مجلة الجولان
→ رجوع

تقرير عن مشروع التاريخ الشفوي للجولان السوري المحتل

تحميل المقال (PDF)

في أثناء العمل على مبحث نازحي الجولان السوري المحتل في دراسة «النازحون/ات السوريون/ات وحقوقهم/ن (1939–1967–بعد 2011)» الصادرة عن المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية[1]، توصَّل الباحث الرئيس وفريق البحث، من خلال المقابلات المعمّقة وتحليل الشهادات، إلى ملاحظة ضعف الاهتمام بصوت النازحين الجولانيّين وتجاربهم وحقوقهم عبر عقود طويلة. وقد بدا هذا التهميش جزءًا من حالة أوسع طالت أصوات السوريّين عمومًا، إلَّا أنَّه ترك أثرًا نوعيًا على الجولانيّين النازحين، انعكس على حضور قضيتهم في المجال العام، وعلى وعيهم بحقوقهم، وعلى تصوراتهم لأنفسهم بوصفهم جماعة نازحة لها ذاكرة جماعية وحقوق خاصة بها.

ولم يكن هذا الاستنتاج نتيجة البحث المكتبي فحسب، بل كان، وهو الأهم والأكثر تعبيرًا، يتكرر بصورة واضحة في شهادات المشاركين أنفسهم، الذين عبّر كثير منهم عن شعورهم بأن تجربتهم لم تحظ بالاهتمام الكافي على المستويات البحثية والحقوقية والثقافية والإعلامية، وبأن قضية النزوح من الجولان بقيت، إلى حد كبير، على هامش الاهتمام العام.

وبعد إنجاز الدراسة، تفاعل الباحث الرئيس وبعض أعضاء فريق البحث، وثلة من المثقفين، مع الطروحات التي كان يقدِّمها الدكتور حازم نهار حول أهمية إعادة الاعتبار لقضية الجولان السوري المحتل، ولأهله المقيمين فيه ونازحيه، وضرورة التعامل معها بوصفها قضية وطنية وحقوقية وثقافية تستحق الاشتغال المعرفي المستقل. وقد ساهم هذا التفاعل، إلى جانب ما كشفته الدراسة من فجوات معرفية وحقوقية، في بلورة فكرة تأسيس «مجلة الجولان» بوصفها منصة متخصِّصة تعنى بالجولان وأهله ونازحيه. ونتج من هذا التفاعل تأسيس «مجلة الجولان» ومشروعها «التاريخ الشّفوي للجولان السوري المحتل»، الذي يهدف إلى حفظ وتوثيق روايات المقيمين في الجولان ونازحيه، وإتاحة المجال أمامهم لسرد تجاربهم وذكرياتهم وتحوّلات حياتهم بأصواتهم هم، بوصفهم أصحاب التجربة والمعرفة الأولى بها. وبهذا المعنى، يشكل المشروع امتدادًا للاشتغال الثقافي والبحثي على قضايا النزوح والحقوق، ومحاولة للإسهام في رد الاعتبار لأصوات الجولانيّين التي غابت طويلًا عن السرديّات العامة وعن كثير من الكتابات المتعلقة بالجولان، وجزءًا من الإسهامات المطلوبة لبناء قضية الجولان السوري المحتل وحقوق أهله.

ويهدف مشروع توثيق التاريخ الشّفوي للجولان السوري المحتل إلى جمع وحفظ وإتاحة الروايات الشّفوية المرتبطة بالجولان وأهله، بوصفها جزءًا من الذاكرة الجماعية السورية ومن التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي للمنطقة. كما يسعى إلى توثيق تجارب المقيمين في الجولان السوري المحتل ونازحيه، وإبراز رؤيتهم للأحداث والتحولات التي عاشوها، بما يسهم في حفظ هذه الذاكرة للأجيال القادمة وإتاحتها للباحثين والمهتمين. ويشمل المشروع فئتين رئيستين: المقيمين في الجولان السوري المحتل، والنازحين منه. ويحرص المشروع على تمثيل التنوّع العمري والاجتماعي والمهني والجندري للمشاركين، بما يتيح توثيق تعدد التجارب والرؤى داخل المجتمع الجولاني.

وقد بُني المشروع على مناهج التاريخ الشّفوي ومقارباته، ومن ذلك إجراء مقابلات معمقة تتيح للمشاركين سرد تجاربهم وذكرياتهم ورؤاهم بلغتهم الخاصة، وبما يضمن الحفاظ على المرونة اللازمة لإفساح المجال أمام السرد الحر واستحضار الخبرات والتجارب التي يراها المشاركون ذات أهمية؛ وسيتم لاحقًا إجراء أبحاث على هذه الشهادات، بغية إيصال أصوات النازحين وعرض قضيتهم. ويتناول المشروع مجموعة من المحاور الرئيسة التي تشكل مجتمعة تجربة الجولان وأهله، وتشمل: الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الجولان قبل عام 1967؛ ذاكرة المكان والقرى والبلدات والمدن الجولانيّة؛ تجربة الحرب والنزوح؛ الأرض والممتلكات والحقوق المرتبطة بها؛ الحياة بعد النزوح والتحولات التي رافقتها؛ العلاقة مع الدولة السورية ومؤسَّساتها؛ النشاط المدني والثقافي والسياسي المرتبط بقضية الجولان؛ أشكال التواصل بين المقيمين في الجولان والنازحين منه؛ الذاكرة والهُويّة والانتماء؛ انتقال الذاكرة بين الأجيال؛ وتصورات المستقبل وحق العودة.

