الهوية المعلقة والمشاركة السياسية للشباب النازحين
تحميل المقال (PDF)ملخص تنفيذي
تتناول هذه الورقة واقع الشباب النازحين من أبناء الجولان السوري المحتل، من خلال تحليل علاقتهم بالهُويّة والانتماء، والمشاركة السياسية، والثقة بالمؤسَّسات، والعدالة الانتقالية، في ظلِّ تجربة نزوح ممتدة بدأت منذ احتلال الجولان عام 1967، وتفاقمت مع النزوح الداخلي واللجوء خلال سنوات الثورة السورية، وصولًا إلى المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الأسد.
اعتمدت الدراسة على منهج نوعي قائم على مقابلات شبه موجهة مع أحد عشر شابًا وشابة من أبناء الجولان المقيمين داخل سورية وخارجها، بهدف استكشاف تصوراتهم تجاه قضايا المشاركة، والعودة، والعدالة، ومستقبل النازحين من أبناء الجولان.
وتبيِّن نتائج الدراسة أن الهُويّة الجولانيّة لا تزال تشكل عنصرًا رئيسًا في وعي الشباب وانتمائهم، إلَّا أنَّ هذا الانتماء يقابله شعور محدود بالمشاركة والتمثيل السياسي، وانخفاض في مستوى الثقة بالمؤسَّسات الرسمية نتيجة تراكمات تاريخية من التّهميش والإقصاء. كما توضح النتائج أن العدالة الانتقالية، بالنسبة إلى المشاركين، ترتبط بالمحاسبة وجبر الضرر وضمان الأمن وتهيئة الظروف الاقتصادية والاجتماعية اللازمة للعودة، ولا تقتصر على الإجراءات القانونية فقط. وتبرز الدراسة أيضًا مخاوف الشباب من مستقبل قضية الجولان في ظلِّ تعقيدات المرحلة الانتقالية، وإمكانية تراجع حضورها ضمن أولويات الدولة أو تأثرها بالتسويات الإقليمية والدولية.
وتخلص الدراسة إلى أن تمكين الشباب النازحين من المشاركة في صنع القرار، وتعزيز الثقة بالمؤسَّسات، وإدماج قضاياهم ضمن مسارات العدالة الانتقالية، تمثِّل شروطًا أساسية لتحقيق الاستقرار، وتعزيز المواطنة، والحفاظ على حقوق أبناء الجولان في المرحلة المقبلة.
كلمات مفتاحية:
الجولان السوري المحتل، الشباب، النزوح، الهُويّة، المشاركة السياسية، العدالة الانتقالية، الثقة بالمؤسَّسات، المرحلة الانتقالية.
مقدّمة
لم يعد النزوح الممتد لأبناء الجولان السوري المحتل مجرد قضية إنسانية مرتبطة بفقدان المكان، بل تحوّل مع مرور ما يقارب ستة عقود إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية معقدة، أعادت تشكيل الهُويّة الفردية والجماعية، وأثرت في أنماط المشاركة السياسية والثقة بالمؤسَّسات الرسمية. وتزداد أهمية هذه القضية في ظلِّ التحولات السياسية التي تشهدها سورية بعد سقوط نظام الأسد، وما يرافقها من نقاشات حول العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار وإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن استمرار التّهميش السياسي والاجتماعي للنازحين من أبناء الجولان لم يؤثر فقط في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وإنما ساهم أيضًا في إنتاج أنماط جديدة من العلاقة مع الدولة والانتماء الوطني والمشاركة العامة. ومن خلال مقابلات نوعية مع شباب وشابات من أبناء الجولان داخل سورية وخارجها، تحاول الدراسة فهم كيفية إدراكهم لقضايا الهُويّة والعدالة والتمثيل السياسي ومستقبل الجولان في المرحلة الانتقالية.
إشكالية الدراسة
تنبع إشكالية هذه الدراسة من التناقض بين استمرار تمسّك الشباب النازحين من أبناء الجولان بهويتهم الوطنية وحقهم في العودة، وبين محدودية مشاركتهم في الحياة العامة، وضعف تمثيلهم في عمليات صنع القرار، وتراجع ثقتهم بالمؤسَّسات الرسمية. وفي ظلِّ التحولات السياسية التي تشهدها سورية، تبرز الحاجة إلى فهم كيفية تأثير تجربة النزوح الممتدة في علاقة الشباب بالدولة، وفي تصوراتهم للعدالة، والمواطنة، ومستقبل قضية الجولان، بما يساهم في تطوير سياسات أكثر استجابة لحاجاتهم خلال المرحلة الانتقالية.
أسئلة الدراسة
كيف أثرت تجربة النزوح الممتدة في هُويّة الشباب النازحين من أبناء الجولان وانتمائهم؟
ما واقع المشاركة السياسية للشباب الجولاني، وما أبرز العوامل التي تحدُّ من مشاركتهم؟
كيف ينظر الشباب إلى العدالة الانتقالية وشروط العودة والاستقرار؟
ما مستوى الثقة بالمؤسَّسات الرسمية، وما العوامل المؤثرة فيها؟
ما أبرز هواجس الشباب تجاه مستقبل قضية الجولان خلال المرحلة الانتقالية؟
أهداف الدراسة
تحليل أثر النزوح الممتد على الهُويّة والانتماء لدى الشباب النازحين من أبناء الجولان.
دراسة واقع المشاركة السياسية والتمثيل المجتمعي للشباب والعوامل المؤثرة فيه.
استكشاف تصورات الشباب تجاه العدالة الانتقالية وشروط العودة والاستقرار.
تحليل مستوى الثقة بالمؤسَّسات الرسمية ودور المشاركة في تعزيزها.
