -وهي الأكثر إغفالًا في الأدبيات- احتكرت القضية وحرمت أصحابها من تمثيل أنفسهم ما يعمّق الصمت عن تنوّع التجارب والذاكرة المحلية.
تناقش المقالة سؤالها عبر ثلاث محطات زمنية، لحظة النزوح الأول وما رافقها من احتكار الذاكرة الجماعية للنازحين، لحظة انفجار الذاكرة ما بعد 2011، وأخيرًا لحظة التحرير وما تلاها من توغّل واحتلال إسرائيلي جديد.
أولًا: النزوح الأول، الاستيعاب الجغرافي-البيروقراطي، والذاكرة المحتكَرة
في مطلع حزيران/ يونيو 1967 كان يقطن الجولان، بحسب تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية نفسها بعد أيام من الاحتلال، نحو 90 ألف نسمة في المنطقة التي باتت تحت السيطرة الإسرائيلية، منهم نحو 20 ألفًا في مدينة القنيطرة وحدها، فيما تذهب التقديرات السورية وتقديرات منظمات حقوقية إلى أرقام أعلى تشمل كامل الهضبة وتراوح بين 130 و153 ألفًا[4]. وأيًا كان الرقم المعتمد، فإن التعداد الذي أجرته سلطات الاحتلال في 10 آب/ أغسطس1967 لم يحصِ سوى بضعة آلاف بقوا في الأرض المحتلّة، أغلبيتهم الساحقة من دروز القرى الشمالية الخمس[5].
ظلت الرواية الإسرائيلية الرسمية، لعقود، تردّد أن السكان «فرّوا مع جيشهم». غير أن وثائق اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي كشف عنها معهد «عكڤوت» الإسرائيلي تُظهر خلاصةً مغايرة: فقد استنتج مندوبا اللجنة الموفدان إلى الجولان فور انتهاء القتال أن الجيش الإسرائيلي طرد سكان المنطقة على نحوٍ منهجي، وأن معظم من بقوا بعد الحرب جرى ترحيلهم لاحقًا[6]. وفي الاتجاه ذاته، أظهر تحقيق الصحافي الإسرائيلي شاي فوغلمان، المستند إلى وثائق رُفعت عنها السرية وشهادات مقاتلين وسكان، أن أكثر من نصف السكان بقوا في قراهم بعد توقف القتال، ثم جرى إخراجهم تباعًا بالترهيب والترحيل المنظم[7]. وقد دمّرت سلطات الاحتلال لاحقًا ما بين 244 و340 قرية ومزرعة جولانيّة، ولم تُبقِ إلا على القرى الشمالية ذات الأغلبية الدرزية[8]؛ وأصدر وزير الدفاع موشيه ديان في كانون الأول 1967 قرارًا بتدمير مدينة بانياس، فقدّمت سورية مذكرة احتجاج إلى مجلس الأمن عام 1969، فيما وثّقت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل عام 1970 التدمير الكامل لقرى عين زيوان وتل الساقي والرزانية وخان الجوخدار[9]. أما تقرير الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة نيلس-غوران غوسينغ (1967)، الموفد بموجب قراري الجمعية العامة 2252 ومجلس الأمن 237، فقد سجّل وقائع النزوح ومنع العودة في عقب الحرب مباشرة، وبقي من المصادر الأولية الدولية القليلة المعاصرة للحدث[10].
جغرافيا الاستيعاب والإدارة للنازحين
توزّع النازحون على عجل في جغرافيا ستحدد مصيرهم لعقود. تشكلت تجمعاتهم الكبرى في ريف دمشق وعلى أطراف العاصمة الجنوبية، في ما صار يُعرف شعبيًا بـ«أحياء النازحين»: الحجر الأسود وحجيرة والسيدة زينب والذيابية والسبينة والزاهرة، وتجمعات في المعضمية وقطنا وجديدة عرطوز وقدسيا ودمّر، والمساكن العمالية في برزة والقابون ومخيم الوافدين شمالي دوما، وصولًا إلى مخيم درعا في درعا البلد[11]. وقد بُني كثير من هذه التجمعات بشكل عشوائي غير مخدّم، على افتراضٍ جمعي بأن العودة مسألة أسابيع أو شهور[12]. وتحوّلت بعض هذه التجمعات لاحقًا إلى أكبر الأحزمة العشوائية حول العاصمة: في الحجر الأسود، الذي ضم أكبر تجمع لنازحي الجولان منذ حرب حزيران، بلغ عدد سكانه قبل عام 2011 نحو نصف مليون نسمة، في نسيج عمراني عشوائي محاذٍ لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين[13].