تنفيذ مرحلة اختبار دليل الأسئلة

وقد أنجز فريق «التاريخ الشّفوي للجولان السوري المحتل» خلال مرحلة اختبار دليل الأسئلة خمس مقابلات شفوية معمقة مع نازحين من الجولان السوري المحتل، جرى اختيارهم بما يتيح تمثيل تجارب وخلفيات متنوّعة ضمن حدود المرحلة التأسيسية للمشروع. وقد تراوحت مدة المقابلات بين (.1..) و(.4..) ساعة، وسُجلت وفق المعايير الأخلاقية والمنهجية المعتمدة في المشروع، بعد الحصول على موافقة المشاركين. وقد توزعت المقابلات على مشاركين من أعمار وخلفيات اجتماعية ومهنية مختلفة، بما أتاح توثيق زوايا متعددة من التجربة الجولانيّة المرتبطة بالحياة قبل عام 1967، والنزوح، والحياة اللاحقة له، والذاكرة والهُويّة والعلاقة بالمكان. وقد أظهرت المقابلات الخمس حضور مجموعة من الموضوعات المشتركة، من أبرزها: استعادة الحياة اليومية في الجولان قبل الاحتلال؛ ووصف ظروف الحرب والنزوح ومساراته؛ العلاقة بالأرض والممتلكات المفقودة؛ تحديات الاستقرار بعد النزوح؛ استمراريّة الارتباط بالجولان في الذاكرة الفردية والجماعية؛ نقل الذاكرة والخبرة الجولانيّة إلى الأبناء والأحفاد؛ وتصورات المشاركين لمستقبل الجولان وحق العودة.

كما أبرزت المقابلات عددًا من الملاحظات الأولية التي تحتاج إلى اختبار في المقابلات اللاحقة، من بينها: الحضور القوي لذاكرة المكان في روايات المشاركين؛ استمرار تأثير تجربة النزوح على الرغم من مرور عقود عليها؛ وارتباط الذاكرة بالأرض والقرية الأصلية عمومًا أكثر من ارتباطها بالأحداث السياسية الكبرى؛ والدور المركزي للعائلة في حفظ الذاكرة ونقلها بين الأجيال؛ ووجود تباينات بين المشاركين في تفسير الأحداث وفي تصور مستقبل الجولان. وفيما يلي عرض للشهادات التي تم إنجازها في المرحلة التجريبية:

الشهادة الأولى: مروان حبش

ولد السيد مروان حبش عام 1938 في قرية جباتا الزيت في الجولان السوري المحتل، ويقيم حاليًا في دمشق. أُجريت معه المقابلة في 10 أيار/ مايو 2026، واستغرقت نحو أربع ساعات. ويُعد حبش شخصية جولانيّة سياسية بارزة؛ فقد كان عضوًا في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي بين عامي 1966 و1970، وشغل خلال تلك الفترة منصب وزير الصناعة. وعقب انقلاب حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، فيما عُرف بـ«الحركة التصحيحية»، اعتُقل مع أعضاء القيادة القطرية، بمن فيهم صلاح جديد، والرئيس نور الدين الأتاسي، ورئيس الوزراء يوسف زعين، وقضى ثلاثة وعشرين عامًا في السجن. وبعد الإفراج عنه عام 1993، واصل نشاطه السياسي بصورة مستقلة، وشارك خلال الثورة السورية في معظم مؤتمرات المعارضة، واستقرَّ ضمن «منصة القاهرة» التي شاركت في مفاوضات جنيف، من دون أن يكون عضوًا في الوفد المفاوض.

وتقدم شهادة السيد مروان حبش سردًا غنيًا لتاريخ الجولان السوري قبل احتلاله عام 1967، من خلال تجربة شخصية امتدت عبر مراحل زمنية طويلة، عرف خلالها الشاهد ظروفًا اجتماعية وسياسية متعددة. وتجمع الشهادة بين السيرة الذاتية والتأريخ المحلي، إذ تستعرض الحياة اليومية في قرى الجولان ومدينة القنيطرة، والتحولات الاقتصادية والتعليمية التي شهدتها المنطقة، والعلاقات الاجتماعية بين مكوناتها المختلفة، فضلًا عن الروابط التي جمعت الجولان بالمناطق الفلسطينيّة المجاورة قبل عام 1948. كما تتناول التجربة السياسية للشاهد، وأحداث حرب حزيران/ يونيو 1967، والنزوح، وما تركته هذه الأحداث من أثر في الذاكرة الفردية والجماعية. ويبرز الأستاذ حبش في شهادته التنوّع الاجتماعي في المنطقة، والعلاقات التي ربطت الجولان بفلسطين، وتاريخ التعليم والقنيطرة بوصفها مركزًا إداريًا واقتصاديًا. وهو ما يكسبها قيمةً إضافية بوصفها مصدرًا لإعادة بناء صورة المجتمع الجولاني وتحولاته خلال العقود التي سبقت الاحتلال، إلى جانب ما توفره من معطيات حول الذاكرة الفردية والجماعية لنازحي الجولان.

أبرز محاور الشهادة الأولى

الحياة في الجولان قبل الاحتلال، وتتضمّن الشهادة وصفًا تفصيليًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية في الجولان قبل عام 1967، بما في ذلك أنماط السكن والعمل، والزراعة وتربية المواشي، والأسواق المحلية، والعلاقات بين القرى والمدن، والتحولات التي شهدها المجتمع الجولاني خلال العقود السابقة للاحتلال.

التنوّع الاجتماعي والعلاقات بين المكونات، حيث تقدم الشهادة مادة توثيقية مهمة حول التنوّع السكاني في الجولان، من عرب ودروز وشركس وتركمان ومسيحيّين وعلويين، مع التركيز على أنماط التعايش والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي جمعت هذه المجموعات ضمن فضاء اجتماعي واحد.

التعليم والحياة الثقافية، فيولي الشاهد اهتمامًا خاصًا لمسألة التعليم، متناولًا المدارس والمعاهد التعليمية ودور المعلمين وانتشار التعليم في المنطقة، بوصفه أحد أبرز مظاهر التحول الاجتماعي في الجولان خلال تلك المرحلة.

القنيطرة بوصفها مركزًا إداريًا واقتصاديًا، وتستعيد الشهادة تطور مدينة القنيطرة ودورها في الحياة الاقتصادية والإدارية للجولان، والعوامل التي ساهمت في نموها وتحولها إلى مركز رئيس للمنطقة، وما ارتبط بذلك من نشاط تجاري وحراك سكاني.

العلاقات مع فلسطين قبل عام 1948، فتتناول الشهادة الروابط الاقتصادية والاجتماعية التي جمعت الجولان بالمناطق الفلسطينيّة المجاورة، بما في ذلك الأسواق المشتركة، والتنقل، والعلاقات اليومية التي سبقت قيام دولة إسرائيل وما تبعها من تحولات.

