النزوح وإعادة بناء الذات والهوية لدى النساء النازحات
تحميل المقال (PDF)"من لما توفى أبي ما عاد عندي حنين لبيت خان الشيح، لأنَّ البيت كان مربوط بس ببابا مو بشي تاني... حتى هُويّة البيت تغيرت."
(م1) مشاركة في المقابلات المعمّقة للدراسة
ملّخص الدّراسة
أفرزت الحرب في سورية منذ عام 2011 تحوّلات واسعة في حياة السوريّين والسوريّات، ومن أبرزها التّهجير القسري (النّزوح) وما رافقه من تغيّر في أنماط الحياة وفقدان الاستقرار، ولا سيّما بالنّسبة إلى النّساء اللّاتي، إضافة إلى تعرّضهن لأزمات وتعقيدات ظروف الحرب الصّعبة، وجدن أنفسهنّ أمام تغيّرات عميقة طالت علاقتهنّ بالمكان والأدوار الاجتماعية وإدراكهن لذواتهنّ. تنطلق الدّراسة من فرضية أنّ تجربة النّزوح لا تقتصر فعليًا على فقدان المكان بوصفه حيّزًا مادّيا، لكنّها تمتدّ نحو إدراك النّازحات لذواتهنّ وهوياتهنّ الشّخصية، بما تمثِّله من اختلاف في البنى الاجتماعية والأدوار اليومية، ما يفرض على المرأة عملية مزدوجة من إعادة البناء، تشمل إعادة بناء حياتها اليومية والتّفاوض على هويتها ضمن البيئة الجديدة، وإعادة تعريف ذاتها بعد تجربة النّزوح وما أضافته من تحوّلات على هويتها الذّاتية والاجتماعية.
تنطلق الدّراسة من الإجابة عن السّؤال البحثي الأساسي، كيف تعيد المرأة النّازحة داخليًا بناء ذاتها وهويتها الاجتماعية بعد تجربة الاقتلاع المكاني؟
وتتفرّع منها الأسئلة الآتية:
كيف أثّرت تجربة النّزوح في شعور النّساء بالاستقرار والانتماء؟ ما التّغيرات التي طرأت على أدوار النّساء ونظرتهنّ إلى ذواتهنّ؟ ما الآليات التي اعتمدتها النّساء للتكيّف وإعادة بناء حياتهنّ في البيئة الجديدة؟
وتعتمد الدّراسة مقاربة نوعية استكشافية، تقوم على إجراء مقابلات معمّقة مع سبع نساء نازحات داخليًا، بهدف استكشاف إشكالية البحث واختبار صلاحية الأسئلة المنبثقة منها. وقد تشكّلت هذه الأسئلة بصورة أوّلية من خلال متابعة الباحثة لقطاع واسع من النّساء النّازحات، ومن خلال تواصلها مع عدد منهنّ، إضافة إلى مراجعة الأدبيات النّظرية، الاجتماعية والفكرية، المتعلّقة بموضوع الهُويّة، وعدد من الدّراسات المتعلّقة بالنّزوح السّوري بعد عام 2011، وبظاهرة النّزوح والتّهجير القسري بصورة عامة.
ولا تستهدف الدّراسة تقديم نتائج قابلة للتّعميم على مجمل النّساء النّازحات، بقدر ما تسعى إلى استكشاف أنماط التّجربة والمعاني التي تمنحها المشاركات لتجاربهنّ، وفتح المجال أمام تطوير أسئلة وفرضيات يمكن اختبارها لاحقًا ضمن دراسات أوسع وأكثر تمثيلًا. وتتوخّى المقابلات التّعمق في تجارب المشاركات المُعاشة، وفهم الكيفية التي يُعِدن من خلالها بناء ذواتهنّ داخل بيئات اجتماعية جديدة نسبيًا، وتفسيرهنّ للتّحولات والتّحديات التي واجهنها في سياق النّزوح وإعادة الاستقرار.
وتخلص الدّراسة إلى أنّ الهُويّة في سياق النّزوح ليست معطى ثابتًا، بل عملية ديناميكية تتشكّل عبر التّفاعل بين الذّاكرة والمكان والأدوار الاجتماعية الجديدة، حيث تتأرجح تجارب النّساء بين الاستمراريّة والتّحول، وبين فقدان الاستقرار وإعادة التكيّف مع الواقع الجديد.
مدخل
أنتجت المرحلة التي عاشها السّوريون والسوريّات منذ عام 2011 تحوّلات عميقة على مختلف المستويات الاجتماعية والنّفسية والمعيشية. فقد أدّى الدّخول في مرجل الحرب وسياق الصّراع المسلّح، وما رافقه من قتل ودمار ونزوح قسري، إلى فقدان الإحساس بالأمان والاستقرار، وإن كان بدرجات متفاوتة فرضتها طبيعة توزّع الصّراع جغرافيًا واختلاف حدّته بين منطقة وأخرى. غير أنّ آثار الحرب لم تقتصر على مناطق المواجهة المباشرة، إنّما امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية لجميع السوريّين/ات، لتطال جوانبها المختلفة من العمل والتّنقل والتّعليم والرّعاية الصّحية، نتيجة الانهيار المؤسَّساتي للدّولة. وصولًا إلى أنماط العيش وحيثياته البسيطة كالغذاء واللّباس وغيرها، خاصّة مع ما رافق الحرب من تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. كما تركت أثرها على العلاقات الاجتماعية والأدوار التي يشغلها الأفراد داخل الأسرة والمجتمع، الأمر الذي يفتح المجال للتّفكير في مسألة الهُويّة بوصفها بناءً يتأثّر في تصوّرات الأفراد لذواتهم والتّحولات الاجتماعية وعدم الاستقرار وتجارب الاقتلاع.
ويُعدّ مفهوم الهُويّة من المفهومات المركّبة التي شهدت تطورًا ملحوظًا في العلوم الإنسانية والاجتماعية، إذ انتقل من دلالته الفلسفية المرتبطة بتحديد ماهية الشّيء وتميّيزه، أو معناه العام الذي كان يستعمل للدّلالة على الموجودات وتصنيفها في الإجابة عن السّؤال "ما ذلك الشيء؟" الذي يستدعي إجابة تدلّ على ماهية الشّيء وأعراضه التي تُجمل لنا هُويته[1] إلى مفهوم متعدّد الأبعاد يرتبط بالانتماء، والتمثّلات الاجتماعية، وإدراك الفرد لذاته وعلاقته بمحيطه.
ومن النّاحية اللّغوية، ورد مصطلح الهُويّة في "المعجم العربي مشتقًا من الـ هُوَ، وهو ضمير منفصل يدلّ على الشّخص المفرد. وهُويّة الإنسان: حَقِيقَتُهُ الْمُطْلَقَةُ وَصِفَاتُهُ الْجَوْهَرِيَّةُ.
الهُويّة: إحساس الفرد بنفسه وفرديّته وحفاظه على تكامله وقيمته وسلوكيَّاته وأفكاره في مختلف المواقف. ووصف المعجم، أزمة الهُويّة: الاضطراب الذي يصيب الفرد في ما يختصّ بأدواره في الحياة، ويصيبه الشكّ في قدرته أو رغبته في الحياة طبقًا لتوقّعات الآخرين عنه، كما يصبح غير متيقّن من مستقبل شخصيته إذا لم يتيسّر له تحقيق ما يتوقَّعه الآخرون منه فيصبح في أزمة[2].
وركّز الفيلسوف الإنكليزي جون لوك (1632-1704) على موضوع الاستمراريّة، بوصف الهُويّة تتعلّق بكيفية إدراكنا للأشياء (أيًّا كانت)، أو ما الذي يشترطه الشّيء في الأبعاد المكانية/ الزّمانية ليكون هو نفسه، إذ إنّ كلّ شيء ينفرد بسيرة زمانية ومكانية لا يمكن لغيره أن يشاركه فيها[3]، وهذا ينطبق على الأشخاص بحيث يبقى الشّخص هو ذاته، طالما لديه استمراريّة الوعي والذّاكرة التي تربط خبراته الماضية بالحاضر على الرّغم ممّا يعتريهما من تغيّرات[4]. فالهُويّة الفردية بالنّسبة إليه لا تقوم على ثبات الجسد أو عدم تغيّر الظّروف المحيطة، بقدر ما تعتمد على قدرة الفرد على إدراك نفسه بوصفه الكائن ذاته عبر الزّمن.
إلَّا أنَّ المقاربات الحديثة تتجاوز تصوّر لوك الفردي للهُويّة، وتنظر إليها ضمن إطار البناء الاجتماعي الذي يتغيّر بفعل التّحولات الكبرى كالحرب والنّزوح وغيرها. وبحسب عالم النّفس الألماني إيريك إريكسون (1902-1991) فإنَّ الهُويّة الفردية تقوم على التّصور الذي يحمله الإنسان حول خصائصه، ونقاط قوته وضعفه، ومنشئه، وعلاقاته الاجتماعية، وقيمه، وأهدافه الحياتية، وتبنى على التّجربة والتّطورات الشّخصية، والتّفاعلات الاجتماعية الخارجية، ما يجعلها تتعرّض إلى الاهتزازات والتّأرجحات وتحتاج إلى الدّفاع عنها بلا انقطاع. فهي ليست شيئًا إحصائيًا يحظى به المرء ويحمله معه كملكية غير قابلة للضّياع، إنّما بناء يحدّده التّفاعل المادّي والمعنوي بين الفرد ومحيطه[5].
ويعدّ عالم النفس الفرنسي أليكس ميكشيللي (1943- ) أنّ لفظ الهُويّة يطلق على نسق المعايير التي يُعْرَف بها الفرد ويعَرَّف من خلالها، فالهُويّة ليست كيانًا يعطى دفعة واحدة وإلى الأبد. إنّها حقيقة تولد وتنمو وتتكوّن وتتغاير وتشيخ وتعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب. كما ينطوي الشّعور بالهُويّة على مجموعة من المشاعر المختلفة كالشّعور بالوحدة، والتّكامل، والانتماء، والقيمة، والاستقلال، والشّعور بالثّقة المبني على أساس إرادة الوجود[6].
