في جنوب العاصمة دمشق - الحجر الأسود
تحميل المقال (PDF)تتعالى أصوات الناس في بعض أزقة الحجر الأسود المدمرة، جنوب العاصمة دمشق، في مشهد متناقض يحمل بين طياته ملامح عودة للحياة وسط دمار واسع خلّفته حرب النظام المنهار على الشعب السوري. وتعيد ضحكات الأطفال وهم يلعبون في الحارات الضيقة، الحركة اليومية البسيطة، تعيد شيئًا من نبض المدينة، على الرغم من أنَّ هذا النبض يجري فوق أرض مثقلة بالخطر؛ إذ لا تزال بعض الأبنية متهالكة وآيلة للسقوط، في حين تحولت مساحات وأركان من الأحياء إلى مكبات للنفايات في ظلِّ غياب خدمات أساسية منتظمة.
قرب العاصمة دمشق
وتُعدّ منطقة الحجر الأسود مدينة ومركز ناحية إدارية في محافظة ريف دمشق، وتقع في الضاحية الجنوبية للعاصمة دمشق على بُعد نحو 7 كيلومترات من مركزها. وتمتد المنطقة من جنوب مخيم اليرموك حتى مشارف بلدة سبينة، وتجاورها مناطق القدم والعسالي ويلدا وحجيرة، ما جعلها جزءًا من نسيج عمراني مكتظ ومتشابك مع محيطها الجغرافي والاجتماعي في جنوب دمشق.
نشأت الصورة العمرانية الحديثة للحجر الأسود في أواخر ستينيات القرن الماضي، لتشهد بعد ذلك توسعًا سكانيًا وعمرانيًا كبيرًا خلال السبعينيات والثمانينيات، حين تحولت إلى واحدة من أكثر المناطق كثافة بالسكان في جنوب دمشق. وقد تميزت منذ تلك الفترة بتركيبتها الاجتماعية المتنوّعة، حيث استقبلت أعدادًا كبيرة من أبناء الجولان السوري المحتل بعد عام 1967، إضافة إلى موجات من السكان القادمين من المحافظات السورية المختلفة، الأمر الذي جعلها فضاءً اجتماعيًا متنوّعا ومركبًا، يلتقي فيه الريف بالمدينة، كما التقت فيه الهجرة الداخلية مع النزوح القسري الناتج من احتلال الجولان، وما رافقه من استقرار اضطراري للنازحين في الحجر الأسود، الأمر الذي ساهم في نشوء بيئة حضرية مكتظة ومتعددة الخلفيات الاجتماعية. وبسبب الوجود الكبير لأبناء الجولان فيها، ارتبطت الحجر الأسود خدميًا ومؤسَّساتيًا بمحافظة القنيطرة في عدد من المجالات، مع بقائها إداريًا وبلديًا تابعة لمحافظة ريف دمشق ضمن بلدية الحجر الأسود.
ومع اندلاع الثورة السورية، تحولت مدينة الحجر الأسود إلى إحدى أبرز بؤر التوتر في جنوب دمشق، حيث شهدت سنوات طويلة من المعارك العنيفة والحصار الخانق والقصف المكثف، ما أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية والمنازل والمرافق العامة. ولاحقًا، دخلت المنطقة في مرحلة من الصراع المعقد انتهى بسيطرة قوات النظام السوري على المنطقة عام 2018، لتكون واحدة من المناطق التي هُجّر سكانها، إلى جانب المقاتلين المعارضين فيها قسرًا بموجب اتّفاقيات الإخلاء التي عرفت شعبيًا بـ"الباصات الخضراء". لتدخل المدينة بعدها مرحلة طويلة من الفراغ الخدمي والتدهور العمراني.
شهادات السكان "تهميش أم قلة موارد"!
ومع سقوط النظام السابق وعودة عدد من السكان إلى المدينة، برزت تساؤلات جديدة حول مستقبل الحجر الأسود، ولا سيَّما في ظلِّ عدم الشروع حتى الآن في عملية إعادة إعمار فعلية للمنطقة، واستمرار الدمار الواسع في أجزاء كبيرة منها. وفي هذا السياق، عادت إلى الواجهة نقاشات حول ما إذا كانت الأوضاع التي تعيشها المدينة اليوم تعكس فقط حجم الخراب الذي خلفته الحرب، أم أنها ترتبط أيضًا بإرث من التهميش يعتقد بعض أبناء المنطقة أنهم عانوا منه خلال العقود السابقة.