التجربة السياسية والاعتقال، حيث يعرض الشاهد تجربته السياسية المبكرة، وانخراطه في العمل الحزبي، وما رافق ذلك من أحداث سياسية وتحولات شهدتها سورية خلال الخمسينيات والستينيات، إضافة إلى تجربة الاعتقال وما ارتبط بها من خبرات شخصية وسياسية.

حرب حزيران 1967 والنزوح، تتناول الشهادة ظروف الحرب وسقوط الجولان كما عاشها الشاهد، ومسار النزوح وما رافقه من خسائر وتحولات، فضلًا عن قراءته للأحداث التي أدت إلى الاحتلال وتداعياته على السكان.

الذاكرة والهُويّة ومستقبل الجولان، وتختتم الشهادة بتأملات حول الهُويّة الجولانيّة، واستمرار الارتباط بالمكان، وأهمية الحفاظ على الذاكرة الجماعية، والحق في العودة، ومستقبل الجولان في الوعي الوطني السوري.

الشهادة الثانية: سيف إسماعيل شاكوج

ولد السيد سيف إسماعيل شاكوج عام 1949 في قرية البريقة، إحدى القرى الشركسية في الجولان السوري المحتل، ويقيم حاليًا في البريقة بعد عودته إليها عقب اتّفاقية فصل القوات وإعادة إعمار القرية. أُجريت المقابلة معه بتاريخ 9/6/2026، واستغرقت نحو أربعين دقيقة. وتقدم شهادته صورة تفصيلية عن الحياة في البريقة قبل احتلال الجولان عام 1967، كما توثق تجربة النزوح والعودة وإعادة الاستقرار بعد اتّفاقية فصل القوات. وتكتسب الشهادة أهمية خاصة لتركيزها على تفاصيل الحياة اليومية في القرية، وأنماط السكن والزراعة والتعليم والعلاقات الاجتماعية، فضلًا عن إضاءتها على تجربة الشركس في الجولان، وتأثير النزوح في الهُويّة واللغة والروابط الاجتماعية. كما تتضمّن تقييمًا لتجربة الاندماج في مناطق النزوح، وللسياسات الرسمية تجاه الجولان ونازحيه خلال العقود اللاحقة.

أبرز محاور الشهادة الثانية

الحياة في البريقة قبل الاحتلال، يستعيد الشاهد صورة قرية البريقة بوصفها قرية زراعية مستقرة تعتمد على زراعة القمح والشعير والحمص والعدس وتربية الأبقار، مع وجود اكتفاء نسبي للأسر من إنتاجها الزراعي. كما يصف طبيعة الحياة اليومية وتقاسم الأدوار داخل الأسرة، حيث كان الرجال يعملون في الزراعة أو الجيش، بينما كانت النساء يضطلعن بأعمال المنزل وإنتاج الألبان والأجبان وغيرها من الأعمال المرتبطة بالاقتصاد المنزلي.

العمران والبيئة المحلية، تقدم الشهادة وصفًا تفصيليًا للبيوت الشركسية في البريقة، المبنية من الحجر البازلتي والمسقوفة بالقرميد، وللبساتين المنزلية وآبار المياه وحظائر الماشية. كما يربط الشاهد نشوء القرية بوجود بئر روماني شكل أساس الاستقرار فيها، ويصف انتشار بساتين العنب والتين بين البريقة وبئر عجم.

التعليم والحراك الاجتماعي، تؤكد الشهادة المكانة المهمة التي احتلها التعليم في المجتمع المحلي، من خلال الحديث عن المدرسة الابتدائية في البريقة، واستقطابها طلابًا من القرى المجاورة، وعن انتقال عدد من أبناء المنطقة إلى التعليم العالي والعمل في مجالات التدريس والطب والهندسة والخدمة العامة. كما يروي الشاهد تجربته الشخصية التي بدأت بامتحانات الشهادة الإعدادية عام 1967 وانتهت بتخرجه من دار المعلمين في حمص عام 1971.

العلاقات الاجتماعية والتعايش، تصور الشهادة المجتمع المحلي بوصفه مجتمعًا متماسكًا يقوم على العلاقات الأخوية والتعاون، مع ضعف حضور الأجهزة الأمنية والخلافات الاجتماعية في الحياة اليومية. كما يقدم الشاهد وصفًا لمدينة القنيطرة بوصفها نموذجًا مصغرًا عن التنوّع السوري، ضمت عربًا وشركسًا وتركمانًا ومكونات دينية ومذهبية مختلفة عاشت، بحسب روايته، ضمن علاقات طبيعية بعيدة عن الانقسامات الطائفية.

النزوح عام 1967، تحتل تجربة النزوح موقعًا مركزيًا في الشهادة. فقد كان الشاهد في الصف التاسع عند اندلاع الحرب، وشارك مع أسرته في النزوح سيرًا على الأقدام من البريقة إلى منطقة الحارة في محافظة درعا، حاملًا بعض المقتنيات التي اعتقدت العائلة أنها ستساعدها في حياتها الجديدة. وتبرز في هذا الجزء مشاعر الصدمة الناتجة عن التحول المفاجئ من توقع التحرير إلى واقع فقدان الأرض والتهجير.

الحياة في مناطق النزوح والاندماج، توثق الشهادة مسارات الاستقرار المؤقت للنازحين الجولانيّين في دمشق ومحيطها، ولا سيَّما في ركن الدين ومساكن برزة وقدسيا وغيرها من المناطق. ويؤكد الشاهد أنه لم يشعر بتمييز سلبي من المجتمع المضيف، وأن العلاقات مع السكان المحليين اتسمت بالاحترام والتعاون، ما سهل عملية الاندماج الاجتماعي مع الحفاظ على الروابط الخاصة بأبناء الجولان.

العودة وإعادة بناء الحياة، تقدم الشهادة وصفًا مهمًا لمرحلة العودة إلى القرى النموذجية خلال الثمانينيات، حيث وجد الأهالي قراهم الأصلية مهجورة ومتهدمة بعد سنوات من الإخلاء. ويشير الشاهد إلى اعتماد السكان بصورة أساسية على جهودهم الذاتية في إعادة بناء حياتهم الاقتصادية والزراعية، مع مساهمة الدولة في إنشاء المساكن الجديدة، دون حصول معظم العائدين على دعم اقتصادي مباشر يمكنهم من تعويض خسائرهم السابقة.