وضمن هذا المعطى للهُويّة، فإنّ الحرب الطويلة التي شهدها السّوريون/ات وجرى تصنيفها من أكبر الأزمات منذ الحرب العالمية الثّانية، تركت أثارها العميقة من النّاحية الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية على هُويّة الأفراد وذواتهم. وبشكل أكبر على النّساء. فالحرب، وإن ارتبطت في صورتها التّقليدية بالدّول والأسلحة والاستراتيجيات، تُدار عمليًا في القاعدة داخل بنى يهيمن عليها الرّجال، أما النّساء فهنّ الأكثر معاناة ونضالًا (بحسب ما تبينه ميغان ماكينزي)[7] وغالبًا، ما يجري تصنيف النّساء ضمن الفئات الأكثر تعرّضًا للخطر، ويجري تصويرهنّ وتصنيفهنّ بأنهنّ "ضحايا الحرب"، وذلك لأنَّهنّ يواجهنّ أشكالًا متعدّدة من العنف والانتهاك، كالقتل، والإصابات الجسدية، والخطف، والاعتداءات الجنسية، وتفكّك الرّوابط الأسرية النّاتج عن الفقد أو الغياب القسري لأفراد العائلة، والتي تترك آثارها على هُويّاتهنّ وتعريفهنّ لذواتهنّ، فالحالات التي يعيشها الإنسان في إطار تجربته الشّخصية تترك أثارها على الذين يعيشونها.[8]
وفي سياق الحرب الطويلة التي شهدتها سورية يمثّل النّزوح الدّاخلي مأساة إنسانية متواصلة، سواء في ارتفاع نسبته، التي تُقدّر بنحو 7.2 مليون نازح/ة منذ اندلاع النّزاع في 2011 حتى نهاية 2023. [9] أو في تعدّد الأسباب التي دفعت النّاس للفرار طلبًا للنّجاة، والتي تمتدّ من الصّراع والقصف والقتل المستمرّ طيلة سنوات، إلى سياسات الحصار الطويل والتّجويع الذي فرضته قوات النّظام على العديد من المناطق وما تبعها من فرض اتّفاقات مصالحة قسرية، انتقالا إلى الملاحقات الأمنية من قبل النّظام السّابق والخوف من الاعتقال، وصولًا إلى استمرار موجات العنف متعدّد الأطراف الذي شهدته مناطق مختلفة من سورية في الفترات الماضية. إضافة إلى موجات النّزوح الجديدة التي حصلت عقب فرار رأس النّظام السّابق، نتيجة استمرار الانتهاكات الجسيمة والمجازر والقتل المتعمّد لأسباب طائفية. ما يجعل التّهجير القسري والنّزوح أحد المعطيات المركزية في المتغيرّات التي طالت هُويّة الأفراد سلبًا أو إيجابًا.
وتبرز أثار النّزوح على الهُويّة من خلال إجبار الأفراد على ترك أماكن إقامتهم المعتادة، وإجبارهم على إعادة تنظيم حياتهم ضمن بيئات جديدة. وبالنّسبة إلى النّساء تتّخذ هذه التحوّلات أبعادًا أكثر تعقيدًا، بما تفرضه عليهنّ من تحدّيات مختلفة ومركبة تمسُّ حقوقهنّ الأساسية، خاصّة في غياب آليّات الحماية لهنّ[10]. ومن ثمّ تعشن آثار الحرب الأكثر قسوة على مستوى الحياة اليومية، بدءًا من فقدان الأمان والاستقرار، مرورًا بفقدان الممتلكات وتراجع القدرة على الوصول إلى الموارد الأساسية، وصولًا إلى العيش في ظروف تغيب فيها الحاجات والخدمات الأساسية وتنعدم فيها الخصوصية، كما هي الحال في المخيّمات أو المساكن المشتركة. فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية القاسية التي تترك آثارها على أوضاعهنّ الاجتماعية والنّفسية، بما يضاعف من هشاشة أوضاعهنّ ويؤثّر في علاقتهنّ بذواتهنّ وبالمحيط.
يضاف إلى ذلك، ما أدّت إليه الحرب والنّزوح من تغيّرٍ في الأدوار الجندرية التّقليدية السّائدة، والخروج عن معايير السّلوك المحدّدة للذّكور والإناث في المجتمع، وتقسيمها لأدوار الرّعاية والإعالة داخل الأسرة. ففي ظلِّ غياب الأزواج بسبب الوفاة أو الاعتقال أو الانخراط في القتال أو الأوضاع الاقتصادية العامة، اضطرّت أعداد متزايدة من النّساء إلى الخروج عن انحصارهنّ في دورهنّ التّقليدي القائم على الرّعاية وتدبير شؤون الأسرة، وتحملهنّ مسؤوليات إضافية في الإعالة والانخراط في سوق العمل بدرجات أكبر ممّا كان سائدًا قبل عام 2011، وتعزيز دورهنّ كمدرّات للدّخل. وبحسب التّقديرات تضاعفت مشاركة الإناث في سوق العمل من 13 في المئة في عام 2010 إلى 26 في المئة في عام 2021[11]. وقد رافق ذلك اكتساب أدوار جديدة ومهارات مختلفة، ساهمت لدى بعض النّساء في تعزيز الاعتماد على الذّات وتوسيع مجالات الفعل الاجتماعي. ما يجعل تجربتهنّ في سياق الحرب والنّزوح تجربة مركّبة تتداخل فيها أبعاد العنف المادّي مع التّحولات العميقة في الحياة اليومية والهُويّة الاجتماعية، بوصفها بناءً اجتماعيًا متغيرًا يتأثّر بالعلاقات الاجتماعية والانتماء والاعتراف الاجتماعي[12]. من دون أن يلغي حفاظ بعض النّساء على شعورهنّ باستمراريّة ذواتهنّ على الرغم من ما يطرأ على حياتهنّ من تحوّلات جذرية في المكان والأدوار الاجتماعية وظروف العيش.
وعمومًا، لا يمكن النّظر إلى تجارب النّساء النّازحات بوصفها تجربة واحدة أو متجانسة، إذ تتباين تبعًا لاختلاف العمر والخلفية الاجتماعية والمنطقة الأصلية وظروف النّزوح ومكان الإقامة الجديد، أكان في المدن أم المخيّمات. كما تتأثّر هذه التّجارب بالتّصورات الثّقافية السّائدة حول أدوار النّساء وما هو متوقّع منهنّ داخل الأسرة والمجتمع، حيث تحدّد هذه التّصورات بوضوح ما هو متوقع من المرأة بدرجة أكبر مما هو متوقّع من الرّجل، وغالبًا، ما يتوقع أن تكون المرأة عاطفية، وأقل نزعة على تأكيد الذّات[13] الأمر الذي يصبُّ بطريقة أو بأخرى في التمثّلات النّمطية والقوالب الجاهزة التي غالبًا ما تختزل النّساء النّازحات في صورة "الضّحية". ومن ثمّ تغيب الفاعلية الاجتماعية للنّساء واستراتيجياتهن في التكّيف وإعادة بناء حياتهن، في ظلِّ تجربة النّزوح، وتضعف فكرة أنّ العلاقة بين النّزوح والهُويّة علاقة معقدة تتداخل فيها عوامل الفقد والتكيّف وإعادة بناء وتأكيد الذّات.
وفي هذا السّياق، لا يمكن النّظر إلى النّزوح بوصفه مجرد انتقال مكاني، إنّما بوصفه تجربة تمسُّ علاقة النّساء بذواتهنّ وبمواقعهنّ الاجتماعية. فإلى جانب ما يفرضه من فقدان للاستقرار المكاني، قد يؤدّي إلى إعادة تشكيل الأدوار والعلاقات والانتماءات، بدرجات متفاوتة تبعًا للأحوال الفردية والاجتماعية لكلّ امرأة. وعليه، تسعى هذه الدّراسة الاستطلاعية إلى استكشاف تجارب سبع نساء نازحات داخليًا في سورية، وفهم الكيفية التي انعكست بها تجربة النّزوح على إدراكهنّ لذواتهنّ وأدوارهنّ الاجتماعية، وعلى شعورهنّ بالانتماء والاستقرار داخل البيئات الجديدة.
وتسعى الدّراسة للإجابة عن السّؤال الرّئيس الآتي: كيف تعيد المرأة النّازحة داخليًا بناء ذاتها وهُويتها الاجتماعية بعد تجربة الاقتلاع المكاني؟
منهجية وأدوات الدّراسة
تعتمد هذه الدّراسة على مقاربة نوعية، بوصفها الأنسب لفهم التّجارب الإنسانية العميقة والمعاني التي تمنحها النّساء لخبراتهم المعيشية، خاصّة في سياق معقّد مثل النّزوح الدّاخلي. وتجمع الدّراسة بين التّحليل النّظري الذي يهدف إلى ضبط مفهومي النّزوح والهُويّة الاجتماعية، بالاستناد إلى مراجعة الأدبيات النّظرية والاجتماعية والفكرية المتعلّقة بموضوع الهُويّة، إضافة الى دراسات وتقارير تتعلق بالنّزوح السّوري بعد عام 2011، وبظاهرة النّزوح والتّهجير القسري بصورة عامة. وبين العمل الميداني الاستكشافي، القائم على مقاربة تشاركية، مع سبع مشاركات نازحات داخليًا في سورية، بهدف فهم تحوّلات الهُويّة والانتماء والأدوار الاجتماعية من خلال خطابهنّ الشّخصي.
وجرى اختيار المقابلات المعمّقة كأداة رئيسة لجمع البيانات، لما تقدّمه من إمكانية الكشف عن التّجارب الفردية بعمق، وفهم المعاني الذّاتية التي تمنحها المشاركات لتجربة النّزوح. وأجريت هذه المقابلات عن طريق وسائل التّواصل الافتراضية، بوصفها إحدى الوسائل المتّبعة في البحوث الميدانية الحديثة كحلّ بديل من صعوبات التّواصل الفيزيائي.