وفي هذا السياق، يقول بعض الشهود من أبناء الجولان السوري المحتل الذين التقينا بهم إنهم عاشوا، خلال العقود السابقة، حالة من التهميش والإقصاء، ويعتقدون أنهم لم يحظوا بالفرص نفسها في التعبير عن هويتهم الثقافية والاجتماعية أو في تنظيم نشاطهم المجتمعي المرتبط بذاكرتهم الجماعية ومنطقتهم الأصلية، ما ساهم، بحسب رأيهم، في ترسيخ شعور بالمظلومية لدى جزء من أبناء هذه الشريحة. ويخشى بعضهم اليوم أن يستمر هذا الشعور أو يتجدد بأشكال مختلفة في المرحلة الحالية إذا لم تحظَ المنطقة باهتمام خدمي وتنموي عادل ومتوازن.
ويعبّر عدد من السكان العائدين عن واقع خدمي صعب لا يزال يعوق عودة الحياة الطبيعية. ومن ذلك ما قاله الأستاذ إبراهيم، وهو معلم رياضيات من أبناء المنطقة، كان قد نزح خلال سنوات الحرب إلى شمال سورية قبل أن يعود مؤخرًا بعد سقوط نظام الأسد إن "الوضع على الأرض لا يزال بعيدًا من الاستقرار، على الرغم من مرور أكثر من عام، فالبنية التحتية لا تزال مدمرة إلى حد كبير، أكان ذلك من حيث الطرقات أم شبكات الصرف الصحي أم الخدمات الأساسية"، ورأى أن أي عودة مستدامة للسكان تحتاج أولًا إلى معالجة هذه الأسس قبل أي حديث عن استقرار فعلي.
كما أشار لنا أحد أبناء المنطقة الذي فضّل عدم ذكر اسمه إلى أن "مستوى الخدمات المقدمة لا يزال ضعيفًا" واصفًا ما يحدث بأنه "نوع من التهميش غير المباشر، خصوصًا في ما يتعلق بملفات الكهرباء وشبكات الاتصالات والخدمات اليومية الأساسية"، وأن "حجم المشاريع المنفذة حتى الآن لا يتناسب مع حجم الدمار الكبير الذي تعرّضت له المنطقة"، إضافة إلى أن "التحسن المحدود الذي يظهر في بعض الأحياء لا يعود بالضرورة إلى تدخلات مؤسَّساتية واسعة، بل إلى مبادرات وجهد فردي من الأهالي أنفسهم، الذين يحاولون قدر الإمكان ترميم ما يمكن ترميمه ضمن إمكانياتهم المحدودة".
بينما أخبرتنا السيدة حسناء، وهي من سكان المنطقة أن "الواقع الخدمي في الحجر الأسود لا يزال صعبًا جدًّا، حيث تنتشر النفايات في عدد كبير من الأحياء، في ظلِّ غياب نظام فعال للترحيل والتنظيف المنتظم، والشوارع لا تزال تحتوي على فتحات صرف صحي مكشوفة، تشكل خطرًا مباشرًا على الأطفال والمارة، إلى جانب انتشار الكلاب الشاردة وبعضها مسعور، ما يزيد من حالة القلق اليومي لدى السكان". وأشارت إلى أن "الأهالي يرفعون شكاوى على نحو متكرر إلى البلدية، كما يجري تداول هذه القضايا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلَّا أنَّ الاستجابة لا تزال محدودة وبطيئة، ولا ترقى إلى حجم الاحتياج الفعلي في المنطقة".
كما تحدث السيد علاء محمد، وهو من سكان الحجر الأسود العائدين، عن مشكلة الكهرباء والتي تشكل تحدٍ أساسي يتمثَّل بالانقطاعات الطويلة والمتكررة للتيار الكهربائي، والتي قد تمتد في بعض المناطق لأيام متواصلة، نتيجة محدودية مراكز التحويل العاملة وعدم قدرتها على تغطية كامل الاحتياج الناتج من الكثافة السكانية وعودة السكان التدريجية.