أنشأت الدولة السورية جهازًا إداريًا خاصًا بالنازحين، وظل قيدهم المدني تابعًا لسجلات محافظة القنيطرة، وحظوا -على الورق وفي جزء من الممارسة- بأفضلية في الوظائف العامة ومقاعد الجامعات[14]. غير أن المفارقة البنيوية وثّقها المجلس النرويجي للاجئين في واحدة من الدراسات الدولية النادرة المخصصة لهم: فبعد أكثر من ثلاثين عامًا على بناء مناطق وأحياء النازحين ومشاريع إسكانهم، كانت الحكومة السورية لا تزال تُعرّفها رسميًا بأنها «مخيمات مؤقَّتة»[15]. لقد جرى تثبيت النازح في مؤقتيّةٍ دائمة: لا اندماجَ كاملًا يُنهي القضية، ولا عودةَ تُنهي النزوح. وفي هذه المؤقتية المُدارة نمت وصمةٌ اجتماعية مخفية، يعرفها أبناء الجماعة في تفاصيل الزواج والسكن والتسمية اليومية «النازحين» أكثر مما تعرفها الوثائق؛ وصمةٌ تتغذى -كما سيتضح في القسم التالي- من السؤال المحرّم الذي يحمله وجود النازح ذاته.
الذاكرة المحتكَرة: لماذا لم يصنع نازحو الجولان «مفتاحهم»؟
منذ السبعينيات، احتلّ الجولان موقعًا مركزيًا في الخطاب الرسمي السوري بوصفه قضية الدولة لا قضية أهله. جُعلت القنيطرة المدمَّرة، التي استُعيدت خرابًا بعد اتّفاق فك الاشتباك في أيار 1974، مزارًا متحفيًا للكارثة تُساق إليه الوفود، وبُنيت على أنقاض القرى المستعادة مشاريع إسكان حكومية لتشجيع عودة رمزية محدودة[16]. وفي المقابل، تركّز الاهتمام الإعلامي والسياسي للدولة على أهالي الجولان الباقين تحت الاحتلال -وأغلبيتهم من الدروز- بوصفهم أيقونة «الصمود» المفيدة دعائيًا، فيما بقي مئات آلاف النازحين في الداخل خارج دائرة الضوء، يُستدعون جماعةً في المناسبات ويُهملون أفرادًا في السياسات. حتى الطقس السنوي الأبرز المتمثِّل بزيارات النازحين إلى الشريط الحدودي ووادي الصراخ للتواصل بالصوت مع أهلهم خلف الأسلاك، وما ارتبط بها من إحياء رسمي في مناسبات وطنية مثل عيد الجلاء في 17 نيسان/ أبريل، كان طقسًا مرخّصًا ومُدارًا من السلطة، تتحول فيه ذاكرة الجماعة إلى عرضٍ وطني تملكه الدولة وتُحدد حدوده.