رصد المخاوف والتصورات المتعلقة بمستقبل قضية الجولان خلال المرحلة الانتقالية.
تقديم توصيات يمكن أن تساهم في تعزيز مشاركة الشباب وإدماج قضاياهم في السياسات العامة.
منهجية الدراسة
اعتمدت الدراسة المنهج النوعي بوصفه الأنسب لفهم تصورات الشباب النازحين من أبناء الجولان وتحليل تجاربهم المرتبطة بالهُويّة، والمشاركة السياسية، والعدالة، والثقة بالمؤسَّسات. وجُمعت البيانات من خلال مقابلات شبه موجّهة مع (11) شابًا وشابة راوحت أعمارهم بين 20 و40 عامًا، يقيمون في مناطق مختلفة داخل سورية، شملت الحجر الأسود، وحجيرة، والسيدة زينب، وجديدة عرطوز، إضافة إلى عدد من المقيمين في دول أوروبية.
واختير المشاركون بطريقة قصديّة لضمان تنوّع الخبرات والسياقات الجغرافية والاجتماعية، ثم خضعت المقابلات للتحليل الموضوعاتي بهدف استخراج الأنماط المشتركة وتفسيرها في ضوء أهداف الدراسة وأسئلتها البحثية.
أهمية الدراسة
تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تسلط الضوء على فئة لم تحظ باهتمام بحثي كافٍ، وهي الشباب النازحون من أبناء الجولان السوري المحتل، الذين يعيشون تقاطعًا بين النزوح التاريخي والتهجير الناتج من النزاع السوري. كما تستند الدراسة إلى بيانات ميدانية أصلية جُمعت من خلال مقابلات مباشرة، بما يوفر فهمًا معمقًا لتصورات الشباب تجاه الهُويّة، والمشاركة، والعدالة، ومستقبل الجولان، ويساهم في رفد الأدبيات المتعلقة بالنزوح والمرحلة الانتقالية في سورية، وتقديم توصيات يمكن الاستفادة منها في صياغة السياسات العامة.
المشاركة السياسية وتمثيل الشباب الجولاني: بين الإرث السلطوي وتحديات المرحلة الانتقالية
تُعدّ المشاركة السياسية أحد المؤشرات الأساسية على مستوى اندماج الأفراد في الحياة العامة، وقدرتهم على التأثير في السياسات والقرارات التي تمسُّ حاضرهم ومستقبلهم. وفي السياق السوري، اكتسبت قضية مشاركة الشباب أهمية متزايدة منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، في ظلِّ التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي شهدتها البلاد، وما رافقها من إعادة تشكيل للعلاقات بين الدولة والمجتمع. إلَّا أنَّ هذه التحولات لم تنعكس بالدرجة نفسها على جميع الفئات الاجتماعية، إذ واجه الشباب النازحون من أبناء الجولان السوري المحتل تحديات مضاعفة ناجمة عن تداخل آثار النزوح التاريخي مع تداعيات النزاع السوري، الأمر الذي ساهم في تعقيد علاقتهم بالمشاركة السياسية والتمثيل العام.
وتكتسب هذه الحالة خصوصيتها من كون التجمعات السكانية لأبناء الجولان كانت من أوائل المناطق التي انخرطت في الحراك الشعبي ضد نظام الأسد، وتعرّضت خلال سنوات النزاع إلى حصار طويل وانتهاكات واسعة النطاق، شملت عمليات تهجير وتدمير ومجازر، من بينها مجزرة علي الوحش ومجزرة جديدة الفضل. وقد أضافت هذه التجارب طبقات جديدة من التهميش إلى تجربة نزوح بدأت أساسًا منذ احتلال الجولان عام 1967، لتنتج واقعًا مركبًا يجمع بين النزوح التاريخي والتهجير الداخلي وما ترتب عليهما من آثار اجتماعية وسياسية متراكمة.
ويُظهر هذا الواقع أن محدودية المشاركة السياسية لا ترتبط فقط بظروف المرحلة الراهنة، وإنما تعود أيضًا إلى الإرث السياسي الذي خلفه النظام السابق. فقد حالت البيئة الأمنية المغلقة دون تشكل أطر سياسية أو مدنية مستقلة تمثِّل أبناء الجولان أو تعبر عن مطالبهم، كما جرى تقييد أي نشاط عام يتناول قضاياهم، وفي مقدمتها حق العودة ومستقبل الجولان. وساهم ذلك في إضعاف فرص التنظيم المجتمعي، والحد من تراكم الخبرات السياسية لدى الأجيال الشابة، بما انعكس على مستوى المشاركة والتمثيل في المجال العام.
ومع التحولات السياسية التي شهدتها سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، برزت لدى قطاع من أبناء الجولان توقعات بإمكانية إعادة بناء العلاقة مع الدولة على أسس أكثر شمولًا، خاصة مع وصول أحمد الشرع، المنحدر من أصول جولانيّة، إلى رئاسة الدولة. وقد عزز هذا التحول آمالًا بفتح المجال أمام إنشاء أطر مدنية وسياسية تمثِّل المجتمع الجولاني، وتساهم في نقل مطالبه، والدفاع عن حقوقه، وإشراك شبابه في عمليات صنع القرار والتنمية خلال المرحلة الانتقالية.
إلَّا أنَّ نتائج المقابلات تشير إلى أن هذه التوقعات لا تحظى بإجماع داخل المجتمع الجولاني. فبينما يرى بعض المشاركين أن المرحلة الجديدة قد تتيح فرصة لتجاوز عقود من التهميش، يعتقد آخرون أن التمثيل السياسي لا يمكن أن يتحقق من خلال الانتماء الجغرافي أو الخلفية العائلية للمسؤولين، وإنما يتطلَّب بناء مؤسَّسات وسياسات تضمن مشاركة فعلية ومستدامة للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها. ويعكس هذا التباين إدراكًا لدى الشباب بأن التمثيل الحقيقي يقاس بمدى قدرة المؤسَّسات على إشراكهم في صنع القرار والاستجابة لحاجاتهم، وليس بالرمزية السياسية وحدها.