وبحسب زيارتنا للمدينة وجدنا أن شبكة الكهرباء داخل المدينة تعاني من ضعف واضح في البنية الفنية والتنظيمية؛ حيث تغيب التجهيزات الأساسية، مثل علب التوزيع ولوحات التمديد داخل الأبنية، ما يؤدّي إلى غياب تنظيم آمن للاشتراكات الكهربائية. كما تنتشر الأسلاك بصورة عشوائية فوق الطرقات وعلى واجهات الأبنية المتضررة، وهو ما يعكس خللًا في إدارة الشبكة، ويشكل في الوقت نفسه مخاطر مباشرة على السلامة العامة، نتيجة احتمالات التماس الكهربائي أو حوادث الصعق، خصوصًا في المناطق ذات الدمار العالي.
كما أشار السيد علاء إلى أن "السكان وبعض الجهات المحلية لجؤوا إلى حلول موقتة لسد الحاجة، إلَّا أنَّ هذه الحلول ساهمت في تعقيد المشكلة بدلًا من معالجتها، حيث يجري الاعتماد في بعض الحالات على سحب مباشر للتيار من غرف التحويل من دون وجود أنظمة حماية أو قواطع فرعية، ما يسبب ضغطًا إضافيًا على المحولات ويؤدّي إلى أعطال متكررة. كما تُمدَّد الكابلات على نحو سطحي أو أرضي من دون عزل أو حماية كافية، ما يجعلها عرضة للتلف بسبب العوامل الجوية أو أعمال إزالة الأنقاض والحركة المستمرة في الأحياء".
خطة المحافظة.. خدمات أساسية
في لقاء خاص لنا مع السيد معاون محافظ دمشق عبد الله الخطيب، جرى تسليط الضوء على الواقع الخدمي والعمراني في منطقة الحجر الأسود، وعلى الجهد المبذول لإعادة تأهيل البنية التحتية وتهيئة الظروف لعودة السكان بالتدريج إلى أحيائهم، ضمن إمكانيات الواقع الحالي وحجم الدمار الكبير الذي تعرّضت له المنطقة.
وأوضح الخطيب أن المرحلة الحالية منذ ما بعد التحرير ركزت على نحو أساسي على تهيئة الحد الأدنى من شروط العودة، من خلال العمل على فتح الطرقات وإزالة الأنقاض المتراكمة، إلى جانب تحسين واقع الخدمات الأساسية، ولا سيَّما شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب، بوصفها من أكثر القطاعات إلحاحًا في هذه المرحلة. وأشار إلى أن حجم الركام في الحجر الأسود كبير جدًا، ويشمل الشوارع الرئيسة والأحياء الفرعية وحتى الأزقة والحارات الداخلية، ما شكّل تحديًا مباشرًا أمام أي عملية تحرك أو إعادة تأهيل.
وبيّن السيد معاون المحافظ أن المحافظة نفذت خلال الفترة الماضية حملتي إزالة أنقاض، في محاولة لتخفيف الضغط عن الطرقات وفتح ممارّ تسمح بعودة الحركة تدريجًا، إلَّا أنَّ حجم الدمار المتراكم لا يزال يفوق القدرة التنفيذية الحالية، ما يستدعي استمرار العمل على مراحل طويلة الأمد وبإمكانيات تدريجية.
وفي ما يتعلق بحالة الأبنية، أشار الخطيب إلى وجود تفاوت كبير في نسب الضرر داخل المنطقة الواحدة، حيث توجد قطاعات مدمرة بالكامل وغير صالحة للسكن أو حتى الترميم، وهي مناطق قد تتطلب في المستقبل إزالة كاملة وإعادة تخطيط عمراني جديد، في حين توجد أحياء أخرى أقل تضررًا يمكن إعادة تأهيلها وترميمها، إضافة إلى بعض المناطق التي لم تتعرّض لدمار مباشر وتُعد أقرب إلى الجاهزية للسكن. هذا التفاوت، بحسب قوله، يفرض مقاربة عمرانية مختلفة لكل قطاع على حدة، بعيدًا من الحلول الموحدة.
كما أكد السيد معاون المحافظ أن محافظة دمشق رمَّمت مدرستين داخل المنطقة، في خطوة تهدف إلى دعم عودة الحياة الخدمية والتعليمية بالتدريج، بوصف المؤسَّسات التعليمية تشكل أحد أهم ركائز الاستقرار المجتمعي وعودة السكان.