تتيح المقارنة مع اللاجئين الفلسطينيين، الجيران المباشرين لنازحي الجولان في جغرافيا جنوب دمشق، تفسيرًا بنيويًا لسؤالٍ يتردد كثيرًا بصيغة لومٍ ثقافي: لماذا لم يطوّر الجولانيّون ريبرتوارًا للعودة شبيهًا بالمفتاح والمخيم والذكرى المؤسَّسية؟ تقترح هذه الورقة أن الفارق ليس في «درجة التمسّك» بل في الاقتصاد السياسي للذاكرة: فذاكرة اللاجئ الفلسطيني كانت رأسمالًا سياسيًا للدول والحركات التي احتضنته، تُستثمر وتُمأسس وتُدرّس؛ أما ذاكرة النازح الجولاني فكانت تهديدًا للدولة التي يحمل جنسيتها، لأنَّ استدعاءها الحر يقود حتمًا إلى السؤال المحرّم: كيف سقط الجولان في ثلاثين ساعة، ومن المسؤول؟ وهو سؤالٌ يطال الجرح التأسيسي لشرعية النظام، إذ كان وزير الدفاع عام 1967 هو نفسه الرئيس منذ 1970 نظم انقلابًا ضد رفاق حزبه عندما كانت المطالبات بمساءلة القيادة العسكرية عن سقوط الجولان إحدى الذرائع التي استُخدمت ضده كوزير دفاع آنذاك. هكذا ازدهرت الذاكرة الأولى وخُنقت الثانية؛ واكتفى الجولانيّون بما يمكن أن نسميه «ريبرتوار الحد الأدنى»: خريطة الجولان على جدار البيت، صور القرى، شجرة العائلة، والزيارة السنوية المرخّصة إلى الشريط. أما الرواية المضادة -رواية التسليم- فقد عاشت سرًّا في المجالس المغلقة، بوصفها ذاكرةً محرّمة لا تاريخًا قابلًا للتداول.
ولا يدخل في نطاق هذه الورقة الحسمُ التاريخي في مسألة كيفية سقوط الجولان عسكريًا؛ فما يعنيها تحليليًا هو الواقعة الاجتماعية الثابتة: أن جماعة النازحين تبنّت روايةً مضادة للرواية الرسمية، وأن السلطة تعاملت مع هذه الرواية بوصفها خطرًا وجوديًا وهو ما ستثبته دمويًا بعد عام 2011.
انعكس هذا الاحتكار الداخلي بطبيعة الحال على إنتاج المعرفة ذاته. فالأدبيات الغربية والإسرائيلية تناولت الجولان هضبةً استراتيجية ومياهًا وخط جبهة، وحين التفتت إلى البشر، التفتت إلى من بقوا: فالمجلد المرجعي الصادر بالإنكليزية عام 2022 عن سياسة الجولان المحتل وثقافته مكرّس للجماعة الجولانيّة الباقية ومقاومتها اليومية للاستعمار الاستيطاني[17]. والأدبيات الفرنسية -وهي الأفقر إطلاقًا في هذا الملف- انحصرت في القانون الدولي والجيوسياسة، من تحليل قانون الضم لعام 1981 إلى قراءات الموقع الاستراتيجي، بلا سكانٍ تقريبًا[18]. أما عربيًا، فقد ذابت قضية نازحي الجولان في الخطاب القومي العام، ثم ذابت ثانيةً -لغويًا هذه المرة- بعد 2011: إذ ترصد دراسةٌ معجمية حديثة كيف انزاحت دلالة كلمة «النازحين» في الاستعمال السوري من مدلولها التاريخي المرتبط حصرًا بمن فقدوا أرضهم في الجولان عام 1967، إلى عموم الملايين من نازحي الحرب[19]. فقد الجولانيّون حتى اسمهم: آخر ما تبقى لهم من تمايز.
ثانيًا: ما بعد 2011؛ انفجار الذاكرة المكبوتة، ثم نزوح داخل النزوح
في 21 آذار/ مارس 2011، خرجت من حي الحجر الأسود أول تظاهرة في دمشق وريفها منخرطة بالحراك السلمي، لتتبعها لاحقًا كل من سبينة وحجيرة والذيابية والحسينية وجديدة عرطوز ومخيم درعا، أي في خريطة تجمعات نازحي الجولان تحديدًا[20]. ولم يكن اختيار الشعارات أقل دلالة من اختيار الجغرافيا: فقد شكّل هتاف «من الجولان هلت البشاير» حضور الأرض في وجدان النازحين الجولانيّين، كما أن هتاف «ابن الحرام باع الجولان»، الموجَّه إلى حافظ الأسد، شكل شعارًا رئيسًا في تظاهرات هذه المناطق، محمّلًا النظام مسؤوليةً مباشرة عن التفريط بالأرض وبأهلها[21]. هنا انفجرت الذاكرة المحرّمة علنًا أول مرة منذ أربعة وأربعين عامًا، لا بصيغة الحنين التي رخّصتها الدولة، بل بصيغة الاتهام التي حرّمتها. لم يهتف أبناء النازحين بالعودة أولًا؛ هتفوا بالمساءلة: مَن باع؟ وبهذا المعنى، كان حراك أحياء النازحين عام 2011 لحظةَ استرداد جماعي للذاكرة قبل أن يكون احتجاجًا معيشيًا، وإن تشابكت فيه المظلمتان: مظلمة الأرض المسلوبة ومظلمة التهميش العمراني والاجتماعي الذي عاشته هذه الأحياء نصف قرن.