وقد جرى اختيار المشاركات في الدّراسة وفق أسلوب العيِّنة القصدية، التي تتوافق مع أهداف الدّراسة وتركيزها على سياق النّزوح في الفترة من 2011 حتى 2024 حصرًا، أي قبل سقوط حكم الأسد، من دون الدّخول في تجارب النّزوح الجديدة. وجرى هذا الاختيار بناءً على معايير محدّدة وهي: أن تكون المشاركات قد تعرّضن لتجربة نزوح داخلي مباشر، وإمكانية الوصول إليهنّ ميدانيًا، واستعدادهنّ للمشاركة الطّوعية وعرض تجربتهنّ الذّاتية بوصفها مصدرًا للمعرفة. بعيدًا من التّمثيل الإحصائي أو إمكانية التّعميم، وإنّما بهدف استكشاف الإجابات الممكنة عن الأسئلة البحثية المطروحة، وفهم الكيفية التي تفسّر بها المشاركات تجاربهنّ، واختبار صلاحية هذه الأسئلة وجدواها البحثية. ومن ثمّ فإنّ نتائج المقابلات لا تُقدَّم بوصفها استنتاجات نهائية حول جميع النّساء النّازحات، إنما بوصفها مؤشّرات أولية تساعد في تطوير الأسئلة البحثية، وفتح المجال أمام فرضيات جديدة يمكن اختبارها لاحقًا ضمن دراسات أوسع وأكثر تمثيلًا من النّاحية المنهجية.
وحفاظًا على خصوصية المشاركات وسلامتهنّ، جرى استخدام رموز رقمية بدلًا من الأسماء الحقيقية، حيث أشير إلى المشاركات بالرموز (م1، م2، م3...) مع الاكتفاء بذكر بعض الخصائص العامّة ذات الصّلة بالتّحليل مثل العمر أو منطقة النّزوح عند الضّرورة.
الرّمز | العمر | مكان الإقامة الأصلي | مكان النّزوح وتاريخه | عدد مرات النّزوح، وأماكن النّزوح |
م1 | 48 | زملكا | عفرين - 2018 | عدة مرات، حرستا، زملكا، مليحة، عفرين. عودة إلى حرستا |
م2 | 28 | جوبر | عفرين- 2018 | عدة مرات، عين ترما، معرة النعمان، عفرين |
م3 | 34 | حرستا | حرستا- 2018 | حرستا، حوش نصري، التل، إدلب، معرة النعمان، عفرين، أعزاز. عودة إلى حرستا |
م4 | 32 | خان الشيح | جرمانا-2014 | تنقل في ريف دمشق |
م5 | 44 | كفر نبل | عفرين- 2019 | مرة واحدة |
م6 | 66 | دير الزور | تركيا- 2013، عفرين- 2019 | عدة مرات، داخل دير الزور، تركيا، عفرين |
م7 | 33 | كفر نبل | سلقين 2019 | عدة مرات، كفر تخاريم، إدلب، سلقين، دمشق |
وبالنّسبة إلى التّحليل، فقد استخدمت أساليب التّحليل النّوعية كالتّحليل الموضوعاتي (Thematic Analysis)، من خلال استخراج المحاور المتكرّرة في خطاب المشاركات، مع الأخذ في الحسبان اختلاف وجهات نظر النّساء وتنوّعها، وتأثير العوامل الاقتصادية والطّبقية والتّعليمية وغيرها، وربطها بالإطار النّظري المتعلّق بالهُويّة الاجتماعية والنّزوح.
وتفهم تجربة النّزوح في هذه الدّراسة بوصفها تجربة متعدّدة الأبعاد، تمسّ: الشّعور بالانتماء والاستقرار المكاني. وإعادة تشكيل الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع. وإعادة بناء الهُويّة الفردية والاجتماعية في سياق انتقال قسري.
أولًا: الشّعور بالانتماء والاستقرار المكاني
يشكّل المكان أحد المكونات الأساسية في تجربة الأفراد وهُويتهم الاجتماعية، إذ إنّ دوره لا يقتصر على كونه جسدًا مادّيا أو فضاءً للسّكن، إنّما بكونه إطارًا للعلاقات الاجتماعية والذّكريات والشّعور بالأمان والانتماء. ولذلك لا يقتصر أثر النّزوح على الانتقال الجغرافي من مكان إلى آخر، ولكنّه يمتدّ ليشمل فقدان البيئة المألوفة وما يرتبط بها من شبكات اجتماعية وأنماط حياة ومصادر للاستقرار النّفسي والاجتماعي. وتظهر المقابلات أنّ تجربة النّزوح لدى النّساء المشاركات ارتبطت بدايةً بالشّعور بالفقد والاقتلاع، ففقدان المكان لم يكن مجرّد فقدان للمسكن، إنّما مثّل فقدانًا لمنظومة كاملة من العلاقات والذّكريات والشّعور بالأمان. كما بيّنت المقابلات استمرار هذا الشّعور حتّى بعد سنوات من النّزوح، نتيجة صعوبة العودة أو تغيّر الأماكن الأصلية وغياب الظّروف التي تسمح باستعادة الحياة السّابقة.
عبّرت المشاركة (م5) عن ألم مغادرة المكان وقسوته التي تعادل الموت، ووصفت ارتباطها القوي بمنزلها في كفرنبل، إذ إنّه على الرّغم من تواضعه كبناء مادّي، لكنّه كان بالنّسبة إليها فضاءً للانتماء، وللذّكريات، وللممارسات اليومية، وللألفة، أكثر من كونه ملكية مادّية على أهميتها، فهو يمثّل جزءًا من هويتها وانتمائها "بيتي".
"أنا ولا مرة كنت بعرف عفرين، بنت حماي متجوزة عليها، أمنتلنا بيت نحنا آخر ناس طلعنا وحسيت روحي طلعت. اجينا لهون ما ضل لنا غير ذكريات فقدت بيتي مع انو صغير وغرفة وحدة بس كنت حسو إلي، وعندي الوردات وريحتهن، والتنور وقعدة العصرية والصبح، فقدنا الجيران كلنا تفرقنا ما في حدا، البيت صار ع الأرض. هون عايشين أكثر من عيلة بنفس البيت أكلتنا وشربتنا أنا وضرتي وسلايفي تنتين وناس صغار وناس كبار شي 30 شخص زحمة كتير ما في خصوصية لأي شي، إذا بدها تتحمم الوحدة بتنحرج. وأنا وضرتي قعدنا مع بعض بنفس الغرفة أكثر من سنة كانت صعبة كثير".
الأمر الذي يجعل فقدان المنزل فقدانًا لنمط الحياة، من خلال خسارة شبكة من الممارسات اليومية والذّكريات والعلاقات الاجتماعية التي كانت تمنح الحياة معناها واستقرارها. إضافة إلى ما فرضته الظّروف من عيش أكثر من عائلة معًا، وما يرافقها من تراجع السّيطرة على المجال الخاصّ، حيث تحوّلت الحياة الأسرية الخاصّة إلى حياة جماعية مفروضة، الأمر الذي أثّر في شعور النّساء بالرّاحة والاستقلال والقدرة على إدارة حياتهنّ اليومية.
وبصورة مقاربة، استحضرت المشاركة (م6) تفاصيل منزلها في دير الزور، الذي يشكّل استمرارًا من بيت الأصل أو الأهل إلى بيت التّملك، ليصير جزءًا من هُويتها "صار بيتي"، ووصفت حنينها إلى شجرة الزّيزفون والبساتين المحيطة به.
"بعدني بحنّ كثير لبيت أهلي، يلي صار بيتي، وبقعد إتخيل كيف كان البيت نظيف ومريح وإطلع على البرندا وريحة الزيزفون، كان عنا شجرة زيزفون كبيرة أجيب منها أغصان وأحطهم بكل زوايا البيت. حاليًا ما عاد في بيت صار خرابة" ونستدّل منه كيف يستعاد الانتماء للمنزل محمّلًا بالذّكريات الحسّية والانفعالية التي تبنيها الذّاكرة وتستعيدها من خلال تفاصيل دقيقة، وممارسات يومية، كما يشكّل دمار المنزل وانقطاع الاستمراريّة المكانية بالنّسبة إليها انهيارًا لبنية المنزل المادّية والرّمزية.
أمّا المشاركة (م2) فقد استحضرت صور الغرفة التي كانت تدرس فيها، وحوض الورد، وسهرات العائلة، ووجود الأقارب في المنازل المجاورة، وهي عناصر تكشف أنّ المكان كان يشكّل جزءًا من تعريفها لذاتها وموقعها داخل شبكة العلاقات الأسرية.
"كان بيمثل شعوري بالانتماء، كنا في بيت كبير (بيت عربي) نحنا وبيت عمومي وبيت جدي كلنا قراب من بعض. وكانت هي الروابط التي لم أتخيل أن أتخلى عنها. كنت مرتبطة بهذا المكان، لكن بعد السقوط لما زرته ولقيتو مهدم بكيت لأن في مشاعر وذكريات. مثلًا غرفتي وطاولتي يلي بدرس عليها، كان حوض الورد وأرض الديار، سهرات العيلة، كل هذا لما بتذكره بحس بالتعب".
ما يكشف أنّ فقدان المكان بالنّسبة إليها يعادل فقدانًا للذّاكرة المكانية، فلم يكن البيت بالنّسبة إليها مجرّد حيِّز مادّي للسّكن، لقد كان فضاءً تتجسّد فيه العلاقات العائلية والذّكريات اليومية والشّعور بالاستمراريّة والانتماء. لذلك لم يرتبط حزنها بتدمير المنزل بحدّ ذاته، وإنّما بما يمثّله من تاريخ شخصي وعائلي تراكم عبر سنوات طويلة، وما يرافقه من إحساس بالاستمراريّة الذي كان يوفّره هذا المكان.