وحول خطط إعادة الإعمار، أوضح السيد معاون المحافظ أن هناك مشاريع قيد الدراسة والتنفيذ ضمن رؤية تدريجية، وأن العمل الحالي في المنطقة يجري ضمن رؤية تخطيطية تأخذ في الحسبان الكثافة السكانية المستقبلية، وحاجات البنية التحتية، ومتطلبات الخدمات الأساسية، مؤكدًا أن الحجر الأسود يُعد من المناطق ذات الأولوية ضمن خطط المحافظة التنموية والخدمية، نظرًا إلى حجم الضرر الكبير الذي لحق به. وأن بلدية المدينة تعمل ضمن الإمكانات والميزانية المتاحة على تنفيذ مشاريع تدريجية، تُوزَّع وفق أولويات واضحة، بحيث يجري التركيز في المرحلة الأولى على الأساسيات، بينما يجري الانتقال لاحقًا إلى مشاريع التطوير والتحسين.
كما وضح السيد معاون المحافظ أن خطة عام 2026 تتضمّن التركيز على قطاع الخدمات الأساسية، بوصفه المدخل الحقيقي لعودة الحياة الطبيعية إلى المنطقة. وتشمل هذه الخطة معالجة مشكلة تراكم القمامة، وتحسين شبكات الصرف الصحي، وتأمين مياه الشرب بصورة مستقرة، إضافة إلى ترميم الشوارع وإعادة تأهيلها من خلال التزفيت وتحسين البنية الطرقية، بما يساهم في تسهيل حركة السكان والخدمات داخل الأحياء. أما خطة عام 2027، فستأتي في مرحلة لاحقة بعد تحقيق حد مقبول من الاستقرار الخدمي، حيث سيجري الانتقال إلى مشاريع أكثر تطورًا تتعلق بتحسين المشهد العمراني والجمالي للمنطقة، وتشمل تجميل الحدائق العامة، وتطوير مداخل المدينة، وتحسين المساحات العامة، بما يساهم في إعادة بناء هُويّة عمرانية أكثر تنظيمًا واستدامة.
وختم السيد معاون المحافظ اللقاء بالتأكيد على أن إعادة إعمار الحجر الأسود ليست عملية آنية، بل مسار طويل يحتاج إلى تدرُّج في التنفيذ وتكامل في الجهد بين المؤسَّسات الرسمية والجهات الداعمة والمجتمع المحلي، لضمان عودة آمنة ومستدامة للسكان، وإعادة بناء بيئة حضرية قابلة للحياة من جديد.
تقويم الواقع الخدمي ونقاش حول مفهوم "التهميش"
وبعد اللقاء مع السيد معاون المحافظ، اتجهنا إلى بلدية الحجر الأسود حيث التقينا برئيسها السيد أبو بكر بركات الذي أوضح لنا أن هناك تدخلات خدمية من المحافظة والبلدية خلال الفترة الماضية، شملت إرسال آليات لتنفيذ أعمال مختلفة لفترات متقطعة، إضافة إلى تغطية مصاريف التشغيل من محروقات وصيانة عبر الجهات الرسمية. وأكد أن المنطقة تشهد حاليًا تنفيذ عدد من المشاريع الخدمية، من بينها تأهيل آبار مياه، ومشاريع تمديد شبكة مياه، إضافة إلى مشروع صرف صحي جرى الانتهاء من مرحلة طرح العروض الخاصة به، ومن المتوقع البدء بتنفيذه قريبًا. وأشار السيد بركات إلى أن ما يواجه العمل الخدمي في المنطقة لا يرتبط بغياب الاهتمام، بل بضعف الإمكانات المتاحة، الأمر الذي يؤدّي إلى بطء في تنفيذ المشاريع وتأخر إنجازها.
البنية التحتية وتحديات عودة الأهالي
تشير التقديرات الميدانية إلى أن نسبة الدمار في البنية التحتية لمدينة الحجر الأسود بحدود 70 في المئة، مع تفاوت واضح بين الأحياء السكنية[1]. ويُقدَّر أنَّ بعض الأحياء تعرّضت لدمار شبه كامل بنسبة تتجاوز 90 في المئة، بينما تتجاوز نسبة الضرر في الأحياء الأخرى 50 في المئة، ما يجعل عملية إعادة التأهيل معقدة وطويلة الأمد. ولا يقتصر حجم الدمار على الأبنية السكنية فقط، بل يشمل الطرقات وشبكات الخدمات والبنية التحتية الأساسية، الأمر الذي يضاعف من تحديات إعادة الإعمار.