جاء الرد على استدعاء النزوح الأول بإنتاج نزوحٍ ثانٍ. فمع عسكرة النزاع، تعرّضت تجمعات النازحين الكبرى -وقد باتت في عداد البيئات الحاضنة للاحتجاج- للقصف والحصار والتدمير الممنهج، وجرى تهجير سكانها: من الحجر الأسود الذي تحوّل لاحقًا إلى ساحة معارك ثم إلى حقل أنقاضٍ يتواصل هدمه حتى بعد انتهاء المعارك[22]، إلى سبينة والذيابية والحسينية وأحياء الجنوب الدمشقي، وصولًا إلى مخيم درعا. هكذا وجد أبناء نازحي 1967 وأحفادهم أنفسهم نازحين مرة ثانية، يتوزعون هذه المرة بين مناطق النزوح الداخلي الجديدة واللجوء إلى الأردن ولبنان وتركيا وأوروبا[23]؛ وتحوّلت قضيتهم من نزوحٍ داخلي مضبوط الجغرافيا إلى شتاتٍ عابر للحدود، فيما قضى كثيرون منهم رصاصًا في التظاهرات أو تحت التعذيب في المعتقلات أو غرقًا في طريق الهجرة[24].
وفي مفارقةٍ قاسية تكشف عقلية السلطة الأسدية داخل أقبية التحقيق، لجأت أجهزة القمع إلى ممارسة تعذيبٍ نفسي ومعنوي مضاعف بحق المعتقلين من أبناء الجولان، عبر اتهامهم بأنهم هم من "باعوا الأرض". لقد عكس هذا السلوك مدى إرباك النظام أمام انفجار ذاكرةٍ جماعية أبت أن تموت، على الرغم من محاولاته الحثيثة لمصادرتها وطمسها طوال أربعة عقود خلت.
أنتجت هذه المحطة تغييبًا من نوع جديد. فبعد أن غيّبت العقودُ السابقة النازحين خلف احتكار الدولة لقضيتهم، جاء ما بعد 2011 ليذيبهم إحصائيًا وخطابيًا في فئة «النازحين السوريّين» العامة التي باتت تضم نصف سكان البلاد[25]. لم يعد لنازح الجولان، في عين المنظمات والباحثين والإعلام، تمايزٌ عن ملايين المهجّرين الجدد؛ ومن المفارقات أن النظام نفسه واصل توظيف القضية رمزيًا في خطابه «الممانع» -كما فعل غداة الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان عام 2019- في الوقت الذي كان قد دمّر فيه تجمعات الجولانيّين وهجّر أهلها[26]. اكتمل بذلك الاحتكار: قضيةٌ بلا أصحاب، يتكلم باسمها مَن هجّر حامليها.