وبسياق مقارب، توضح (م1) علاقتها ببيتها الذي عاشت فيه سنوات، واختارت تفاصيل كسوته كما تحبّ، ليكون الخروج منه معادلًا لتجربة فقدان داخلي، حيث ربطت الخروج القسري من المنزل بحالة الهدم الذي تعرّض له، ليشكّلا حدثًا كبيرًا لم ينتهِ بعد. خاصّة أنّها ترفض رؤيته لما يسبّبه من ألم وكأنّه جرحٌ مستمرٌ تصعب مواجهته. الأمر الذي تؤكّد عليه من خلال الفصل بين وجودها في بيت آخر في المنطقة نفسها وبين انتمائها العاطفي والوجداني لبيتها الأساسي.
"لما طلعنا من حرستا كنت قد عشت فيها 8 سنوات، كان عندي بيتي، بيت العيلة أنا وزوجي والأولاد كانوا ولدين لما طلعنا، كان بيت كبير وكسيته متل ما بحب، كان أول غصة كلو تهدم. لما رجعت ما قدرت شوفوا، بمر من حدو بدير وجهي، حاليًا أنا بحرستا ولكن مو ببيتي الأساسي. ما بعرف كيف وافقت انو نبيعه".
وتكشف هذه الشّهادة أنّ فقدان المكان لا يرتبط بالمنزل، بوصفه تلك الجدران التي انهارت فقط، إنّما بما يختزنه من ذكريات تراكمية عبر الزّمن، وبما يمثّله من رموز شخصية وعاطفية، بحيث يبدو دمار مكان الإقامة "المنزل" كانقطاع مؤلم لجزء من الماضي ويتجلّى فيه بوضوح أثر الاقتلاع المكاني، بما يعنيه من تفكّك في معنى الاستمراريّة والاستقرار، وما يسبّبه من تحوّلات عميقة في الهُويّة والعلاقة بالمكان والذّات، حيث يتحوّل المنزل من فضاء للاستقرار إلى رمز للفقد، ويتحوّل التّفكير فيه أو العودة إليه مواجهة مع الألم المستمرّ.
وقد يتقاطع فقدان المكان مع أشكال أخرى من الفقد كفقدان أحد الوالدين، نتيجة القتل أو الاعتقال، ما يجعل تجربة النّزوح مرتبطة بخسارات عميقة تتجاوز البعد المكاني. ويصبح الحنين للمنزل موجّهًا إلى الأشخاص أكثر من المكان نفسه. إذ تشرح (م4) أنّ المنزل على الرّغم ممّا كان يمنحه لها من استقرار ومن خصوصية ميّزتها عن باقي أفراد الأسرة، فإنّ علاقتها العاطفية والوجدانية به ارتبطت بحضور والدها، بحيث تبدو خسارة الخصوصية أقلّ أهمية من فقدان الأب.
"بخان الشيح أنا بنت وحيدة ومعي أربع أخوة كان عندي غرفتي المستقلة، يوم إجينا بدنا نطلع ما كان في خيارات غير نروح ع بيت عمي بمخيم جرمانا أو بيت خالتي بالمزة، وسكنا مع 5 عيل كلنا بيت عمومي وعماتي، كلنا مهجّرين.. بيتنا ما تهدم ولا شي، القصة إنو من لما توفي أبي ما عاد عندي حنين لبيت خان الشيح، لأن البيت كان مربوط بس ببابا مو بشي تاني. رحتلو شي 3 مرات بالمناسبات، لكن إخواتي غيروا ترتيب البيت حتى هوية البيت تغيرت".
ما يبيّن أنَّه عندما تتغيّر شبكة العلاقات أو يغيب الأشخاص الذين كانوا يمنحون المكان دلالته العاطفية، يفقد المكان جزءًا من قدرته على إنتاج الشّعور بالانتماء. وهو ما عبّرت عنه بتغير "هُوية البيت" التي يمكن تفسيرها من خلال التّعديلات التي طرأت على فضائه الدّاخلي أو الخارجي، وكذلك من خلال غياب الأب كأحد أركان الانتماء العاطفي، والرّمزي، والتّرابطي الذي يمنح المنزل معناه.
أمّا (م3) فقد وضحت أنّ فقدان الأشخاص يكون أكثر حضورًا وألمًا من فقدان مكان السّكن، وأنّ جرح الفقدان نتيجة الموت أو الاعتقال يأخذ مكانة مركزية في تقويم المكان الجديد.
"طلعنا أمي وإخواتي، وأنا طلعت كان أبي مستشهد بضربة طيارة قبل ما نطلع بفترة صغيرة، يعني من هون بلشت حس أنه بلشنا نفقد كثير شغلات يعني مو بس البيت حتى الأشخاص. وأول ما دخلنا على منطقة حوش نصري تاني يوم، تالت يوم اعتقلوا أخواتي الأربعة. ولحد الآن ما بنعرف شي عنهم. وفتحت السجون وما عرفنا عنهن شي. فمشان هيك أنا ما بحب المنطقة، وهي المنطقة كتير كانت سيئة إلنا نحنا جايين على منطقة جديدة، ونعتبر غرب، والكل بيسأل إنتو غرب شو جابكن لهون. على الرغم من أنَّها كانت فترة جيش النظام مع الجيش الإيراني عم يدخل على منطقتنا (حرستا) وعم يدبحوا العالم اللي عم يشوفها بالمنطقة هي كانت بأواخر 2012.."
ونتبيّن من الشّهادة أنّ عدم القدرة على تقبّل المكان الجديد، كان نتيجة لارتباطه بخسارات بشرية لا قدرة لنا على تحمّلها. وكذلك لارتباطه بكيفية تعامل المجتمع الجديد مع حالة التّهجير، والمهجّرين قسرًا، وإشعارهم بأنّهم غرباء، من دون تقدير الواقع والظّروف التي دفعتهم للتخلّي عن أماكنهم الأصلية، ومن ثمّ تصبح بيئات بعيدة عن وهب الأمان، بل على العكس تعزّز عدم الأمان والإرهاق والتشرّد، التي تترافق مع أزمة الهُويّة.
فقدان المكان والمكانة الاجتماعية وأثره في الذّات والهُويّة
غالبًا ما يترابط فقدان المكان مع فقدان الاستقلال المادّي، وفقدان المكانة الاجتماعية، التي تُكسب النّساء موقعًا مميزًّا في شبكة العلاقات العائلية والعامّة، ما يؤثّر في نظرتهنّ إلى ذواتهنّ وهوياتهنّ التي تتعرّض للاهتزاز والتّأرجح، حيث تجبرهنّ الظّروف على إعادة تشكيل أدوارهنّ الاجتماعية بصورة جذرية، والتكيّف مع مواقع جديدة تختلف عن المكانة التي اعتدن عليها قبل النّزوح، أو اتباع أساليب للدّفاع عن ذواتهنّ وهوياتهنّ ضدّ الأخطار والتبخيسات الخارجية، وإعادة بناء هويتهنّ وفقًا للمواقف العامّة التي تفرض عليهنّ[14].
تبيّن المشاركة (م6) حجم التحوّل الذي أحدثه النّزوح في موقعها الاجتماعي وصورتها عن ذاتها. نتيجة تفكّك بعض مرتكزات الهُويّة المرتبطة بالمكانة الاجتماعية والعمل والاستقلال الاقتصادي، فانتقالها من سيدّة مستقلة لها مكانتها المستقرّة داخل الأسرة والمجتمع، ولها حضورها المهني الواسع الذي يكسبها القيمة الاجتماعية والذّاتية، إلى امرأة فقدت ما تملكه، حيث أدّت الحرب والنّزوح إلى انهيار هذا العالم دفعة واحدة، مع إغلاق المشروع وفقدان أدوات العمل وتبدّد رأس المال الأسري والمهني. ما فرض عليها الانتقال من موقع القوة إلى الإحساس بالتبخيس وجرح الكرامة والبحث عن استراتيجيات مختلفة للحفاظ على استمراريّة الهُويّة السّابقة أمام الآخرين، كإخفاء نوعية العمل، وإخفاء آثار الفقر. وصولًا إلى التكيّف مع ظروف النّزوح والفقر وطلب المساعدة من الآخرين، إذ اضطرت إلى العيش وحيدة في غرفة صغيرة تصفها بأنها "مثل الزنزانة"، وتعتمد على دعم الآخرين لتأمين السّكن.
"قبل النّزوح أنا كنت الصغيرة في العائلة وحياتي كانت مريحة ويلي بدي ياه إطلبوا ويحضر. كبرت وأنا كلمتي يلي بدي ياه يصير، وخصص لي إخواتي إيجار محل وكتبولي بيت أهلي بإسمي، وعملت مشروع خاص بالتجميل وصالة رياضة وتزيين للشعر والألبسة.. كان كتير شغال وأخذت صيت وصل لبغداد، ويجيني ناس كثير مثلًا الحروق وغيره، أحيانًا من العراق أو من الشام يبعتوهن لعندي. استمريت لحد الثورة 2011 وبعدها سكرت ونقلت العدة على البيت لكنها صارت خردة. وبعد الاعتقال، إجى النّزوح كان صعب كثير، كمان المادّيات كانت صعبة، وللصراحة أنا ما بحب الفقر وكنت دايما مو محتاجة شي، إجى علي أيام ما أذوق كسرة الخبز، كنت بتركيا وخلصت المصاري والأحوال ضيقة، حسيت بغربة مو طبيعية، كنت لوحدي حتى الناس يلي بيعرفوني وبيعرفوا إخواتي حسيتهم متنكرين لي. اشتغلت شوي بالمطاعم بالتنظيف، وبمحلات ألبسة. وما بخفيكي إنو لما كنت بشتغل هذي الأشغال كنت لما يسألوني شو بتشتغلي، أقول بشتغل بشركة تجميل مترجمة. لأن أحس إنو نظرة الناس مو منيحة، كنت مضطرة إحكي هيك حتى لا تنزل مكانتي.. لأن حكيهن كان يأثر على نفسيتي، وكانوا يسألوا ويقولوا والله إنتي بنت عز ووجاهة ومال، كيف الزمان عمل فيكي؟ رغم أنهم بيعرفوا بعد سنين الثورة والدمار مين ضل عندو مال؟ أقولهن مو الزمن هاي حرب، حرب. مبين تفسيرها.. هاي الأسئلة كانت تقهرني بشكل كبير. أحاول ما أظهر لهم وجعي وفقري أشتري تياب وأترتب، حتى لا يحسوا علي أنو صفيت بلا شي. حتى البيت يلي ساكنتو حاليا متل الزنزانة غرفة وحدة وأنا عملت مطبخ بالكريدور، بس مرتب ومخدم. وفيه رطوبة هاي عم تخليني أمرض. في شباب استأجروه لي".