العلاقة مع الدولة والعمل السياسي، تعكس الشهادة موقفًا نقديًا من الأحزاب السياسية عمومًا، ومن آليات العمل السياسي خلال العقود السابقة. كما تتضمّن تقييمًا للسياسات الرسمية تجاه قضية الجولان، ورؤية تعتبر أن استعادة الجولان كانت مستبعدة في ظلِّ المعادلات السياسية والعسكرية التي سادت خلال العقود الماضية. وتتطرق الشهادة كذلك إلى مشاركة عدد من أبناء الجولان في الثورة السورية وما رافقها من انقسامات ومواقف متباينة داخل المجتمع المحلي.

الهُويّة والذاكرة واللغة، يبرز في الشهادة اهتمام خاص بمسألة الهُويّة الشركسية وتأثير النزوح عليها، ولا سيَّما ما يتعلق بتراجع استخدام اللغة الشركسية بين الأجيال الجديدة نتيجة الاندماج في البيئات الجديدة وغياب المؤسَّسات التعليمية المتخصِّصة. وفي المقابل يؤكد الشاهد استمرار ارتباط أبناء الجولان بقراهم وأراضيهم وذكرياتهم، بوصفها عنصرًا أساسيًا من عناصر هويتهم الجماعية.

مستقبل الجولان وحق العودة، وتختتم الشهادة برؤية تجمع بين القلق والأمل؛ إذ يعبر الشاهد عن مخاوفه من التغيرات التي يشهدها الجولان المحتل والتوسع الإسرائيلي المستمر، لكنه يتمسّك بحق العودة وضرورة عدم التفريط بالجولان، ويرى أن مستقبل القضية مرتبط بقدرة السوريّين على التوصل إلى تسوية تحفظ الحقوق الوطنية للسكان الأصليين.

الشهادة الثالثة: أحمد العسراوي

ولد السيد أحمد العسراوي في 17 أيار/مايو 1951 في قرية مزرعة بيت جن في الجولان السوري المحتل، وهو مهندس ميكانيك. أُجريت المقابلة معه بتاريخ 24/6/2026، واستغرقت نحو أربع ساعات توزعت على عدة جلسات. وتكتسب شهادته أهمية خاصة لأنَّها تجمع بين الذاكرة الشخصية لطفل عايش السنوات الأخيرة التي سبقت احتلال الجولان، وبين رؤية تحليلية تشكلت عبر خبرته المهنية واهتمامه الطويل بتاريخ المنطقة وتوثيقها. وتقدم الشهادة وصفًا تفصيليًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية في مزرعة بيت جن قبل عام 1967، كما تتناول تجربة النزوح، والتحولات التي طرأت على المجتمع الجولاني، والعلاقات بين القرى، إضافة إلى ما تتضمّنه من تأملات في الذاكرة والهُويّة وحق العودة، مستندة إلى تجربة شخصية امتدت عبر عقود من متابعة الشأن الجولاني.

وتتميز شهادة السيد أحمد العسراوي بكونها تجمع بين السيرة الشخصية والذاكرة المحلية والتحليل السياسي؛ فعلى الرغم من أنَّ مزرعة بيت جن لا تقع ضمن الأراضي التي احتُلّت عام 1967، فإن المنطقة شهدت، بحكم موقعها الجغرافي، نزوحًا مؤقتًا لمدة عام، كما جعلت علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية الوثيقة بقرى الجولان سكانها جزءًا من التجربة الجولانيّة الأوسع. وتتناول الشهادة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الحرمون قبل عام 1967، وتجربة النزوح التي عاشتها القرى المحاذية للجولان خلال الحرب، وتأثير الاحتلال في المنطقة، كما تستعرض تجربة الشاهد في العمل السياسي المعارض؛ إذ يشغل، منذ عام 2022، منصب الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي في سورية. ويقدم في هذه المقابلة رؤيته لقضية الجولان والسياسات السورية تجاهها. تتميز شهادة أحمد العسراوي بأنها تتجاوز حدود السيرة الشخصية التقليدية، لتقدم قراءة مركبة تجمع بين التاريخ المحلي والتحليل السياسي والذاكرة الجماعية. كما تكتسب أهمية خاصة لأنَّها توثق تجربة منطقة الحرمون بوصفها فضاءً متداخلًا مع الجولان اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وتقدم مادة غنية حول استقبال النازحين، وآثار الحروب على المجتمعات المحلية، وتجارب العمل السياسي المرتبطة بقضية الجولان. وتُعد من أكثر الشهادات تفصيلًا في الربط بين التجربة الفردية والتحولات الوطنية العامة خلال العقود الستة الماضية.

أبرز محاور الشهادة الثالثة

الحياة الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الحرمون، يصف الشاهد المجتمع المحلي في مزرعة بيت جن بوصفه مجتمعًا متماسكًا تسوده العلاقات الاجتماعية الوثيقة والتعاون بين الأسر. كما يقدم صورة عن الاقتصاد الزراعي المحلي، وأهمية الزراعة في حياة السكان، وطبيعة التعليم والتنقل بين القرية ودمشق خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

البنية السياسية والاجتماعية قبل عام 1967، تتضمّن الشهادة وصفًا للحياة السياسية في المنطقة قبل الاحتلال، حيث يتحدث الشاهد عن انتشار التوجهات القومية والعروبية، وعن المنافسة بين التيارات الناصرية والبعثية، مع استمرار العلاقات الاجتماعية على الرغم من الخلافات السياسية. كما توثق الشهادة مكانة مزرعة بيت جن بوصفها مركز ناحية الحرمون وعلاقتها بالقرى المجاورة، بما فيها عدد من القرى الجولانيّة.

حرب حزيران 1967 واستقبال النازحين، يقدم الشاهد وصفًا تفصيليًا لتداعيات حرب حزيران على المنطقة، ويستعيد وصول نازحين من قرى الجولان إلى مزرعة بيت جن، واستقبال الأهالي لهم وإيواء العديد منهم داخل منازلهم. وتبرز في هذا الجزء مظاهر التضامن الاجتماعي بين سكان المنطقة والنازحين خلال الأيام الأولى للحرب.