ثالثًا: ما بعد كانون الأول/ ديسمبر 2024
مع انهيار نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، فُتح أمام ملايين السوريّين أفقُ العودة إلى ديارهم؛ لكن اللحظة ذاتها أغلقت هذا الأفق -أو علّقته- أمام أهالي الجولان تحديدًا. فقد توغّلت القوات الإسرائيلية فورًا في المنطقة العازلة منزوعة السلاح الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، وأقامت تسعة مواقع عسكرية تمتد من جبل الشيخ مرورًا بمحيط مدينة القنيطرة وصولًا إلى أجزاء من غرب درعا، مستولية على نحو 400 كيلومتر مربع إضافية من الأراضي السورية خلف خط فضّ الاشتباك[27]. ووثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش ارتكاب القوات الإسرائيلية في المنطقة المحتلّة حديثًا انتهاكاتٍ تشمل التهجير القسري للسكان، وهو جريمة حرب، عبر الاستيلاء على المنازل وهدمها، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي، وتجريف البساتين، إلى جانب نقل محتجزين سوريّين إلى داخل إسرائيل[28]. وهكذا أُضيفت إلى نازحي 1967 وأبنائهم المهجّرين بعد 2011 حلقةٌ ثالثة: مهجّرو قرى القنيطرة ودرعا بعد 2024، في المنطقة ذاتها التي كانت تُفترض «محرّرة» بموجب اتّفاق 1974.
لم يقف الأمر عند الاحتلال العسكري. ففي 17 نيسان/ أبريل 2026 وهو، في مصادفةٍ تاريخية قلّ نظيرها، عيد الجلاء السوري نفسه، اليوم الذي ارتبط لعقود بزيارات النازحين إلى الشريط الحدودي، أقرّت الحكومة الإسرائيلية خطةً بقيمة 334 مليون دولار لنقل آلاف المستوطنين الإضافيين إلى الجولان المحتل، في ما وصفته هيومن رايتس ووتش بأنه إعلان نية صريح لارتكاب جريمة حرب، إذ يشكّل النقل الدائم للسكان إلى أرض محتلّة انتهاكًا للقانون الدولي تترتب عليه تبعات جسيمة على السوريّين المهجّرين منذ أمد طويل[29]. وتواصل هيئات الأمم المتحدة توثيق التوسع الاستيطاني في الجولان المحتل ضمن تقاريرها الدورية[30]. إن البنية التي أنتجت تهجير 1967 -احتلال، إفراغ، استيطان، منع عودة- يُعاد اليوم إنتاجها على نطاق أضيق جغرافيًا لكنه مطابق منطقيًا.
في موازاة ذلك، انخرطت الحكومة السورية الجديدة في مسار تفاوضي برعاية أميركية لترتيبات أمنية تعدّل اتّفاق فك الاشتباك لعام 1974 أو تجدده، وأبدت استعدادها لاستضافة قوات «أندوف» مجددًا، فيما ترفض إسرائيل العودة إلى خطوط الفصل القديمة وتسعى لفرض صيغة أمنية جديدة[31]. وأيًا كانت مآلات هذا المسار، فإن الثابت فيه حتى لحظة كتابة هذه الورقة هو غيابُ نازحي الجولان -بوصفهم جماعةً ذات حقوق ومطالب- عن طاولته وعن خطابه: تُناقش الأرض ومناطق العزل والمواقع العسكرية، ولا يُناقش أصحابها. لقد انتقل التغييب من الأكاديميا والذاكرة إلى الدبلوماسية، مكتملًا قوسُه: جماعةٌ غُيّبت عن البحث لأنَّ ذاكرتها احتُكرت، وغُيّبت عن التفاوض لأنَّها لم تعد تملك حتى الكتلة الاجتماعية المتماسكة التي تفرض حضورها، بعد أن فُكّكت تجمعاتها وتشتّت أبناؤها. على أن اللحظة الانتقالية ذاتها أفرزت بوادر معاكسة جديرة بالرصد: إذ شهدت الفترة الأخيرة محاولات تأسيسية لأطر تمثيلية مستقلة لنازحي الجولان تؤكد سورية الأرض وحق العودة إليها[32]، وهي، إن كُتب لها التبلور، أول استرداد تنظيمي للقضية من يد الدولة منذ 1967.
خاتمة
تتيح القراءة العرضية للمحطات الثلاث تمييز الثابت من المتحول في المسار الجولاني. المتحول ظاهر: تبدّل الفاعلُ المهجِّر (إسرائيل عام 1967 وبعد 2024؛ النظام السوري بعد 2011)، وتبدلت جغرافيا التشتت (من الهضبة إلى أحزمة دمشق ودرعا، ثم إلى عموم الداخل والشتات الأوروبي)، وتبدلت أدوات الذاكرة (من المجالس المغلقة إلى الهتاف العلني إلى فضاءات التواصل في الشتات).