وتكشف المقابلات كذلك عن استمرار شعور شريحة واسعة من الشباب بأن قضايا أبناء الجولان لا تزال تقع على هامش الاهتمام الرسمي والمدني، أكان ذلك من حيث البرامج التنموية أم المبادرات الهادفة إلى تعزيز المشاركة السياسية وبناء القدرات. ويؤدّي هذا الشعور إلى إضعاف الثقة بفاعلية المؤسَّسات، ويحدُّ من استعداد الشباب للانخراط في المجال العام، في ظلِّ غياب قنوات واضحة تتيح لهم التعبير عن أولوياتهم والمساهمة في رسم السياسات المتعلقة بمجتمعاتهم.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المشاركة السياسية للشباب النازحين من أبناء الجولان قضية تتجاوز حدود التمثيل السياسي التقليدي، لترتبط بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد النزاع. فتمكين هذه الفئة لا يقتصر على توفير فرص المشاركة في المؤسَّسات الرسمية، وإنما يتطلَّب أيضًا معالجة آثار التّهميش التاريخي، وتعزيز التنظيم المجتمعي، وفتح مساحات حقيقية أمام الشباب للمساهمة في صياغة مستقبل مناطقهم وقضيتهم الوطنية. ومن هذا المنطلق، تشكل المشاركة السياسية إحدى الركائز الأساسية لتعزيز المواطنة، واستعادة الثقة بالمؤسَّسات، وضمان حضور قضية الجولان ضمن أولويات الدولة السورية في المرحلة المقبلة.
المشاركة والانتماء لدى الشباب النازحين من الجولان: هُويّة راسخة وتمثيل سياسي محدود
تكشف نتائج المقابلات النوعية أن الهُويّة الجولانيّة لا تزال تشكل أحد أكثر مكونات الهُويّة رسوخًا لدى الشباب النازحين، على الرغم من مرور ما يقارب ستة عقود على النزوح، وما رافقها من تجارب متكررة للتهجير الداخلي واللجوء الخارجي. وتظهر البيانات أن الانتماء إلى الجولان لا يرتبط فقط بالمكان بوصفه حيزًا جغرافيًا، وإنما يمثل عنصرًا مؤسسًا للهُويّة الجماعية، تشكل عبر الذاكرة العائلية والسرديّات المتوارثة التي حافظت على ارتباط الأجيال الجديدة بأرضها الأصلية، حتى لدى من لم تتح لهم فرصة رؤيتها.
وتشير المقابلات إلى أن هذا الانتماء يتجاوز البعد الرمزي ليصبح جزءًا من التصور الشخصي للمستقبل. فقد وصف العديد من المشاركين الجولان بوصفه نقطة ارتكاز لهويتهم الوطنية، مؤكدين أن فكرة العودة لا تزال حاضرة في وعيهم بوصفها حقًا مشروعًا ومشروعًا مستقبليًا، أكثر من كونها مجرد ذكرى تاريخية. ويعكس ذلك نجاح الذاكرة الجمعية في الحفاظ على استمراريّة الهُويّة الجولانيّة على الرغم من التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها المجتمع خلال العقود الماضية.
إلَّا أنَّ قوة الانتماء هذه لا يقابلها شعور مماثل بالقدرة على التأثير في الشأن العام. فقد أظهرت نتائج الدراسة وجود فجوة واضحة بين الإحساس بالانتماء والتمثيل السياسي، إذ يرى أغلبية المشاركين أن دورهم في رسم مستقبل مجتمعاتهم لا يزال محدودًا، وأن القرارات المتعلقة بقضاياهم تُتّخذ في مستويات رسمية أو سياسية لا يشاركون فيها بصورة مباشرة. ويعكس هذا التصور شعورًا متزايدًا بالإقصاء من عمليات صنع القرار، على الرغم من إدراكهم لأهمية مشاركتهم في المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية.
كما تكشف المقابلات عن إدراك متقدِّم لدى الشباب لمفهوم المشاركة، إذ لم يقتصر فهمهم لها على الانخراط في المؤسَّسات السياسية الرسمية، وإنما امتد ليشمل العمل المدني، والمبادرات المجتمعية، والعمل التطوعي، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار والتنمية المحلية. إلَّا أنَّ هذا الإدراك يصطدم بجملة من القيود البنيوية، أبرزها محدودية الفرص المتاحة، وغياب الأطر المؤسَّسية التي تسمح بتحويل الرغبة في المشاركة إلى أدوار فعلية ذات تأثير في السياسات العامة أو في إدارة الشأن المحلي.
وتوضح نتائج الدراسة أن محدودية التمثيل لا تقتصر على المجال السياسي، بل تمتد إلى ضعف إشراك الشباب في تصميم وتنفيذ المبادرات التنموية التي تستهدف مجتمعاتهم. ويؤدّي ذلك إلى تعميق الشعور بأن حاجاتهم وأولوياتهم لا تنعكس بصورة كافية في البرامج والسياسات القائمة، الأمر الذي يحدُّ من ثقتهم بفاعلية المؤسَّسات ويضعف إحساسهم بقدرتهم على إحداث تغيير حقيقي.