كما تشير البيانات إلى أن عدد الوحدات السكنية الصالحة للسكن في المدينة تقدّر بنسبة 15 في المئة،
هناك إحصاء يستند إلى أطلس معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث «يونيتار» لعام 2019، لكنه يجمع الحجر الأسود ومخيم اليرموك معًا، ويسجل: 2109 (مبانٍ مدمرة كليًا)، 1785 (مبنى متضررًا بشدة)، 1615 (مبنى متضررًا جزئيًا)، أي أن مجموع المباني المتضررة: 5489 مبنى[2].
في حين لم تتجاوز نسبة عودة السكان بعد أكثر من عام ونصف على بدء الاستقرار النسبي نحو 2 في المئة إلى 3 في المئة فقط[3]. وعلى الرغم من إزالة القيود السابقة التي كانت تعوق الدخول إلى المنطقة، وتسهيل إجراءات الترميم، إلَّا أنَّ وتيرة العودة لا تزال محدودة. وتتوافر حاليًا خدمات أساسية بصورة جزئية، تشمل تحسنًا نسبيًا في الطرقات، وتوفير المياه على نحو مقبول، إضافة إلى حد أدنى من التغذية الكهربائية، إلَّا أنَّ هذه الخدمات لا تزال غير كافية لعودة واسعة ومستدامة للسكان.
تُعدّ مشكلة الركام من أبرز التحديات التي تعوق عودة السكان واستقرارهم في المنطقة، حيث تُغلق كميات كبيرة من الأنقاض الشوارع الرئيسة والفرعية، ما يحد من الحركة ويعرقل الوصول إلى الأحياء. وتقدّر كميات الركام الموجودة في المدينة بأكثر من 1.5 مليون متر مكعب في المرحلة الحالية[4]، وهو ما يشمل الشوارع والمناطق السكنية، إلى جانب وجود أبنية متصدعة تحتاج إلى إزالة أو معالجة هندسية قبل إعادة استخدامها. ويؤكد الواقع الميداني أن إزالة الركام تمثِّل الشرط الأساسي لإعادة فتح الطرقات وتهيئة البيئة العمرانية الملائمة للعودة.
وفقًا للمعطيات الرسمية، تعاني البلدية من ضعف في الموارد المالية والإمكانات التشغيلية، في ظلِّ غياب ميزانيات مستقرة خلال المرحلة الحالية، ما ينعكس على قدرة المؤسَّسات المحلية في تنفيذ مشاريع واسعة النطاق. وعلى الرغم من ذلك، خلال الفترة الماضية دُعمت المدينة بعدد من الآليات المقبلة من محافظة ريف دمشق، شملت نحو 25 آلية متنوّعة بين تركسات وبواكر وشاحنات، عملت لفترات متفاوتة في المدينة، مع تغطية تكاليف التشغيل والصيانة، كما أُمّنت آليات إضافية خلال زيارات رسمية من جهات إدارية أخرى، في إطار دعم أعمال الخدمات الأساسية، وفق ما قاله رئيس البلدية.
وهكذا، بين مشهد أصوات الأطفال في الأزقّة، وواقع البنية المتهالكة، والتحديات الخدمية الممتدة، تبدو الحجر الأسود اليوم منطقةً تقف في منتصف الطريق بين ذاكرة مدينة كانت نابضة بالحياة، وحاضر مثقل بالدمار والأسئلة المفتوحة حول العدالة في إعادة الإعمار، ومصير عودة الحياة على نحو متوازن إلى واحدة من أكثر مناطق جنوب دمشق كثافةً وتعقيدًا.
الهوامش
- المصدر المنشور الأوضح هو تصريح رئيس بلدية الحجر الأسود، براء محمد بركات، في نيسان/ أبريل 2025، وقد قدّر نسبة الدمار في المدينة بنحو 70%. كما أشار إلى تضرر البنية التحتية وغياب الآليات والميزانية الكافية. يُنظر: زينب ضوا، الحجر الأسود.. جرّار وبئر ماء لآلاف العائدين، عنب بلدي، 20 نيسان/ أبريل 2025، على الرابط: في نيسان/ أبريل 2025.
^ - المرجع السابق نفسه. ^
- المرجع السابق نفسه. ذكر رئيس البلدية في المصدر نفسه أن نحو 4000 عائلة، أي قرابة 24 ألف نسمة، عادت بعد سقوط النظام السابق. وقبل ذلك، لم يتجاوز عدد الحاصلين على الموافقة الأمنية 550 عائلة، بينما عاد فعليًا نحو 350 عائلة فقط. ^
- المرجع السابق نفسه. ^