أما الثابت فثلاثي: أولًا، الهشاشة المُدارة؛ فالنازح الجولاني ظلَّ، على الرغم من جنسيته الكاملة، مثبّتًا في فئةٍ «موقَّتة» قابلة للتوظيف والإهمال معًا. وثانيًا، احتكار التمثيل؛ إذ لم يُسمح في أي محطة لأصحاب القضية بتمثيل أنفسهم، فمثّلتهم الدولة ثم تجاهلتهم في المفاوضات. وثالثًا، الإنتاج المتبادل بين التغييب والتهجير؛ فالتغييب لم يكن نتيجة التهجير فحسب، بل شرطَ إعادة إنتاجه. هذا التغييب الممنهج بالذات هو ما يفسّر المفارقة التي بدأت بها الورقة: مئةٌ وثلاثون ألف مقتلَعٍ في أيام يقابلهم فراغٌ بحثي شبه تام. فالصمت ليس قدرًا يلازم القضايا «الصغيرة»، بل ناتجٌ تصنعه تلك الآليات الثابتة والقابلة للتفكيك؛ من تصنيفٍ للأرشيف، واحتكارٍ للذاكرة، وصولًا إلى عدسةٍ جيوستراتيجية تختزل الأرض في «هضبة» بلا بشر، ولغةٍ تذيب اسم الجماعة في فئةٍ عامة.
إن استرداد قضية نازحي الجولان من «الغياب المُنتَج» لا يبدأ من طاولات التفاوض، بل من حيث بدأ التغييب نفسه: من المعرفة والذاكرة والتمثيل. والكتابة من داخل الجماعة -بأدوات البحث وضوابطه- ليست ترفًا منهجيًا، بل فعل ترميمٍ لِما كُسر عمدًا: أن يروي النازحون قصتهم بأنفسهم، أول مرة منذ ستين عامًا تقريبًا.
المراجع
ترويو. ميشيل-رولف، إسكات الماضي: القوة وإنتاج التاريخ، بوسطن: بيكون برس، 1995.
بروكتور. روبرت ن.، ولوندا شيبينغر، محرّران، علم الجهل: صناعة الجهل وتفكيكه، ستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد، 2008.
الدجاني. منى، ومنير فخر الدين، ومايكل ماسون، محرّرون، القصة غير المروية لمرتفعات الجولان: الاحتلال والاستعمار والمقاومة الجولانية، لندن: آي. بي. توريس، 2022.
الهوامش
- البعثة الدائمة للجمهورية العربية السورية لدى الأمم المتحدة. الجولان السوري. ^
- ميشيل-رولف ترويو، إسكات الماضي: القوة وإنتاج التاريخ، (بوسطن: بيكون برس، 1995). ^
- روبرت ن. بروكتور، ولوندا شيبينغر (محرران)، علم الجهل: صناعة الجهل وتفكيكه، (ستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد، 2008). ^
- معهد عكفوت لبحوث الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني "التهجير في المرتفعات: كيف اختفى سكان مرتفعات الجولان عام 1967"، (2021)؛ تشاتام هاوس، "مرتفعات الجولان: تموجات الحرب الأهلية في قطعة إسرائيل الصغيرة من سوريا"، (2014)؛ تي آر تي عربي، «أهل الجولان بين نزوحين.. نصف قرن من التغييب والقهر»، (2022). ^
- معهد عكفوت؛ مؤسَّسة الدراسات الفلسطينيّة، "أصوات من الجولان". مجلة الدراسات الفلسطينيّة. ^
- معهد عكفوت، (بناءً على أرشيف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف). ^
- شاي فوغلمان، "المحرومون من الميراث"، هآرتس، (2010)، مركز حرمون للدراسات المعاصرة. «طرد السوريين من الجولان»، أيمن أبو جبل (مترجم)، (2023). ^
- جوان فيتشي، "نظرة من دمشق: لاجئون داخليون من 244 قرية سورية مدمرة في الجولان"، تقرير واشنطن عن شؤون الشرق الأوسط، 2000. "سوريون من «فردوس» الجولان"، ميدل إيست آي، 2018. ^