وفي المقابل، أظهرت المقابلات توافقًا واسعًا حول مجموعة من الشروط التي يرى الشباب أنَّها تمثِّل مدخلًا لتعزيز مشاركتهم المجتمعية والسياسية. وفي مقدمة هذه الشروط توفير مساحات حقيقية للمشاركة في صنع القرار، بما يتجاوز الأدوار الشكلية أو الرمزية، إلى جانب دعم المبادرات الشبابية من خلال التمويل وبناء القدرات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتوفير فرص عمل مستقرة تمكّن الشباب من إعادة بناء حياتهم وتعزز ارتباطهم بمجتمعاتهم المحلية. كما شدّد المشاركون على أن إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية في المناطق المتضرِّرة تمثِّل شرطًا ضروريًا لتهيئة بيئة تسمح بالمشاركة المجتمعية الفاعلة وتحقيق التنمية المستدامة.
وتشير هذه النتائج إلى أن المشاركة السياسية والاجتماعية لدى الشباب النازحين من الجولان لا تتحدد فقط بمدى استعدادهم للانخراط في الحياة العامة، وإنما ترتبط بدرجة كبيرة بطبيعة البيئة السياسية والمؤسَّسية التي توفر لهم فرصًا حقيقية للتأثير. فكلما اتسعت قنوات المشاركة، تعزَّز الشعور بالانتماء وتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية فاعلة، في حين يؤدّي استمرار التّهميش وضعف التمثيل إلى تكريس الفجوة بين الهُويّة والمواطنة الفاعلة.
وعليه، يمكن القول إن التحدي الرئيس لا يكمن في ضعف انتماء الشباب إلى الجولان أو إلى الشأن العام، وإنما في محدودية الفرص المتاحة لتحويل هذا الانتماء إلى مشاركة مؤسَّسية مؤثرة. ومن ثم، فإن تمكين الشباب وإشراكهم في عمليات صنع القرار وإعادة الإعمار يشكل أحد المتطلبات الأساسية لبناء علاقة أكثر توازنًا بين الدولة والمجتمع، وتعزيز حضور أبناء الجولان بوصفهم فاعلين في رسم مستقبل مناطقهم، وليس مجرد متلقين للسياسات أو شهود على التحولات التي تمسُّ حياتهم.
العدالة لدى النازحين الجولانيّين: بين متطلبات الاستقرار وإشكاليات العدالة الانتقالية
تكشف نتائج المقابلات أن مفهوم العدالة لدى الشباب النازحين من الجولان يتجاوز الإطار القانوني الضيق، ليعكس تصورًا شاملًا يربط بين العدالة والاستقرار، وتشير نتائج الدراسة إلى أن المشاركين ينظرون إلى الأمن بوصفه المدخل الأساسي لأي عملية استقرار أو عودة مستدامة. فغياب الأمن واستمرار مصادر التهديد المباشر يقوضان إمكانية إعادة بناء الحياة، حتى في حال توافر الرغبة بالعودة. وإلى جانب الأمن، تبرز إعادة تأهيل البنية التحتية، وترميم المساكن، واستعادة الخدمات الأساسية بوصفها شروطًا لا تقل أهمية، إذ يرى المشاركون أن العودة إلى مناطقهم التي دمرها النظام السابق لا يمكن أن تتحقق في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.
كما أظهرت المقابلات أن الاستقرار، من وجهة نظر الشباب، لا يقتصر على إعادة إعمار البنية المادية، وإنما يشمل الاستثمار في رأس المال البشري، ولا سيَّما قطاع التعليم. فقد شدَّد عدد من المشاركين على أهمية تطوير العملية التعليمية بما يساهم في تعزيز الوعي الوطني وحفظ الذاكرة التاريخية، من خلال إدراج قضية الجولان ضمن المناهج التعليمية، بما يضمن انتقال المعرفة بتاريخ المنطقة وحقوق أبنائها إلى الأجيال الجديدة، وعدم اقتصارها على الرواية الشّفوية داخل الأسرة.
وفي المقابل، تكشف نتائج الدراسة عن إدراك واضح للعوائق التي تحول دون تحقيق هذه الشروط. فعلى المستوى الاقتصادي، تُعد محدودية فرص العمل، وارتفاع معدلات الفقر، وتراجع مصادر الدخل، من أبرز العوامل التي تحدُّ من قدرة النازحين على العودة والاستقرار. أما على المستوى القانوني، فقد أشار المشاركون إلى أن ارتفاع تكاليف التقاضي، وصعوبة متابعة الإجراءات القانونية المتعلقة بالممتلكات والحقوق، يشكلان عائقًا إضافيًا أمام استعادة الحقوق أو المطالبة بها، الأمر الذي يعزز الشعور باستمرار الهشاشة القانونية بعد سنوات النزاع.
وتبرز كذلك مجموعة من التحديات الأمنية والاجتماعية التي يرى المشاركون أنها تهدد فرص الاستقرار على المدى الطويل، وفي مقدمتها انتشار السلاح خارج إطار الدولة، وازدياد نشاط الاتجار بالمخدرات، وظهور بعض مظاهر التطرّف بين فئات من الشباب. وتشير هذه المخاوف إلى أن إعادة الإعمار، من منظور المشاركين، لا يمكن اختزالها في إعادة بناء الأبنية والبنية التحتية، وإنما تتطلب أيضًا إعادة بناء البيئة الأمنية والاجتماعية بما يضمن استقرار المجتمعات المحلية ويحدُّ من عوامل إنتاج العنف مستقبلًا.