تكشف الشّهادة أنّ الانتقال من موقع الاستقلالية الاقتصادية والمكانة الاجتماعية إلى موقع الهشاشة، أدَّيا إلى تصدّع شعورها بهُويتها الشّخصية والاجتماعية السّابقة، بحيث تصبح عملية إعادة بناء الذّات مرتبطة بمحاولة التكيّف مع واقع جديد يختلف جذريًا عن الصّورة التي كان الفرد يحملها عن نفسه قبل الحرب.
وبسياق مقارب توضح (م7) التحوّلات الحادّة التي طرأت على مكانتها الاجتماعية ودورها المهني بعد النّزوح، بوصفهما جزءًا أساسيًا من تعريفها لذاتها. فقبل النّزوح كانت تتمتّع بموقع اجتماعي واضح داخل مجتمعها المحلّي، وكانت تشغل موقعًا قياديًا بصفتها مديرة لقسم الطّفل، وترتبط بهُويّة مهنية وشبكة علاقات واسعة. إلَّا أنَّ النّزوح وما رافقه من فقدان العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية أدّى إلى انقطاع مسارها المهني والتّعليمي، واضطرت إلى التخلّي عن دراستها الجامعية بسبب عدم القدرة على تحمّل التّكاليف. ويندمج شعورها بتراجع مكانتها الاجتماعية بإحساسها بالتّبخيس المرافق لقيمة فرصة العمل المقدّمة لها، "العمل في محل ألبسة" بوصفها تمثِّل مفارقة لما كانت عليه سابقًا.
"قبل النّزوح لما ينذكر إسمي الناس بتعرفني، بس يقولوا بنت فلان. بابا كان عنده مكتبة، وأنا كنت مديرة قسم الطفل.. كثير تغيرت حياتي. غربة ومسؤولية وعجز، وبنفس الوقت تقدم قليل. فقدت شغلي لأنو نزحنا، وانقطع مورد الدخل عن الجميع، واضطريت أوقف الجامعة كنت عم أدرس صيدلة لأن كان بدها دفع رسوم التسجيل والمواصلات والمصروف. بلحظة صرت ولا شي، بعدما كنت حدا ناشط وعندي شغل وخطط للمستقبل وشبكة علاقات كبيرة. بقيت أنا وأمي وبابا، وهم كبار بالعمر وبدهم رعاية ومسؤولية. وأكثر شي حسسني بكل هل الشي وخلاني أبكي، هوي لما قرر بابا يرجع يفتح مكتبة جديدة بهذا المحل، بكفر تخاريم، نزلنا أنا وأخوي الصغير ومرت أخوي يلي عايش معنا لنساعدو، وأجى واحد شافنا وفات ع المكتبة وعرض عليي أشتغل عندو بمحل ألبسة تنظيف وترتيب، أنا ما تحملت الموضوع تخيلي كانت الناس تناديلي أنسة قبل، وهون وقتها حسيت أن صرت ولا شي بهل المكان".
وتبرز هذه الشّهادة أنّ فقدان المكان لا يقتصر على فقدان المنزل فقط، إنّما على ما يرافقه من فقدان الرّأسمال الاجتماعي والمهني الذي راكمته المشاركة في مجتمعها الأصلي. فانتقالها إلى بيئة لا تعرف تاريخها أو خبراتها المهنية جعلها تشعر بانهيار المكانة التي كانت تتمتّع بها سابقًا.
العلاقة بالمجتمع المضيف وإعادة التّفاوض على الهُويّة والانتماء
يشكّل فقدان المكان والاستقرار جزءًا غير منفصل عن الشّعور بالغربة واختلاف البيئة الاجتماعية. تبرز بعض المشاركات كيف يمكن أن يتحوّل فقدان المكان إلى مواجهة مع بيئات اجتماعية جديدة تختلف في أنماط العيش والعلاقات والقيم السّائدة. إذ يكتسب الأفراد أنماط السّلوك والقيم من بيئتهم الاجتماعية، ومن تجاربهم الشّخصية التي تتحوّل مع مرور الوقت إلى بنيات ناظمة ومنتظمة في الوقت نفسه، بحيث يؤدّي الانتقال إلى فضاء اجتماعي مختلف إلى شعور بالاغتراب وعدم الانسجام نتيجة اختلاف المعايير والتّوقعات الاجتماعية[15]. وتبرز الصّعوبات بصورة أكبر في حال لم يجدن اعترافًا من المجتمع المضيف أو يواجهن وصمة النّزوح كوصمة مجتمعية.
وقد ظهر ذلك بوضوح لدى بعض المشاركات اللواتي انتقلن من بيئات حضرية أو شبه حضرية أو حتّى ريفية إلى مناطق ريفية أكثر محافظة. فقد أشارت المشاركة (م3) إلى أنّها كانت تنظر إلى مدينتها حرستا بوصفها منطقة منفتحة وقريبة من دمشق، وأنها لم تشعر يومًا بأنها "بنت ريف"، إذ ارتبط فقدان المكان بفقدان الإحساس بالمدينة أو الحالة المدنية المألوفة بالنّسبة إليها. الأمر الذي جعل انتقالها إلى حوش نصري تجربة صعبة رافقها شعور بعدم الانسجام مع نمط الحياة السّائد هناك.
"أول شيء طلعت من حرستا، وهيي منطقة منفتحة، على حوش نصري حد الشام هي بريف دمشق كمان بس أبعد من حرستا عن الشام، ومنطقة قرية يعني أنا ما متعودة على جو القرية فما كثير ناسبتني بصراحة يعني انزعجت فيها.. غير أنو حرستا فيها خليط كان كتير كبير وفيها من كل العالم وكل الطوائف، كنت حسها متقدمة على بقية الريف البعيد".
وبالمثل، عبّرت (م7) عن شعورها بالغربة الاجتماعية بعد انتقالها إلى قرية أخرى، نتيجة اختلاف العادات والتّقاليد وأسلوب الحياة عما اعتادت عليه في منطقتها الأصلية، وقد ربطت ذلك بالفجوة بين نمط الحياة الذي اعتادت عليه في منطقتها وبين المعايير الاجتماعية السّائدة في المجتمع الجديد، وما يفرضه من تعريفات جديدة للسّلوك المقبول والأدوار الجندرية، التي تظهر ضمن المواقف اليومية البسيطة كاستنكار بعض السّلوكيات بوصفها غير مقبولة للبنات، أو مطالبتها بارتداء خمار لإرضاء الآخرين كاستجابة لتوقّعات اجتماعية عما تمارسه.
"طلعنا من كفر نبل على إسقاط، بس لما طلعت على كفر تخاريم كانت المشاعر كتير أكتر من غريبة. أكثر من 95 بالمية من علاقاتي خسرتهم. غير أنو طبيعة المشاعر وطبيعة المجتمع يلي أنا انتقلت عليه فيه كتير اختلافات عن مجتمعي اللي اطلعت منه، كان في قيود كثير من المجتمع، مثلًا، طلعت مع رفيقتي وتعبت بالطريق قلتها رح اقعد عند هذه الشجرة، قالت باستهجان لا البنات ما بصير يكونوا عم يقعدوا بالشارع لأنه هذا الشيء كتير عيب. وعلى مستوى أعمق مرة كنت نازلة بالبناء يلي نحنا سكنا فيه وقفتني وحدة وقالت لي أنت ما بتحطي خمار، أنا جاوبتها عادي إنو أنا ما بحط خمار، ردت يفضل إنك تحطيه لأن أنا ما بحب جوزي يشوف نسوان".
تكشف هاتين الشّهادتين، أنّ الانتقال إلى بيئات مختلفة عما ألفنه، يضعهنّ أمام عملية إعادة تفاوض مستمرة مع هويتهنّ الاجتماعية، وإعادة تشكّلها في سياقات اجتماعية متغيّرة، عبر الاحتكاك بمنظومات ثقافية تختلف عن الفضاءات التي تشكّلت فيها خبراتهنّ السّابقة.
إلَّا أنَّ هذا لا ينطبق على الجميع، فالشّعور بالانتماء والغربة يتحدّد وفقًا للمحيط، ومدى تقبّله للنّازحات "الغرباء"، ما يتحوّل أحيانًا إلى وصم اجتماعي. الأمر الذي تتحدّث عنه (م4) بوضوح شديد، مؤكّدة أنّ كلمة "مُهجر" كانت وصمة مجتمعية قاسية، تحمّل النّازحين كضحايا للتهجير ذنبًا لم يرتكبوه.
"كانت كلمة مهجرة مزعجة، مثلًا ببيت عمي يقولوا عندنا بيت عمي المهجّرين. وبجرمانا كان الأمر غريب لأن المحيط كله دروز. ونحنا الوحيدين تقريبًا بالحارة هللي بنحط الحجاب، هي قبل ما تجي العالم عليها ويصير في خلط بالمكونات. وبقيوا بس حدا يسأل مين هدول يكون الجواب المهجّرين. كانت وصمة ومزعجة أنو يصير عليكي وصمة بدون ما تعملي شي، كان كل شي يتغير لما يقولوا مهجرة النظرة تتغير والطريقة والأسلوب وكل شيء يتغير. راحت بس انتقلنا ع مخيم جرمانا واشترينا بيت".