تجربة النزوح والحرب في منطقة الحرمون، على الرغم من أنَّ قريته لم تكن من القرى المحتلّة، يروي الشاهد تجربة النزوح التي عاشتها أسرته خلال حرب تشرين 1973، نتيجة وصول المعارك والقصف إلى المنطقة. ويتضمّن السرد وصفًا لمسارات الهروب عبر الجبال والقرى المجاورة، والصعوبات التي واجهتها الأسر خلال التنقل والبحث عن أماكن آمنة، وما رافق ذلك من خوف وفوضى وانقطاع للأخبار الدقيقة.

العودة إلى القرية وآثار الحرب، تتناول الشهادة العودة إلى مزرعة بيت جن بعد اتّفاقية فصل القوات، وما خلفته الحرب من دمار واسع في المنازل والبساتين والبنية التحتية. ويصف الشاهد مشاهد الخراب التي واجهها الأهالي عند عودتهم، وخصوصًا تدمير البساتين وقلع الأشجار المثمرة التي شكلت مصدر رزق رئيسًا للعديد من الأسر.

إعادة الإعمار والاعتماد على الجهود الذاتية، توثق الشهادة الظروف الصعبة التي عاشها السكان بعد العودة، حيث اضطر كثيرون إلى السكن في الخيام أو في أبنية متضررة، مع اعتماد واسع على الجهود الذاتية لإعادة بناء المنازل واستصلاح الأراضي. كما يقدم الشاهد تقييمًا نقديًا لمستوى الدعم الحكومي الذي تلقته المنطقة بعد الحرب، معتبرًا أنه كان محدودًا وغير متناسب مع حجم الخسائر.

الجولان في الخطاب الرسمي والسياسات الفعلية، يخصص الشاهد مساحة واسعة لتحليل السياسات الرسمية السورية تجاه قضية الجولان، ويقارن بين الخطاب الإعلامي المعلن والممارسات الفعلية على الأرض. ويرى أن قضية الجولان بقيت حاضرة في الخطاب السياسي أكثر مما كانت حاضرة في السياسات العملية الهادفة إلى استعادته أو دعم العمل المرتبط به.

العمل السياسي والمعارضة، تُعد التجربة السياسية أحد أهم محاور الشهادة. إذ يستعرض الشاهد بدايات اهتمامه بالشأن العام، ونشاطه السياسي خلال دراسته الجامعية وبعدها، كما يروي تجربته في تأسيس «الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية» وما تعرّض له المشاركون فيها من ضغوط واستدعاءات أمنية. وتوفر هذه التجربة مادة مهمة لفهم العلاقة بين النشاط المدني والسياسي وأجهزة الدولة خلال العقود السابقة.

الذاكرة الوطنية والجولان، تظهر في الشهادة رؤية تعتبر الجولان قضية مركزية في الوعي الوطني لسكان المنطقة، حتى بالنسبة للقرى الواقعة خارج حدود الأراضي المحتلّة مباشرة. ويؤكد الشاهد أن القرب الجغرافي والروابط الاجتماعية والتاريخية جعلت قضية الجولان جزءًا من الحياة اليومية والذاكرة الجماعية لسكان الحرمون والقرى المجاورة.

العلاقة بين التجربة المحلية والتحولات الوطنية، تتجاوز الشهادة السرد المحلي لتربط بين تجربة المنطقة وبين التحولات السياسية الكبرى في سورية، من مرحلة ما قبل عام 1967، مرورًا بالحروب العربية الإسرائيلية، ووصولًا إلى العقود الأخيرة. وبذلك تقدم الشهادة قراءة تجمع بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية والتحليل السياسي للأحداث.

الشهادة الرابعة: فيصل أحمد نهار

وُلد السيد فيصل أحمد نهار عام 1945 في قرية كفر حارب في الجولان السوري المحتل، ويقيم حاليًا في بلدة الغزلانية بريف دمشق. عمل مدرسًا للفيزياء والكيمياء، وعُرف أيضًا بنشاطه السياسي واهتمامه بالشأن العام. أُجريت المقابلة معه بتاريخ 19/6/2026، واستغرقت ثلاث ساعات. وتكتسب شهادته أهمية خاصة لأنَّها تجمع بين الذاكرة الشخصية لأحد أبناء الجولان الذين عايشوا الحياة في كفر حارب قبل احتلالها، وبين رؤية شاهد انخرط في التعليم والعمل العام لعقود طويلة. وتقدم الشهادة وصفًا غنيًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية في القرية قبل عام 1967، وتوثق تجربة النزوح وما رافقها من تحولات، كما تتناول أوضاع نازحي الجولان، والعلاقات الاجتماعية بينهم، وتطور الوعي الوطني والسياسي المرتبط بقضية الجولان، فضلًا عن تأملات في الذاكرة والهُويّة وحق العودة، مستندة إلى تجربة امتدت عبر مراحل تاريخية متعاقبة.

وتجمع شهادة السيد فيصل نهار بين وصف تفصيلي للحياة اليومية في قرى الجولان الجنوبية المطلة على بحيرة طبريا قبل عام 1967، وسرد لتجربة النزوح وما تلاها، إضافة إلى توثيق تجربة سياسية طويلة ارتبطت بالحركة الناصرية والعمل العام والتعليم. وتتميز الشهادة بغناها في وصف الجغرافيا المحلية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية مع فلسطين والأردن، كما تقدم رؤية سياسية ممتدة من مرحلة الوحدة السورية المصرية إلى مرحلة ما بعد النزوح وصولًا إلى الحاضر. وهي تجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة: الذاكرة المحلية لقرية كفر حارب؛ وتجربة النزوح الجولانيّة؛ والمسار السياسي لشخصية عامة وناشط قومي ناصري عايش تحولات كبرى في التاريخ السوري المعاصر. ويقدم الشاهد وصفًا تفصيليًا لقرية كفر حارب الواقعة على مرتفع يطل مباشرة على بحيرة طبريا، ويصف عمرانها البازلتي وطبيعة موقعها الجغرافي وعلاقتها بالبحيرة ووادي اليرموك والحمّة والمناطق الفلسطينيّة المجاورة. وتبرز الشهادة أهمية الموقع الجغرافي للقرية في تشكيل أنماط الحياة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية لسكانها. كما تقدم مادة عن العلاقات التاريخية مع فلسطين والأردن، وتطور الوعي الوطني والسياسي لدى أبناء المنطقة. وتكتسب الشهادة قيمة خاصة لما تتضمّنه من أوصاف دقيقة للجغرافيا المحلية ولأنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي اندثرت بعد الاحتلال.