وتوضح المقابلات أيضًا أن فرص العودة لا تبدو متكافئة بين جميع النازحين، إذ يلعب الوضع الاقتصادي دورًا حاسمًا في تحديد القدرة الفعلية على العودة. فبينما قد يمتلك بعض الأفراد الموارد التي تمكّنهم من إعادة ترميم منازلهم أو استئناف حياتهم، يجد آخرون أنفسهم عاجزين عن اتّخاذ هذه الخطوة بسبب محدودية إمكاناتهم المالية. ويكشف ذلك عن وجود تفاوت اقتصادي قد يتحول إلى أحد أشكال عدم المساواة في الاستفادة من فرص التعافي وإعادة الإعمار.
أما في ما يتعلق بالعدالة الانتقالية، فتشير نتائج الدراسة إلى أن معظم المشاركين يتبنون فهمًا واسعًا لهذا المفهوم، يتجاوز المحاسبة القضائية ليشمل جملة من التدابير الرامية إلى معالجة آثار النزاع بصورة شاملة. فقد ربط المشاركون العدالة الانتقالية بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا، وكشف مصير المفقودين، وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا، معتبرين أن هذه العناصر تشكّل الأساس الذي يمكن من خلاله إعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسَّسات الدولة.
وفي هذا الإطار، برزت المحاسبة بوصفها المطلب الأكثر حضورًا في إجابات المشاركين، حيث عُدّت شرطًا أساسيًا لإنهاء حالة الإفلات من العقاب، وتعزيز الشعور بالأمن والإنصاف. كما أكد المشاركون أن حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة مظاهر الفوضى الأمنية، يمثلان جزءًا لا يتجزأ من أي عملية عدالة انتقالية، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بحماية المدنيين واستعادة الثقة بالمؤسَّسات العامة.
وتشير هذه النتائج إلى أن الشباب النازحين من الجولان لا ينظرون إلى العدالة والعودة إلى مناطقهم التي هجّروا منها بوصفهما مسارين منفصلين، وإنما بوصفهما عمليتين متكاملتين، ترتبط كل منهما بالأخرى. فإمكانية العودة ترتبط بوجود بيئة آمنة ومستقرة، في حين يرتبط تحقيق الاستقرار بوجود عملية عدالة انتقالية قادرة على معالجة إرث الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، وإرساء أسس دولة القانون. ومن ثم، فإن بناء سلام مستدام في مناطق النازحين يتطلَّب تبني مقاربة شاملة تدمج بين إعادة الإعمار، والتنمية الاقتصادية، والإصلاح المؤسَّسي، والعدالة الانتقالية، بوصفها عناصر متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
وتكشف نتائج المقابلات عن ملاحظة لافتة، تمثَّلت بأنَّ أربعة من المشاركين لم يكونوا على دراية بمفهوم العدالة الانتقالية أو بمضمونه، على الرغم من أنَّهم من الفئات الأكثر تضررًا من انتهاكات النظام السابق، ومن بينهم أفراد من عائلات المعتقلين وتعرّضوا لانتهاكات مباشرة ومتعددة. وتشير هذه النتيجة إلى وجود فجوة بين التجربة الفعلية للضحايا والمعرفة بالمفهومات الحقوقية وآليات العدالة الانتقالية، بما يعكس محدودية وصول الخطاب الحقوقي إلى الفئات المتأثرة بصورة مباشرة بالنزاع، ويؤكد الحاجة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بمفهومات العدالة الانتقالية وأهدافها، بوصفها أحد الشروط الأساسية لتمكين الضحايا من المطالبة بحقوقهم والمشاركة في مسارات العدالة والمساءلة.
الثقة بالمؤسَّسات وآفاق المشاركة المستقبلية: أثر التهميش في علاقة الشباب الجولاني بالدولة
تكشف نتائج المقابلات وجود فجوة واضحة في مستوى الثقة بين الشباب النازحين من الجولان والمؤسَّسات الرسمية، وهي فجوة لا ترتبط فقط بضعف الخدمات أو محدودية الاستجابة لحاجاتهم، وإنما تعكس تراكمًا طويلًا من الشعور بالتّهميش والإقصاء عن دوائر صنع القرار. وتشير إفادات المشاركين إلى أن قضية النازحين من أبناء الجولان لا تزال تُدار ضمن أولويات سياسية متغيرة، من دون أن تحظى بمعالجة مؤسَّسية مستدامة تعكس خصوصية هذه الفئة وامتداد معاناتها التاريخية.
وتبيِّن نتائج الدراسة أنَّ هذا الشعور لا ينبع من غياب الحلول فقط، بل من غياب التواصل المؤسَّسي المنتظم مع الشباب، إذ يرى المشاركون أن المؤسَّسات لا توفر قنوات كافية للاستماع إلى آرائهم أو إشراكهم في صياغة السياسات المتعلقة بقضاياهم. ويؤدّي هذا الغياب إلى إضعاف الإحساس بالشراكة، ويعزز الاعتقاد بأن الشباب لا يزالون خارج دائرة التأثير في القرارات التي تمسُّ حاضرهم ومستقبلهم.
وفي المقابل، تعكس المقابلات وعيًا واضحًا لدى المشاركين بأهمية المشاركة في إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة. فقد عدَّ عدد كبير منهم أن تعزيز الثقة بالمؤسَّسات لا يتحقق من خلال الخطاب السياسي أو الوعود، وإنما عبر إشراك الشباب بصورة فعلية في عمليات صنع القرار المحلي، وتصميم البرامج التنموية، ورسم السياسات العامة. ومن هذا المنطلق، لا تُعد المشاركة بالنسبة إليهم مطلبًا سياسيًا فحسب، بل آلية لإعادة بناء الثقة وتعزيز الانتماء وترسيخ مفهوم المواطنة.