وكذلك توضّح (م1) الشّعور بالغربة واستمراره على الرّغم من التّأقلم والعمل، وبناء شبكة العلاقات التي تكسبها نوعًا من الألفة والاستقرار الاجتماعي، إلَّا أنَّها لا تؤمّن إطارًا فعليًا للانتماء، نتيجة نظرة المجتمع المضيف الذي يعيد تذكير النّازح بغربته، ليبقى شعورها بالانتماء منصبًا على المكان الأساسي، مع تكيّف مقيّد نسبيًا في الواقع الجديد.
"بالمنطقة بعفرين حسيت حالي غريبة لفترة، لكن بعدها بحثت عن العمل، وصار عندي علاقات وتأقلمت، لكن للحقيقة رغم كل قوتي بحس أني ضعيفة بمحلات، ما بعرف ليه. أحيانا في نظرات تصير إلي، في شغلات مثلا يقولوا إنتو إجيتوا حتى تاخدوا عفرين. لكن كنت أحزن وأقول لا والله نحنا ما كنا عارفين لوين جايين. مرة حسيت إني غريبة كنت بدي إشتغل بالتدريب بمنطقة بعيدة، ولازم إستدل على المركز سألت مرة كبيرة ستينية لقيتها ماشية بالطريق نفسه، قبل ما تجاوبني، سألتني انتي مانك من هون؟ قلت لا، أنا من الغوطة، فأشرت على مكان المركز وقالت لي: روحي يا بنتي الغريب بيضل غريب. هل الكلمة وجعتني وخلتني إبكي كثير، وحس أنو ما إلي مكان غير بمنطقتي".
يتوضّح ممّا سبق أنّ الشّعور بالغربة والتّأقلم والتّفاوض على هويتهنّ الاجتماعية، يظهر بطريقة مختلفة لدى بعض المشاركات، وذلك لأنَّ شعورهنّ بالغربة يأتي مترافقًا مع تغيّير البيئات وتغيّر الإحساس بالانتماء نتيجة نظرة الآخرين للنّازحين قسرًا، وعدّ النّزوح وصمًا اجتماعيًا، ما يؤثّر في هُويتهنّ ونظرتهنّ إلى ذواتهنّ، فالهُويّة تُبنى باتّجاهين إدراك الفرد لذاته واعتراف الآخرين به ومنحه مكانة مقبولة داخل الجماعة الاجتماعية[16].
في المقابل، تؤكّد (م2) أنّ المحيط الاجتماعي الدّاعم الذي وجدته خلال نزوحها ساهم في التّخفيف من آثار النّزوح، وتعزيز الشّعور بالانتماء، وجاء هذا مترافقًا مع انفتاحها على المنطقة وقدرتها على تفهُّم معاناة أهالي المنطقة، وغضبهم من الانتهاكات والاعتداءات على الملكيات التي واجهوها تحت حكم الفصائل، من دون أيّ رادع.
"في البداية نعم المكان غريب وأنا أشعر بضعف إذا ما بعرف المكان، وهذا حصل معي حتى لما رجعت ع الشام، أنا ما بعرفها لأني طلعت صغيرة، ما بعرف الطرقات وخوفوني من الباصات والمحيط بالشام. وأنا ما كنت حابة ارجع ع الشام لأن ما في بيت، بس جوزي لقى شغل وصرنا مضطرين. وفعليًا ما عندي دعم من المحيط هون، عكس المناطق يلي اتهجرت عليها، مثلًا إدلب وعفرين. لما دخلنا إدلب استقبلونا بطريقة حلوة وأمنولنا بيت والمأوى هو أهم شي، كان الجيران أهل إلي، حتى المحلات كانوا يراعونا لأننا مهجّرين. ولما طلعنا ع عفرين كنت اسمع إنهن بيخافوا من النازحين، وبيسمعوهن كلام، لكن أنا ما تعرّضت لشي بالعكس، عندي رفقات كرديات وعرب وبعدنا على اتصال. بشكل عام أنا بعرف الواقع لأنهن عانوا كثير مع الفصائل وبصراحة كان يحصل اعتداءات عليهم وعلى بيوتهم ومحاصيلهم، مثلًا رفيقتي من عفرين مع إنها عربية متزوجة كردي خلصوها بيتها، ومعها حق تغضب. أنا بحب عفرين، بتعطيني راحة كبيرة، وما بحب ارجع حتى ابني زعلان إنو رجعنا".
ونستدلّ منه أنّ القبول المجتمعي الذي وجدته أسَّس لاندماجها. والاعتراف بمعاناة تجربة النّزوح وتقدير أوضاع النّازحين الاقتصادية والمادّية يساهم في بناء الإحساس بالأمان والألفة، وتعزيز القدرة على تفهّم المحيط الجديد ما يفتح المجال للانتماء.
كما توضّح (م5، م6) اللتان بقيتا في عفرين، أنّه بعد مرحلة أولية من التكيّف وبناء العلاقات مع المحيط الجديد، عاد الشّعور بعدم القبول مع عودة بعض سكّان المنطقة الأصليين الذين كانوا نازحين إلى المنطقة. فعلى الرغم من أنَّهم عاشوا تجربة مشابهة، في إطار الحرب واقتتال الفصائل والاستيلاء على المناطق، إلَّا أنَّ تفسير تهجيرهم القسري تعلّق بمن أخذوا أماكن إقامتهم. وإنّ عودة منطقتهم إلى طبيعتها تتطلّب عودة من بقي من النّازحين فيها، الذين بدؤوا يواجهون أوصافًا تنطوي على وصم اجتماعي مثل وصفهم بـ"المستوطنين". و/أو يواجهون الخوف من جديد، كالتّهديد بالتّهجير، والطّرد قسرًا من المجتمع الذي يقيمون فيه. وتبيّن (م5) محاولاتها للتّأقلم بعد سنوات الإقامة الطّويلة في عفرين وتكوين علاقات اجتماعية فيها، لكنّها في الوقت نفسه تواجه حدودًا للاندماج ترتبط بالتّصنيفات (نازح ومقيم) في المجتمع الجديد، وتصف شعورها بالتّهديد مع وصفهنّ بالمستوطنين، لما تحمله من إيحاء بأنها اغتصبت حقّ الآخرين أو استولت على أملاكهم، على الرغم من أنَّها تنظر إلى وجودها في عفرين بوصفه وجودًا اضطراريًا داخل بلدها نفسه.
"لما وصلنا حسيت بالغربة.. الناس هون مختلفين، أنا تعبت كثير وبحس أني غريبة، رغم تعودت عليها لعفرين.. بعد التحرير في ناس رجعت، ومنهن راحو ع حمص أو ع الشام. أنا وين بدي ارجع ما عندي شي. حاليًا صاحبة البيت بدها ياه وأنا وين بدي روح.. وما في إمكانيات ونحنا كثرة ولاد عمي وسلايفي كلنا عايشين سوا. العالم صحاب المنطقة كانوا شوي في نفور أنو نازحين بس بعدين صرنا متألفين، في ناس كانت منيحة معنا. لكن هلأ رجع النفور لأن العالم يلي نزحت ع القامشلي رجعت، وبدها بيوتها وبيسمونا "مستوطنين" كلمة كبيرة كثير صعبة، مثل كأنوا مغتصبين بيوتهم. ونحنا معتبرين عفرين بلدنا متل حلب متل الشام يعني قطعة من سورية، بتحسي الأكراد القديمين ما هنن صحاب مع يلي إجوا من القامشلي لأن بيلوموهن لأن ليش حويتوا النازحين..".
ما يدلّ على أنّ الشّعور بالغربة لم يكن مرتبطًا بالمكان الجديد، لكنّه يرتبط بطبيعة العلاقات الاجتماعية داخله وما تفرضه من تصنيفات بين السّكان، وكذلك المتغيّرات التي تطرأ عليها، ما يجعل التكيّف مع المحيط تجربة غير مستقرة، وقابلة للانهيار.
بينما توضّح (م2) الوصمة الاجتماعية للنّازحين، بطريقة مختلفة تقوم على وصمة المهجّرين بعد العودة. ويواجهن صعوبات جديدة في إعادة التكيّف وفي استعادة مكانتهنّ الاجتماعية بعد العودة. وهو ما جعل المشاركة تشعر بالإحباط نتيجة عدم تحقق الاستقرار الذي كانت تريده.
"بعد سقوط النظام رجعت ع الشام، بالشهر الخامس، كانت الرجعة صعبة لأن كل شي تغيّر كان عنا أمل نحصل ع الحرية يلي بدنا ياها، بس الوضع سيئ ع كل الصعد. الصراحة راح كتير شهداء من عيلتي وكتير في معتقلين. ورجعنا بيتنا كلو مهدم، ورجعت متزوجة وعندي طفل، وحتى أقرب الناس إلنا، مثلًا خالتي ما بيشوفوا إنو نحنا تهجرنا بالعكس بيفكروا إنو نحنا يلي رجعنا من إدلب عنا شوالات مصاري، لدرجة قالتلي، لو أعرف هيك الوضع كنت بعتت ولادي ع إدلب. وهي الفكرة مترسخة والكل بيفكر هيك، مسألة وجود أموال عند يلي إجوا هي حقيقة بس مو نحنا ومو الكل، هي عند يلي اشتغلوا أعمال حرة أو أعمال الحرب، وكانوا يقبضوا بالدولار أو بالعملة التركي، ولديهم سيارات. وفي منهم تركوا بيوتهم بإدلب وإجوا أخذوا مناصب بالدولة، وحتى عدد من مناطق الشمال إجو وعملوا هيك. لكن مو أنا وزوجي، نحنا عايشين بالأجار ما فينا نرمم حتى بيتنا. هذا خلاني حس بالإحباط، كنت قول إنو خلص لازم نستقر، لكني فعليًا محبطة".