أبرز محاور الشهادة الرابعة

التعليم في الجولان قبل الاحتلال، توثِّق الشهادة تجربة التعليم في الريف الجولاني خلال خمسينيات القرن العشرين، حيث اضطر التلاميذ إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى المدارس الإعدادية في القرى المجاورة. ويصف الشاهد الظروف الصعبة للدراسة والتنقل، وما تطلبه ذلك من جهد يومي كبير في بيئة تفتقر إلى كثير من الخدمات الأساسية.

الاقتصاد الريفي والاعتماد على الأرض، تعرض الشهادة صورة عن اقتصاد الاكتفاء الذاتي الذي عرفته المنطقة، حيث اعتمد السكان على الزراعة وتربية المواشي والمنتجات المحلية. كما يستعيد الشاهد تنوّع الموارد الطبيعية التي كانت توفرها الأرض، ويصف علاقة السكان الوثيقة ببيئتهم الزراعية والطبيعية.

العلاقات مع فلسطين والأردن، يشكل هذا المحور أحد أبرز جوانب الشهادة. إذ يوضح الشاهد أن كفر حارب كانت ترتبط بعلاقات اقتصادية واجتماعية وثيقة مع فلسطين قبل عام 1948، واستمرّت آثار هذه العلاقات بعد ذلك بفترة طويلة. كما يتحدث عن الروابط التجارية والعائلية مع المناطق الفلسطينيّة المجاورة، وعن التأثير الكبير الذي تركته فلسطين في الوعي الوطني والسياسي لسكان المنطقة.

مرحلة الوحدة السورية المصرية، تتضمّن الشهادة وصفًا إيجابيًا لتجربة الوحدة السورية المصرية وانعكاساتها على سكان المنطقة الحدودية. ويتحدث الشاهد عن تصاعد المشاعر القومية خلال تلك المرحلة، وعن أثرها في تشكيل وعيه السياسي ووعي أبناء جيله، كما يستعيد بعض الممارسات المرتبطة بالحضور العسكري والإداري للدولة في المنطقة خلال تلك السنوات.

النزوح من الجولان عام 1967، توثق الشهادة تجربة النزوح وما رافقها من فقدان للممتلكات والأراضي ومصادر الرزق. ويصف الشاهد حالة الارتباك التي رافقت مغادرة السكان لقراهم، وانتقالهم إلى مناطق مختلفة في الداخل السوري، وما واجهوه من تحديات معيشية واجتماعية خلال الأشهر والسنوات الأولى للنزوح.

أوضاع النازحين بعد النزوح، يقدم الشاهد وصفًا لواقع النازحين الجولانيّين في دمشق وريفها، ولأشكال التضامن الاجتماعي التي ظهرت بينهم، وللجهود التي بذلتها العائلات والوجهاء لمساعدة الأسر الوافدة حديثًا. كما تتناول الشهادة الصعوبات الاقتصادية التي واجهها النازحون في بداية استقرارهم خارج الجولان.

العمل السياسي والانتماء الناصري، تحتل التجربة السياسية مساحة واسعة في الشهادة. إذ يروي الشاهد انخراطه المبكر في التيار الناصري، وتجربته في النشاط السياسي والنقابي والتعليمي، كما يستعرض علاقته بالسلطات المختلفة وبالحياة الحزبية خلال العقود اللاحقة. وتوفر هذه المادة جانبًا مهمًا لفهم تشكل الوعي السياسي لدى قسم من أبناء الجولان خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

العمل في التعليم، تستعرض الشهادة مسيرة الشاهد المهنية كمدرس لمادتي الفيزياء والكيمياء في عدد من المناطق السورية، بما فيها الحسكة والقامشلي والقنيطرة. كما تتناول علاقاته مع طلابه وتجربته التعليمية الطويلة، وما تركته من أثر في حياته العامة والشخصية.

تقييم أوضاع الجولانيّين بعد النزوح، تتضمّن الشهادة تقييمًا نقديًا لأوضاع النازحين الجولانيّين وللسياسات التي اتبعت تجاههم بعد عام 1967، بما في ذلك قضايا المساعدات والخدمات وإعادة الاستقرار. كما تعكس رؤية الشاهد للتحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها الجولانيّون خلال العقود اللاحقة.

الذاكرة والحنين إلى المكان، تحضر كفر حارب بقوة في مختلف أجزاء الشهادة، ليس بوصفها مكانًا جغرافيًا فحسب، بل بوصفها مركزًا للذاكرة والهُويّة والانتماء. ويستعيد الشاهد تفاصيل الحياة اليومية والطبيعة والعلاقات الاجتماعية والمشاهد المرتبطة بالقرية، بما يجعل الشهادة مصدرًا غنيًا لدراسة الذاكرة المكانية لدى النازحين الجولانيّين.

مستقبل الجولان وحق العودة، تختتم الشهادة برؤية متفائلة تجاه مستقبل الجولان وإمكانية استعادته، مع إقرار الشاهد بحجم التحولات التي شهدتها بعض القرى المدمرة، ومنها كفر حارب. كما يؤكد استمرار حضور الجولان في وعي أبنائه على الرغم من مرور عقود طويلة على النزوح.

الشهادة الخامسة: خميسة العايد وسعاد العايد، بمشاركة غسان العايد

وُلدت خميسة العايد عام 1948 في قرية الدلوة في الجولان السوري المحتل، وتُقيم حاليًا في دويلعة. كما وُلدت شقيقتها سعاد العايد عام 1962، وتنحدر من القرية نفسها وتقيم في دويلعة. أما غسان العايد، المولود عام 1969 بعد النزوح، فقد شارك بمداخلات متفرقة خلال المقابلة. أُجريت المقابلة بتاريخ 3/7/2026، واستغرقت نحو ساعة، توزعت بصورة متقاربة بين شهادتي خميسة وسعاد، مع تداخل مداخلات غسان في أثنائها.