وتشير هذه النتائج إلى أنَّ الشباب ينظرون إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع بوصفها علاقة تبادلية؛ فكلما ازدادت فرص المشاركة، تعززت الثقة بالمؤسَّسات، وارتفع الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه الشأن العام. وفي المقابل، يؤدّي استمرار الإقصاء وضعف التمثيل إلى تعميق الشعور بالاغتراب السياسي والاجتماعي، وإضعاف استعداد الشباب للانخراط في مؤسَّسات الدولة أو المساهمة في جهد التنمية وإعادة الإعمار.
وتكشف المقابلات كذلك أن المشاركين لا يطالبون فقط بتحسين مستوى الخدمات العامة، وإنما بإعادة تعريف طبيعة العلاقة بين المؤسَّسات والشباب، بحيث تقوم على مبدأ الشراكة بدلًا من العلاقة الأحادية القائمة على اتّخاذ القرار من أعلى إلى أسفل. ويرى المشاركون أن بناء هذه الشراكة يتطلَّب تطوير آليات مؤسَّسية تضمن الاستماع المنتظم للشباب، وإشراكهم في تصميم البرامج والسياسات، وإتاحة مساحات حقيقية للحوار والمساءلة، بما يساهم في تحويلهم من متلقِّين للسياسات إلى شركاء في إنتاجها.
وتوضح نتائج الدراسة أن استمرار ضعف الثقة بالمؤسَّسات ينعكس بصورة مباشرة على تصورات الشباب لمستقبلهم. فقد أشار المشاركون إلى أن غياب المشاركة والتمثيل لا يقتصر أثره على المجال السياسي، وإنما يمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث يؤدّي إلى تراجع الشعور بالفاعلية، وانخفاض الاهتمام بالشأن العام، واتساع الإحساس بالاغتراب داخل المجتمع. ويظهر من خلال المقابلات أن الإقصاء المستمر يضعف إحساس الشباب بقدرتهم على التأثير، ويولد لديهم شعورًا بعدم جدوى المشاركة في الحياة العامة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الإحباط الذي عبّر عنه المشاركون لا يمثل حالة نفسية فردية، وإنما ينعكس كنتيجة لتجارب متراكمة من ضعف التمثيل وغياب فرص المشاركة. ويخشى المشاركون أن يؤدّي استمرار هذا الواقع إلى تراجع مستويات الانخراط المدني والسياسي، بما ينعكس سلبًا على جهد إعادة بناء المجتمع وتعزيز الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.
كما أظهرت المقابلات أن الشباب يربطون نجاح مشاريع إعادة الإعمار بإعادة بناء الثقة الاجتماعية والمؤسَّسية بالتوازي مع إعادة بناء البنية التحتية. فالإعمار، وفق تصورهم، لا يقتصر على ترميم المنازل أو إعادة تأهيل الخدمات، وإنما يشمل أيضًا استعادة العلاقة بين المواطنين والدولة، وتعزيز الإحساس بالعدالة والقدرة على المشاركة في رسم مستقبل المجتمعات المحلية. ومن دون معالجة هذا البعد، يرى المشاركون أن أي عملية إعادة إعمار ستبقى محدودة الأثر وغير قادرة على تحقيق استقرار مستدام.
وفي ما يتعلق بتصوراتهم للمستقبل، تعكس المقابلات حالة من القلق إزاء استمرار الظروف الحالية، إذ يخشى المشاركون أن يؤدّي استمرار التّهميش وضعف الفرص إلى مزيد من الانسحاب من الحياة العامة، وتراجع مستويات المشاركة والوعي، واتساع مشاعر الإحباط لدى الأجيال الشابة. ومع ذلك، لا تُطرح هذه المخاوف بوصفها مسارًا حتميًا، بل بوصفها نتيجة يمكن تجنبها من خلال اعتماد سياسات أكثر شمولًا، تضمن مشاركة الشباب في صنع القرار، وتعزز حضورهم في المؤسَّسات العامة، وتعيد بناء الثقة بينهم وبين الدولة.
وتخلص نتائج الدراسة إلى أنَّ الثقة بالمؤسَّسات تمثِّل أحد المحدِّدات الأساسية لمستقبل مشاركة الشباب النازحين من الجولان. فكلما تمكّنت المؤسَّسات من الانتقال إلى نموذج أكثر تشاركية واستجابة، ازداد استعداد الشباب للانخراط في الحياة العامة والمساهمة في إعادة الإعمار وبناء الاستقرار. أما استمرار التّهميش والإقصاء، فمن شأنه أن يعمِّق فجوة الثقة، ويحدّ من قدرة المجتمع على الاستفادة من الطاقات الشبابية في مرحلة تُعد من أكثر المراحل حاجةً إلى المشاركة المجتمعية الفاعلة.
ملف الجولان في المرحلة الانتقالية: تعقيدات المشهد السياسي وهواجس النازحين
يمثل الجولان السوري المحتل إحدى أكثر القضايا تعقيدًا واستمرارًا في الصراع السوري–الإسرائيلي، نظرًا إلى تداخل أبعادها القانونية والسياسية والأمنية والإنسانية. فمن الناحية القانونية، يؤكد القانون الدولي، استنادًا إلى قرارات الأمم المتحدة، ولا سيَّما قرار مجلس الأمن رقم (497) لعام 1981، عدم شرعية ضم إسرائيل للجولان وعدّه أرضًا سورية محتلّة، وهو ما يجعل أي إجراءات أحادية لتغيير وضعه القانوني غير معترف بها دوليًا. وفي المقابل، تواصل إسرائيل ترسيخ سيطرتها الفعلية على الهضبة، متذرِّعة باعتبارات أمنية واستراتيجية، الأمر الذي ساهم في تكريس حالة من الجمود السياسي، وتعثُّر مسارات التسوية المتعلقة بالقضية على مدى عقود.