تكشف الشّهادة أنّ العودة إلى المكان الأصلي لا تعني بالضّرورة استعادة الشّعور بالاستقرار أو الانتماء. إذ يصطدم النّازحون/ات بواقع مختلف عن الصّورة التي احتفظت بها خلال سنوات النّزوح، من جهة. ومن جهة ثانية قد تكشف العودة إلى المكان الأصلي قبل النّزوح، عن ظهور أشكال جديدة من سوء الفهم الاجتماعي تجاه المهجّرين قسرًا، حيث يجري اختزال تجربتهم في تصوّرات نمطية تتجاهل ظروف التّهجير القسري والخسائر التي تعرّضوا لها.
ثانيًا: إعادة تشكيل الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع
لم يقتصر تأثير النّزوح على فقدان المكان والاستقرار المادّي، لكنّه امتدّ ليطال الأدوار الاجتماعية التي تشغلها النّساء داخل الأسرة والمجتمع، وما تعكسه هذه الأدوار على هويتهنّ وإعادة تعريفهنّ لذواتهنّ. فمع الحرب والنّزوح وجدت عديد من النّساء أنفسهنّ أمام مسؤوليات جديدة لم تكن جزءًا من أدوارهنّ السّابقة، أكانت تلك المسؤوليات نتيجة فقدان المعيل، أو تشتّت الأسرة، أو تدهور الأوضاع الاقتصادية، التي فرضت على بعضهنّ أعباءً إضافية وتحدّيات يومية معقدّة، وفي المقابل، دفعت هذه التحوّلات بعض النّساء إلى اكتساب مهارات جديدة وتعزيز استقلاليتهن. ومن ثمّ فإنّ تتبّع هذه التّحولات يشكّل مدخلًا لفهم الكيفية التي أعادت من خلالها النّساء تعريف هوياتهنّ وأدوارهنّ وعلاقتهنّ بذواتهنّ في سياق النّزوح.
ترسم (م2) مسار التحوّل في هُويتها الشّخصية، حيث تبدأ بتوصيف نفسها ضمن إطار اجتماعي حاضن ومريح، بوصفها فتاة مرفّهة، وتعيش نمطًا من الاعتمادّية والاتكالية داخل محيط أسري يوفّر لها الاستقرار. إلَّا أنَّ ما عاشته في ظروف الحرب والحصار، جعلها أكثر تأقلمًا مع حالة الحرمان أولًا ومع غيره من الظّروف الضّاغطة التي أكسبتها القوّة. وتأتي إعادة تعريف الذّات والهُويّة الشّخصية بوضوح من خلال وصفها لما اكتسبته من القوّة والقدرة على اتّخاذ القرار، بوصفها مسارًا من إعادة بناء الذّات الفاعلة وتحديد مكانتها وتموضعها خاصّة في سياق العلاقة الأسرية، حيث تتّخذ قرارًا مصيريًا يؤثّر في استقرارها الأسري، وتعيد تعريف ذاتها بوصفها فاعلًا مستقلًا وقادرًا على اتّخاذ القرار، وإن كان نتيجة الضّغط والتّهديد بالاعتقال والبحث عن النّجاة.
"ما كنت أتوقع أتحمل التّهجير والقصف والحصار، لأني كنت بنت مرفهة ومدللة والصغيرة اللي بتحصل على كل شي بتطلبه، لكن مريت بتجارب صعبة كتير. يمكن المحيط المختلف، والإجبار على أكل كل شيء متوفر، لأن أهلي ما كان فيهن يجيبوا أي شي غير المتوفر متل كل الناس بالحصار، هذا خلاني اتأقلم مع أي شي وعطاني قوة. وحتى بعد التّهجير، فيني قول أنو أنا قبل التّهجير غير شخصيتي حاليًا، أنا اليوم شخصيتي قوية، بوقت كنت سابقًا اعتمد على الجميع. مثلًا لما كان التّهجير كان زوجي متردد بالطلعة، وإنو ممكن نبقى لكن وضعي أنا باعتباري مطلوبة للنظام وأهلي كمان، رفضت وقلتلو فيك تبقى إنت، وأنا رح أطلع وننفصل، بهذا الوقت حسيت أني كثير قوية".
هنا يظهر كيف يمكن أن تعيد التّجربة القاسية تشكيل الهُويّة من خلال الألم والاضطرار والتكيّف، فالتّحول الذي وصفته لم يكن خيارًا، بقدر ما هو استجابة لواقع يعيشه الأفراد ويدفعهم لإنتاج سلوكيات مختلفة واكتشاف قدرات جديدة.
وبسياق مقارب، توضّح (م4) تبدّل الشّخصية والانتقال من مرحلة إلى أخرى عبر ما تضفيه التّجربة من بناءات على الشّخصية. فالانتقال بعمر مبكر نحو تحمّل المسؤولية، جعلها ترى تجربتها كانتقال في العمر، أو كزيادة نوعية في نضج الشّخصية، وتصوّرها لذاتها.
"كنت مدللة وغير هاي الشخصية يلي داعكتها الحياة، وبالمدرسة كنت شاطرة كنت عم أدرس علمي، وبابا كان مصر ادرس بأحسن مدرسة وبينقلني عليها، كنت أعمل يلي بدي ياه، أهلي علاقتهم منيحة بالمحيط، كان بابا بيشتغل بخان الشيح مع فريق تطوعي يساعد النازحين ولكن بعدها نحنا والنازحين نزحنا. وبابا بقي هنيك، الموضوع كان كثير صعب على وحدة متلي، لأن ماما بتشتغل برا لتجيب مصاري، وأنا مضطرة اشتغل كل شي إلي ولأخواتي. حتى كانت شخصيتي ما بتعرف شو يعني لاء. مثلًا: بس يقولوا اعملي هيك قوم أعملوا، قومي طبخي أطبخ وأنا ما بعرف أطبخ، وماما بتضل تقول معليش عملي يلي بيطلبوه، لأن ما عنا محل نروح عليه وكان عندي إخوات وأخي الصغير هو مسؤوليتي. حسيت أني انتقلت لمرحلة مختلفة بالعمر إنو كل شي مسؤوليتي".
وبالمثل تظهر (م3) كيف يبرز تحول الهُويّة من خلال التّجربة، والانتقال من رعاية العائلة لها، إلى أن تكون هي نفسها مسؤولة عن العائلة، واكتسابها القوّة اللّازمة لتحمّل المسؤولية والظّروف القاسية معًا، والتي لم تنتج عن النّزوح وحده إنّما عن فقدان العائلة والحماية العائلية، حيث فُرضت عليها أنماط غير مألوفة من التّجربة وأكسبتها القوّة اللّازمة للاستمرار.
"هي الفترة بعد ما توفى أبي وأخواتي راحو، بلشت صير مسؤولة. نحنا ست شباب وخمس بنات، البنات مزوجين، أخت وحدة معنا طلعت معنا (على حوش نصري) كانت وقتها ولدانة بتوم، وبدو مين يساعدها. يعني بتعرفي التوم بدو كتير شغل. صحيح كنا كلنا ببيت واحد، بغرفتين لبيت عمي. فكانت تجربة صعبة كثير، لأن أنا يلي بهتم بدروسي ومحاطة بعائلتي، صرت مسؤولة عن عائلة وفقدت كثير أشخاص. لكن اكسبتني قوة، كل التجارب اللي بيمر فيها الواحد بيتعلم منها، وهيك صار معي..".
وتشير الشّهادتان، إلى أنّ التّجربة، أيًا كانت توصيفاتها صعبة أم سهلة، تؤدّي دورًا أساسيًا في تكوين الهُويّة والذّات. إذ إنّه غالبًا ما تمرّ انطباعات ومعلومات جديدة تساهم في توسيع تصوّراتنا لذواتنا وعالمنا.
أما (م1) فتبيّن أنّها استمرّت كما هي، حيث وصفت نفسها بأنها صاحبة مسؤولية ومبادرة منذ طفولتها، وكانت تؤدّي دور الوسيط "المصلح" داخل الأسرة وتحظى بثقة أفرادها. كما سعت إلى اكتساب استقلال اقتصادي من خلال تعلّم الخياطة وممارستها على الرّغم من الرّفض والتحفّظات الأسرية الأولية، ما يشير إلى امتلاكها هامشًا من الفاعلية واتّخاذ القرار قبل النّزوح. إلَّا أنَّها تُبيّن كيف عزّزت تجربة النّزوح وسياقاته هذه السّمات بصورة أكبر، ووضعتها في مواقف خطرة على النّساء كالمشاركة بالثّورة، والتّنقل تحت القصف لرعاية ابنها، وصولًا إلى اتّخاذ قرار مصيري يخصّ الأسرة، كقرار التّهجير.
"كان أهلي لما يريدوا شيء من أبي، بيبعتوني، بيقولوا إنو بيسمع مني أكثر، ومن لما كنت صغيرة كنت المصلح بالبيت. إذا صار أي زعل بين أمي وأبي أنا بصالحهن. كانت المسؤولية علي رغم أنو ما حدا حملني ياها. درست معهد الفنون والخياطة، كنت حبها وكمان كنت حب يكون عندي مورد اقتصادي لحالي. أول شي ما كان يقبل أبي ولما يقول لا يعني لا. وما فينا نناقشوا. مع هيك كنت خيط لأخواتي، ومرة طلبت الجارة قطعة وخيطتها رغم أمي تقلي شو رح تعملي مع أبوكي، قلتلها قدام الجارة بخيط بغيابو. ومن وقتها صرت خيط ويشوفني عم خيط بعدين عرف والناس تسألوا عني وين بيت الخياطة (فلانة)؟، ولا مرة حكى. لما تزوجت تركت الخياطة، كنت خيط بس إلي ولبعض المعارف. وكان جوزي عم يشتغل. لكن بفترة النّزوح الأولى بريف الشام، كثرت المراكز والمنظمات اللي بتشتغل مع النّساء واشتغلت مدربة خياطة. رغم الوضع كثير كان صعب. مثلا كان ابني مريض، واضطر أخذوا ع منطقة دوما وكان في قصف، ما كان حدا بسترجي يعمل هيك. هي بدها شجاعة أم. وأنا بطبعي كنت مسؤولة وصاحبة قرار. وكنت أطلع مظاهرات والكل بيعرفني، ولهيك قرار التّهجير أنا أخذتو، لأن جوزي قلي إنتي قرري، لما طلعنا بالباصات إجا شخص يخبرنا أنو البلد بدو يصير منيح، لكن ما نزلت لأنها كانت طوق النجاة تبعنا يمكن يسجنوننا أو يقتلونا".