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنَّها تجمع روايات ثلاثة أفراد من العائلة نفسها ينتمون إلى أجيال متعاقبة، واختبر كل منهم تجربة الجولان والنزوح بطريقة مختلفة. فقد عاشت خميسة العايد سنواتها الأولى في الجولان وعاينت أحداث النزوح بصورة مباشرة، بينما كانت سعاد العايد طفلة صغيرة عند وقوع الاحتلال. أما غسان العايد، الذي وُلد بعد النزوح، فقد تشكلت ذاكرته عن الجولان من خلال روايات الأسرة وتجربتها الممتدة داخل مجتمع النازحين. وتتيح هذه البنية العائلية للشهادة تتبع التفاعل بين الذاكرة المباشرة والذاكرة المنقولة عبر الأجيال، كما تكشف عن استمرار حضور الجولان في الحياة اليومية وفي تشكيل الهُويّة الاجتماعية والثقافية لأفراد العائلة.

أبرز محاور الشهادة الخامسة

التنقل داخل الجولان قبل عام 1967، تشير الشهادة إلى أن عمل الوالد في السلك العسكري فرض على الأسرة نمطًا من التنقل المستمر بين مناطق مختلفة من الجولان، الأمر الذي جعل تجربة الانتماء إلى المكان أكثر اتساعًا من حدود القرية الأصلية. فقد عاشت الأسرة في القنيطرة وفي مواقع أخرى مرتبطة بالخدمة العسكرية، مع احتفاظها بأصولها العائلية في الدلوة. وتقدم هذه المعطيات صورة عن فئة من أبناء الجولان ارتبطت حياتهم بالمؤسَّسات الرسمية للدولة السورية قبل الاحتلال، وعاشت في الوقت نفسه ضمن النسيج الاجتماعي المحلي للجولان.

العلاقات الاجتماعية والعائلية قبل النزوح، تصف الشهادة مجتمع الجولان بوصفه مجتمعًا مترابطًا يقوم على علاقات القرابة والتعاون المتبادل. ورغم تنقل الأسرة بين عدة مناطق، تؤكد خميسة العايد استمرار العلاقات التي نشأت قبل عام 1967 حتى العقود اللاحقة، بما يعكس متانة الروابط الاجتماعية التي سادت في المنطقة. كما تظهر الرواية أهمية العائلة الممتدة وحضور الأقارب في الحياة اليومية، سواء قبل النزوح أو بعده.

تجربة النزوح عام 1967، تقدم خميسة العايد وصفًا مكثفًا للحظات النزوح الأولى، حيث ارتبط القرار بتطورات المعارك والقصف الجوي والأخبار المتداولة عن تقدم القوات الإسرائيلية. وتوضح أن العائلة غادرت على عجل شديد من دون أن تتمكن من حمل ممتلكاتها، اعتقادًا منها أن الغياب سيكون مؤقتًا وأن العودة قريبة. وتبرز في هذه الرواية إحدى السمات المتكررة في شهادات نازحي الجولان، وهي الخروج القسري في ظروف طارئة مع توقع العودة خلال أيام أو أسابيع.

طريق النزوح والوصول إلى دويلعة، تروي الشهادة أن الأسرة غادرت سيرًا على الأقدام في البداية قبل أن تتابع طريقها عبر درعا، ثم استقرت في دويلعة لوجود أقارب فيها. وتشير الرواية إلى أن الاستقبال الأول تم في ظروف صعبة، حيث وصل النازحون وهم مرهقين وجائعين ويحتاجون إلى المساعدة الفورية. وتعكس هذه التفاصيل طبيعة المعاناة الإنسانية التي رافقت النزوح الجماعي من الجولان خلال أيام الحرب.

الاستقرار وإعادة بناء الحياة، بعد مرحلة النزوح الأولى، تمكنت الأسرة من شراء أرض وبناء منزل والاستقرار بصورة دائمة في القدم. وتبرز الشهادة الجهود التي بذلتها العائلات النازحة لإعادة تأسيس حياتها الاقتصادية والاجتماعية في أماكن النزوح، مع استمرار الشعور بأن هذا الاستقرار لا يلغي الانتماء إلى الجولان ولا يحل محل الوطن الأصلي.

البنية العشائرية والاجتماعية في الجولان، تتضمّن شهادة غسان العايد معلومات مهمة حول البنية الاجتماعية في منطقة الدلوة والقرى المجاورة، إذ يشير إلى انتماء الأسرة إلى عشيرة البحاترة، ويتحدث عن توزيع العشائر والقرى والعلاقات التي كانت تربط بينها. كما تبرز الرواية وجود شبكات واسعة من التعاون والتبادل الاقتصادي والاجتماعي بين مختلف مناطق الجولان، بما يعكس حيوية المجتمع المحلي قبل الاحتلال.

الحياة الاقتصادية والتبادل بين مناطق الجولان، توضح الشهادة أن الجولان كان فضاءً اقتصاديًا متكاملًا تتبادل مناطقه المنتجات الزراعية والحيوانية بصورة مستمرة. وتذكر الرواية انتقال السكان بين القرى للحصول على الزيتون والعنب والمنتجات الزراعية الأخرى، إضافة إلى وجود أسواق وخدمات مركزية في مدينة القنيطرة. وتدحض هذه التفاصيل الصورة النمطية التي تختزل الجولان في كونه منطقة حدودية أو ريفية هامشية، مؤكدة أنه كان يتمتع بحياة اقتصادية واجتماعية نشطة ومتنوّعة.

التمسّك بالأرض والوثائق وحق العودة، تكشف الشهادة عن استمرار الأمل بالعودة خلال السنوات الأولى بعد النزوح، وهو ما دفع بعض أفراد الأسرة إلى الاحتفاظ بأوراق الملكية ومفاتيح المنازل والوثائق المرتبطة بالأرض. كما تتحدث الرواية عن محاولات زيارة المنطقة لاحقًا، وعن الصدمة الناتجة عن رؤية البيوت المهدمة وتغير معالم القرى. وتمثِّل هذه العناصر جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجمعية لنازحي الجولان، حيث ارتبطت فكرة العودة بالحفاظ على الوثائق والرموز المادية للملكية والانتماء.