وفي ظلِّ التحولات السياسية التي تشهدها سورية خلال المرحلة الانتقالية، لا تزال المقاربة الرسمية لملف الجولان في طور التشكل، في وقت تواجه فيه الدولة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة. وعلى الرغم من استمرار التأكيد على السيادة السورية على الجولان، فإن طبيعة السياسات المستقبلية وآليات التعامل مع هذا الملف لا تزال غير واضحة، الأمر الذي يفتح المجال أمام تساؤلات واسعة لدى أبناء الجولان النازحين بشأن مستقبل قضيتهم وموقعها ضمن أولويات الدولة في المرحلة المقبلة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن قضية الجولان لم تعد تقتصر على بعدها القانوني المرتبط بالاحتلال، بل أصبحت ترتبط أيضًا بتحديات المرحلة الانتقالية، وبقدرة الدولة السورية على الموازنة بين أولويات إعادة بناء الداخل وإدارة الملفات السيادية ذات البعد الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، تتقاطع الاعتبارات السياسية مع البعد الإنساني للقضية، الذي يتمثَّل باستمرار معاناة النازحين وتمسّكهم بحقهم في استعادة أرضهم، وهو ما يجعل مستقبل الجولان مرتبطًا بمسارات التسوية السياسية وإعادة بناء الدولة في آنٍ واحد.
الوعي السياسي وهواجس النازحين تجاه مستقبل الجولان
تكشف نتائج المقابلات عن مستوى مرتفع من الوعي السياسي لدى الشباب النازحين تجاه تعقيدات ملف الجولان وتشابكاته الإقليمية والدولية. فقد أظهر المشاركون إدراكًا لطبيعة موازين القوى التي تحكم هذا الملف، وللتأثير الذي قد تفرضه التحولات الإقليمية والدولية على مستقبله. إلَّا أنَّ هذا الإدراك لم يقترن بالشعور بالاطمئنان، بل صاحبه قدر كبير من القلق تجاه انعكاسات المرحلة الانتقالية على حقوقهم ومستقبل قضيتهم.
ويتمثَّل الهاجس الأول الذي أظهرته المقابلات بالتخوُّف من تحول قضية الجولان إلى ورقة تفاوض ضمن ترتيبات سياسية أو إقليمية أوسع. فقد عبّر عدد من المشاركين عن خشيتهم من أن تؤدّي أي تسويات مستقبلية إلى تقديم تنازلات تتعلق بالجولان مقابل مكاسب سياسية أو اقتصادية في ملفات أخرى، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على حقهم في العودة وعلى مستقبل قضيتهم الوطنية.
كما أظهرت المقابلات تخوّفًا من أن تؤدّي هشاشة المرحلة الانتقالية إلى زيادة الضغوط الخارجية على الدولة السورية، بما قد يحدُّ من قدرتها على التمسّك بمواقفها تجاه الجولان. ويرى المشاركون أن التحديات الداخلية التي تواجهها الدولة قد تجعل هذا الملف أقل حضورًا ضمن الأولويات العاجلة، الأمر الذي يثير مخاوف من تراجع الاهتمام الرسمي بقضية النازحين وحقوقهم خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت نفسه عبّر المشاركون عن قلقهم من احتمال أن يتحول الجولان إلى بؤرة جديدة للتوترات الإقليمية، بما قد يفضي إلى إدخال سورية في صراعات عسكرية أو سياسية جديدة، وهو ما من شأنه أن يعرقل مساعي التعافي وإعادة الإعمار، ويؤجل فرص العودة والاستقرار بالنسبة إلى النازحين. وتعكس هذه المخاوف إدراكًا للعلاقة الوثيقة بين الاستقرار الإقليمي وإمكانية التوصل إلى حلول مستدامة لقضية الجولان.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن هذه المخاوف لا تعبر عن فقدان الثقة بحقوقهم القانونية، بقدر ما تعكس قلقًا من مآلات البيئة السياسية المحيطة بالقضية. فالشباب المشاركون في الدراسة يبدون تمسّكًا واضحًا بحقهم في العودة وبالهُويّة الجولانيّة، إلَّا أنَّهم يدركون في الوقت نفسه أن تحقيق هذا الحق يرتبط بتوازنات سياسية وإقليمية تتجاوز إرادتهم المباشرة، الأمر الذي يفسر حالة الترقب والحذر التي برزت في معظم المقابلات.
وتخلص هذه النتائج إلى أن ملف الجولان، من منظور الشباب النازحين، لا يُنظر إليه بوصفه قضية سيادية أو قانونية فحسب، وإنما بوصفه قضية ترتبط مباشرة بمستقبلهم السياسي والاجتماعي وحقوقهم التاريخية. ومن ثم، فإن أي مقاربة مستقبلية لهذا الملف تقتضي مراعاة البعد الإنساني إلى جانب الأبعاد السياسية والقانونية، وضمان إشراك أبناء الجولان في النقاشات والسياسات المتعلقة بمستقبل قضيتهم، بما يعزز الثقة في المرحلة الانتقالية ويحافظ على حضور حقوق النازحين ضمن أولويات عملية بناء الدولة السورية.
التوصيات
تعزيز مشاركة الشباب في صنع القرار: تطوير آليات مؤسَّسية تضمن المشاركة الفعلية للشباب النازحين من أبناء الجولان في عمليات صنع القرار على المستويين المحلي والوطني، من خلال إشراكهم في المجالس المحلية والهيئات الاستشارية والبرامج المتعلقة بإعادة الإعمار والتنمية، بما يعزز شعورهم بالمواطنة ويحولهم إلى شركاء في صياغة السياسات العامة.