- "النازحون السوريون من الجولان بين كوابيس المعاناة وأحلام العودة"، إيلاف 2009. ^
- نيلس-غوران غوسينغ، "تقرير الممثل الخاص للأمين العام بموجب قرار الجمعية العامة 2252 (دإ-5) وقرار مجلس الأمن 237 (1967)"، وثيقة الأمم المتحدة A/6797، أيلول/ سبتمبر 1967. ^
- " أهل الجولان بين نزوحين.. نصف قرن من التغييب والقهر"، موقع تي آر تي عربي؛ "النازحون السوريون من الجولان"، إيلاف. ^
- المرجع نفسه. ^
- "الهدم يتواصل في مدينة الحجر الأسود بريف دمشق"، سيريا ريبورت، 2024. ^
- المجلس النرويجي للاجئين/المشروع العالمي للنازحين داخليًا "الجمهورية العربية السورية: في انتظار حل سياسي، عشرات الآلاف لا يزالون نازحين من مرتفعات الجولان"، ريليف ويب، 2003. ^
- المرجع نفسه. ^
- مؤسَّسة الدراسات الفلسطينيّة، "أصوات من الجولان"؛ "المنفى الأول لسوريي الجولان"، أوريان 21، 2017. ^
- منى الدجاني، منير فخر الدين، ومايكل ماسون (محرِّرون(، القصة غير المروية لمرتفعات الجولان: الاحتلال والاستعمار والمقاومة الجولانيّة )لندن: آي. بي. توريس، 2022). ^
- "إسرائيل والجولان: المشكلات القانونية الناتجة عن قانون 14 كانون الأول 1981"، الحولية الفرنسية للقانون الدولي، المجلد 28 (1982(؛ "هضبة الجولان، منطقة متنازع عليها تاريخيًا"، مفاتيح الشرق الأوسط، 2017. ^
- "النزوح ككلمة مفتاحية"، مجلة الشرق الأوسط للثقافة 15، العدد 4 (2022). ^
- "باع الجولان.. مرة أخرى"، المدن، 4 أيار/مايو 2019. ^
- المرجع نفسه. ^
- "الهدم يتواصل في مدينة الحجر الأسود بريف دمشق"، سيريا ريبورت، 2024. ^
- "أهل الجولان بين نزوحين"، تي آر تي عربي؛ "باع الجولان.. مرة أخرى"، المدن. ^
- "أهل الجولان بين نزوحين"، تي آر تي عربي. ^
- "النزوح ككلمة مفتاحية"، مجلة الشرق الأوسط للثقافة 15، العدد 4 (2022). ^
- "باع الجولان.. مرة أخرى"، المدن. ^
- التقرير العالمي 2026: سورية، هيومن رايتس ووتش؛ إذاعة فرنسا الدولية (RFI)، "الشرق الأوسط: الجولان السوري، جبهة أخرى للاستيطان الإسرائيلي"، 2026. ^
- "سوريا: إسرائيل تهجر القرويين قسرًا في الجنوب المحتل"، هيومن رايتس ووتش، 17 أيلول/ سبتمبر 2025. ^
- "إسرائيل تمول جرائم حرب في الجولان السوري المحتل"، هيومن رايتس ووتش، 28 نيسان/ أبريل 2026. ^
- المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، "المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينيّة المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، والجولان السوري المحتل"، وثيقة الأمم المتحدة A/HRC/61/70، آذار/ مارس 2026. ^
- "الشرع: الجولان أرض سورية، ونحن نحاول استعادتها عبر المفاوضات"، عنب بلدي )باللغة الإنكليزية)، 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. ^
- "ملتقى تأسيسي لنازحين من الجولان يؤكد أن المنطقة أرض سورية محتلة"، الشرق الأوسط، 2026. ^