صورة الجولان في المجتمع السوري، تتناول سعاد العايد جانبًا مختلفًا من التجربة، يتمثَّل بضعف معرفة كثير من السوريّين بقضية الجولان وبخصوصية النازحين منه. وتصف شعور أبناء الجولان بالانزعاج من الصور النمطية أو من اختزال هويتهم في أوصاف لا تعبر عن تجربتهم الحقيقية، كما تشير إلى أن القضية الجولانيّة لم تحظ دائمًا بالحضور الإعلامي أو المجتمعي الذي حظيت به قضايا ومناطق سورية أخرى. وتقدم هذه الملاحظات مادة مهمة لفهم أثر التهميش الرمزي على هُويّة النازحين وإحساسهم بمكانتهم داخل المجتمع الأوسع.

التعليم والعمل ودور النساء، تسلط الشهادة الضوء على الأدوار الاقتصادية والاجتماعية للنساء داخل الأسرة. فقد عملت سعاد العايد في مهنة الخياطة لسنوات طويلة وساهمت في إعالة الأسرة، كما تتحدث الرواية عن استمرار علاقاتها الاجتماعية والمهنية مع زبائنها ومحيطها الاجتماعي عبر عقود. وتبرز هذه التفاصيل قدرة النساء النازحات على المساهمة في إعادة بناء الحياة الاقتصادية للعائلة بعد النزوح، وعلى الحفاظ في الوقت نفسه على شبكات اجتماعية واسعة.

الجيل الثاني من النازحين والذاكرة المنقولة، يمثل غسان العايد نموذجًا للجيل الذي وُلد بعد النزوح، لكنه نشأ داخل فضاء الذاكرة الجولانيّة. وتظهر شهادته كيف انتقلت روايات الجولان من الآباء إلى الأبناء، وكيف بقيت حاضرة في تشكيل الهُويّة والانتماء على الرغم من عدم معايشة المكان بصورة مباشرة. وتؤكد هذه الشهادة أن النزوح لم يؤد إلى انقطاع الذاكرة، بل ساهم في إنتاج أشكال جديدة من حفظها ونقلها بين الأجيال.

ملاحظات منهجية، تتميز هذه الشهادة بطابعها العائلي والجماعي، إذ تجمع بين روايات تنتمي إلى ثلاثة أجيال مختلفة من الأسرة نفسها. وقد أتاح ذلك مقارنة الذاكرة المباشرة للنزوح بالذاكرة المنقولة لاحقًا، وإبراز التحولات التي طرأت على تمثّلات الجولان والهُويّة الجولانيّة عبر الزمن. كما تكشف الشهادة عن تداخل الأبعاد الشخصية والعائلية والاجتماعية في تجربة النزوح، وعن استمرار حضور الجولان بوصفه مرجعًا أساسيًا للهُويّة والانتماء لدى أبناء الأسرة، سواء ممن عاشوا فيه قبل عام 1967 أو ممن ولدوا بعد النزوح بسنوات طويلة.

ختامًا،

تمثِّل المرحلة الأولى من مشروع التاريخ الشّفوي للجولان السوري المحتل خطوة تأسيسية في مسار طويل يهدف إلى توثيق تجارب أبناء الجولان ونازحيه وحفظها وإتاحتها للأجيال القادمة وللباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة وقضاياها. وقد أظهرت المقابلات المنجزة حتى الآن غنى الذاكرة الجولانيّة وتنوّعها، وأكدت أهمية الشهادات الشّفوية بوصفها مصدرًا لا غنى عنه لفهم التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي للجولان من منظور أبنائه أنفسهم.

كما بيّنت المقابلات أن لكل مشارك تجربته الخاصة ومساره الشخصي وقراءته الذاتية للأحداث، وأن ذاكرة الجولان لا تختزل في رواية واحدة أو تجربة واحدة، بل تتشكل من تعدد الأصوات والخبرات ووجهات النظر. وفي الوقت نفسه، كشفت الشهادات عن مجموعة واسعة من القواسم المشتركة التي تتكرر بأشكال مختلفة بين المشاركين، وفي مقدمتها قوة الارتباط بالمكان، واستمرار حضور القرية والبيت والأرض في الذاكرة الفردية والجمعية، وتجربة النزوح وما رافقها من فقدان وتحولات عميقة، والحرص على نقل الذاكرة إلى الأجيال اللاحقة، إضافة إلى استمرار التمسّك بالهُويّة الجولانيّة السورية وبحق العودة واستعادة الحقوق المرتبطة بالأرض والممتلكات.

كما أتاحت المرحلة الأولى اختبار دليل المقابلة المعتمد في المشروع وتقييمه ميدانيًا. وأظهرت التجربة الحاجة إلى تعزيز الأسئلة الانتقالية بين المراحل الزمنية المختلفة في حياة المشارك، بما يساعد على استكمال السياق التاريخي والاجتماعي للأحداث. فقد تبين أن بعض المشاركين يتجاوزون شرح الظروف المحيطة بالأحداث أو تفسيرها، انطلاقًا من افتراض أنها معروفة أو بديهية، في حين تشكل هذه التفاصيل عنصرًا أساسيًا في فهم الشهادة وتوثيقها وإتاحتها للباحثين والأجيال القادمة.

وإذ يُنجز هذا التقرير بوصفه عرضًا أوليًا لنتائج المرحلة الأولى، فإن المشروع ما يزال مستمرًا، سواء عبر توسيع قاعدة المشاركين لتشمل مزيدًا من أبناء القرى والبلدات الجولانيّة ومن مختلف الأجيال والخلفيات الاجتماعية والمهنية، أو عبر تطوير أدوات التوثيق والأرشفة والتحليل. ومن شأن استكمال هذا العمل أن يسهم في بناء أرشيف شفوي متكامل للجولان السوري المحتل ونازحيه، يحفظ الذاكرة الفردية والجماعية، ويتيح فهمًا أعمق للتجربة الجولانيّة في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والثقافية والسياسية.


الهوامش

  1. يوسف فخر الدين وفريق بحثي، النازحون/ات السوريون/ات وحقوقهم/ن: 1939–1967–بعد 2011: دراسة استطلاعية نوعية تشاركية، المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، 7 كانون الثاني/ يناير 2026، استطلاعية نوعية تشاركية. ^