إدماج قضية أبناء الجولان في برامج العدالة الانتقالية: تضمين قضايا النازحين من أبناء الجولان ضمن مسارات العدالة الانتقالية، بما يشمل جبر الضرر، واستعادة الحقوق، وحماية الملكيات، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بوصف ذلك شرطًا أساسيًا لتعزيز العدالة واستعادة الثقة بالمؤسَّسات.
إطلاق برامج تنموية تستجيب لحاجات التجمعات الجولانيّة: الاستثمار في خلق فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة والمبادرات الشبابية، وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية في مناطق تجمع النازحين، بما يساهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتهيئة الظروف المناسبة للمشاركة المجتمعية.
تعزيز الوعي الوطني والحفاظ على الذاكرة التاريخية للجولان: إدراج تاريخ الجولان وقضية نزوح أبنائه ضمن المناهج التعليمية والبرامج الثقافية والإعلامية، بما يساهم في صون الذاكرة الوطنية، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بهويتها الوطنية وحقوقها التاريخية.
بناء الثقة بين الشباب والمؤسَّسات العامة: تطوير قنوات مؤسَّسية للحوار والتشاور مع الشباب النازحين، تقوم على الاستماع لحاجاتهم وإشراكهم في تصميم السياسات والبرامج التي تمسُّ حياتهم، بما يعزز الثقة المتبادلة ويحدُّ من مشاعر التهميش والإقصاء.
الحفاظ على حضور قضية الجولان ضمن أولويات المرحلة الانتقالية: ضمان بقاء قضية الجولان وحقوق النازحين ضمن أولويات السياسات الوطنية، وعدم التعامل معها بوصفها ملفًا قابلًا للتأجيل أو المساومة في أي تسويات سياسية مستقبلية، مع إشراك أبناء الجولان في أي نقاشات أو مسارات تتعلق بمستقبل الهضبة وحقوق سكانها.
خاتمة
تكشف نتائج هذه الدراسة أن تجربة النزوح الممتدة لأبناء الجولان السوري المحتل لم تؤدِ إلى تراجع ارتباطهم بهويتهم الوطنية أو انتمائهم إلى أرضهم، بل ساهمت في إعادة تشكيل هذا الانتماء بوصفه عنصرًا مركزيًا في الذاكرة الجمعية والوعي السياسي لدى الأجيال الشابة. فقد أظهرت المقابلات أنَّ الهُويّة الجولانيّة لا تزال تمثِّل إطارًا جامعًا للمشاركين، على الرغم من تعاقب أجيال لم تعش في الجولان، وعلى الرغم ممّا تعرّضوا له من نزوح داخلي ولجوء خارجي خلال سنوات النزاع السوري.
وفي المقابل، تكشف الدراسة عن وجود فجوة واضحة بين قوة الانتماء ومستوى المشاركة الفعلية في الحياة العامة، إذ يشعر الشباب بأنهم لا يزالون محدودي التأثير في القرارات المتعلقة بقضاياهم ومستقبل مجتمعاتهم. ويعود ذلك إلى تراكمات تاريخية من التّهميش وضعف التمثيل، إلى جانب محدودية القنوات المؤسَّسية التي تتيح مشاركتهم في رسم السياسات أو المساهمة في جهد التنمية وإعادة الإعمار. وقد انعكس هذا الواقع على مستوى الثقة بالمؤسَّسات التي ارتبطت في نظر المشاركين بمدى قدرتها على إشراكهم والاستجابة لأولوياتهم، وليس فقط بتقديم الخدمات أو إدارة الشأن العام.
كما توضح نتائج الدراسة أن مفهوم العدالة لدى الشباب النازحين يتجاوز البعد القضائي التقليدي، ليشمل منظومة متكاملة تقوم على المحاسبة، وجبر الضرر، واستعادة الحقوق، وضمان الأمن، وتهيئة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل العودة والاستقرار ممكنين. ومن هذا المنطلق، ترتبط العدالة الانتقالية في تصوّر المشاركين بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، بوصفها شرطًا لتحقيق السلام المستدام وتعزيز الثقة بالمؤسَّسات.
وتبرز الدراسة أيضًا أنَّ قضية الجولان لا تزال تمثِّل قضية هُويّة وحقوق بالنسبة إلى الشباب النازحين، إلَّا أنَّهم يدركون في الوقت ذاته تعقيدات السياق السياسي والإقليمي الذي يحكم مستقبلها. وقد أظهرت المقابلات حالة من القلق تجاه احتمالية تراجع حضور القضية ضمن أولويات المرحلة الانتقالية أو تأثرها بموازين القوى والتسويات السياسية، الأمر الذي يعزز أهمية الحفاظ على حقوق أبناء الجولان وإشراكهم في أي نقاشات أو سياسات تتعلق بمستقبل منطقتهم.
وتخلص الدراسة إلى أن بناء علاقة أكثر توازنًا بين الدولة والشباب النازحين من أبناء الجولان يتطلَّب اعتماد سياسات تقوم على المشاركة والتمكين والعدالة، وليس على الاستجابة الإنسانية وحدها. فإعادة الإعمار لا تقتصر على ترميم البنية التحتية، بل تشمل أيضًا إعادة بناء الثقة، وتعزيز المشاركة السياسية، وتمكين الشباب من المساهمة في صياغة مستقبل مجتمعاتهم. ومن ثم، فإن معالجة قضايا الهُويّة والتمثيل والعدالة تشكل عناصر مترابطة لا غنى عنها لتحقيق الاستقرار المستدام، وضمان اندماج الشباب النازحين بوصفهم شركاء فاعلين في بناء سورية خلال المرحلة الانتقالية، مع الحفاظ على حقّهم التاريخي في الجولان بوصفه جزءًا أصيلًا من السيادة السورية وركنًا أساسيًا من هُويّتهم الوطنية.