الأمر الذي يجعل التّحولات التي عاشتها مسنودة إلى سمات وأدوار كانت موجودة وحاضرة في حياتها. لكنّ إعادة تفعيل هذه السّمات والمهارات التي امتلكتها وإعطاءها مساحة أكبر للظهور، أتى من خلال ما فرضته سياقات النّزوح على النّساء وتغيّر أدوارهن الاجتماعية من أدوار تنحصر بالأسرة إلى أدوار أكثر علنية في المجال العامّ، تقوم على الاستقلالية واتّخاذ القرار والفاعلية في مواجهة ظروف النّزوح.
في المقابل تبرز تجربة (م5) كاستمرار للهُويّة والشّخصية السّابقة، حيث تؤكّد عدم وجود قطيعة بين هُويتها وتعريفها لذاتها سابقًا وفي ظروف النّزوح، من خلال عرضها لاستمرار بعض عناصر الهُويّة كالصّراحة والتديّن وحبّ مساعدة الآخرين؛ بالتّوازي مع حدوث تحوّلات في أدوارها ومهاراتها الحياتية، وقدرتها العملية لإيجاد أساليب التكيّف مع الوضع الجديد. إذ طرأت تغيّرات على مستوى الأدوار والمسؤوليات وإعالة نفسها على الأقلّ، في ظلِّ غياب المساعدات، من خلال بعض الأعمال المختلفة.
"حياتي متل كل مرة متزوجة مثل الريفيات بتعرفي كيف؟ بنعجن ونخبز وبشتغل بالأرض وبشتغل ممرضة لأن تعلمت ضرب الإبر لما صارت الحرب. أنا بعمل كل شي بالبيت ما بطلع لبرا عندي 3 بنات. من أول شي أنا طيبة القلب وخدومة وبحب ساعد وكريمة كثير، وما بحب المشكلات أنا وضرتي صرلنا 20 سنة أنا المسالمة وبيصير مشكلات لكن بسكت، خصوصي بعد ما صاروا البنات يحسوا. أنا ما تغيرت وبقيت صادقة ومتدينة وبفزع كثير إغلط بحق الناس. هون (في عفرين) تغيرت كتير، صرت أقوى من قبل أنا كان قلبي طيب كثير، وهلأ صرت اعتمد ع حالي، وبشتغل بالمونة والخبز ومرة أخدنا أرض بيتنجان اشتغلت فيها. لأن من 3 سنين وقفت الإغاثة ونحنا عم نعتمد على نفسنا بنشتغل للموظفات، في شغلات بنتساعد فيها كلنا أنا والنسوان في البيت، بس هنن عندهن ولاد صغار لهيك بشتغل لحالي بالخبز مثلًا بالحلويات".
ونتبيّن أنّ استمرار العناصر الجوهرية للذّات، التي تنطوي على القيم ونماذج السّلوك المرغوبة التي أُسّست سابقًا، لا يلغي وجود التحوّلات التي تدفع الأفراد لإعادة النّظر في هُوياتهنّ وتعريف ذواتهنّ. فالهُويّة كما يفسّرها إريكسون تقع في حقل الجذب والثّبات والتّغير، بمعنى المرونة والمحافظة على الأشكال الأساسية الجوهرية في عمليات التّحول.
وعلى عكس بقية التجارب في النّزوح تظهر (م3) أنّ تجربة التّهجير القسري لا تعدّ التّجربة الأقسى التي مرّت بها بعض النّساء، وخاصّة أنّ عديدًا من النّساء تعرّضن للاعتقال، وخضن ظرف الحرب بصورة مختلفة بسبب عملهنّ، ما يجعل أثر الحرب أقسى، حيث تشرح ما سبّبته الحرب والاعتقال من أثار على نفسيتها، جعلتها أكثر خوفًا من الوحدة، وأكثر حساسية تجاه مشاهد العنف، وعدم الرّغبة في التّذكر.
"بهالتجربة ما كان التّهجير هو الصعب، الأصعب الاعتقال خاصّة المرة الثانية بقيت 3 شهور، لأن ما بتعرفي رح تموتي أو رح تطلعي، شو رح يصير. ويمكن لهلأ بسبب الأحداث ويلي شفتو لما كنت عم اشتغل بالهلال، والناس المقتولين، أنا بخاف لما ما يكون زوجي بالبيت بقفل كل الأبواب والشبابيك، وبحب ينام عندي حدا من أهلي أو معارفي، ما بقدر كون لحالي، أنا بقول هي من تجربة الاعتقال، ومن الشي يلي شفتو بفترة التمريض، ما عاد بقدر شوف مشهد عنف حتى بالتلفزيون، وبحس ذاكرتي ضعيفة. بالنّزوح فيني قول أنو أنا وزوجي يعني شخصيتنا إنه كثير بنندمج، فما كتير تأثرنا، يمكن بالمناسبات شوي بيصير ضغط وبنتذكر أهلنا، أما باقي الأحيان بيكون الشغل عم يشغلك والعائلة وبيكون كل شي أخف ضغط. اشتغلت من وقت طلعت لوقت رجعنا. غيرت كثير شغل بين الدعم النفسي وبالصحة والتدريس. ما كان الشغل ثابت. حتى حاليًا أنا بشتغل بعقد مع الدولة بعد ما رجعنا لقيت شغل بسرعة".
يُظهر حديث المشاركة الهُويّة كخبرة نفسية متأثّرة بالصّدمات الحياتية، حيث تعيد ترتيب سلم المعاناة، وتبرز أنّ الاعتقال هو نقطة تحوّل أساسية في شخصيتها وإدراكها للأمان. كما توضّح أنّ إيجاد العمل عدا عن كونه مصدر دخل ويؤمّن الاستقرار، فهو أداة لمقاومة الانهيار النّفسي وإعطاء الحياة معنى الاستمراريّة.
وبالعموم، تظهر المقابلات أنّ تجربة النّزوح ساهمت في إبراز التّحولات في الهُويّة من دون أن تؤدّي الى انهيار الهُويّة الأساسية لديهنّ. كما أنّ التّحولات لم تكن خطية أو متشابهة بينهنّ، حيث برز عديد من العناصر مثل العمر، والتّعليم، والفرص المتاحة، وشبكات الدّعم كأساس في بناء هوياتهنّ التي جمعت بين عناصر الاستمراريّة والتغيّر، إذ حافظت المشاركات على قيم وصفات عددنها جوهرية في شخصياتهنّ، بالتّوازي مع اكتساب أدوار وخبرات جديدة.
ثالثًا: إعادة بناء الهُويّة الفردية والاجتماعية في سياق انتقال قسري
شكّلت تجربة النّزوح القسري مفارقات كبيرة في حياة النّساء المشاركات من فقدان المنزل، والانفصال عن الحيّ والجيران وشبكة العلاقات الاجتماعية اليومية التي تمنحهن شعورًا بالاستقرار والانتماء، إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار وصعوبة العودة، وتغيّر البيئات الأصلية، وصولًا إلى تبنّي أدوار مختلفة وإعادة بناء هويتهن الفردية والاجتماعية في سياقات مختلفة. وبرزت إعادة بناء الهُويّة من خلال عودة بعضهنّ إلى التّعليم والعمل والبحث المستمرّ عن الفعالية الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي.
تصف (م4) تجربتها في إطار النّزوح كمسار تصاعدي في تعزيز الذّات. فبعد أن اضطرت إلى ترك الدّراسة نتيجة الظروف الاقتصادية، تمكّنت من استئناف تعليمها والانخراط في العمل المجتمعي، لتنتقل تدريجًا من مواقع تنفيذية بسيطة إلى مواقع قيادية وإدارية. وتشير هذه المسيرة إلى أنّ النّزوح، على الرّغم ممّا فرضه من صعوبات، أتاح لها فرصًا جديدة لإعادة تشكيل موقعها الاجتماعي والمهني. ويبرز إدراكها لذاتها ولقدرتها، من خلال ربط نجاحها وما حققته من مناصب ومكانة اجتماعية بالقرار الشّخصي والاجتهاد لتحقيق هدفها. وكذلك تبرز تحوّلات العلاقة الجندرية داخل الأسرة، عبر انتقالها من الخضوع للقيود الاجتماعية وحالات المنع من التّفاعل مع الرّجال، إلى امتلاك الحرية والاستقلالية وإقناع الآخرين (الدائرة القريبة) بدورها.
"لما طلعنا تركت المدرسة، وبعد أربع سنين رجعت وكملت دراستي، واضطريت اشتغل شغلين لأجمع قسط المعهد للبكالوريا. بعدها اشتغلت بالعمل المجتمعي مع المنظمات، وتدرجت فيه لحد ما صرت مديرة لبرنامج مستقل حول الصحة الإنجابية وعندي فريقي الخاص.. صرت بمستوى مختلف وبطلع على التلفزيون وبندعى مع الوزراء. فيني قول تجربة النّزوح خلتني أكثر قوة، وصارت شخصيتي أحسن. بس مو هي يلي عطتني تقدير لذاتي، أنا أخذت قرار أنو لازم صير شيء. بتذكر أول مرة سلمت فيها على رفيق شب ضربني أخي، أما هلأ بسافر وبشتغل وبطلع مع زملاء رجال وبتصور معهم وأخي ما عاد يعترض. أنا فعليًا أثرت على دائرتي الصغيرة، وتغيرت هويتي على مستوى الذّات والوجود والفعل".
تتجلّى هنا التّحولات التي تمس هُويتها ونظرتها إلى ذاتها، التي تأخذ مسارًا مستمرًا من التغيّرات تبدأ من الخسارة إلى التكيّف مع الظروف الجديدة وصولًا إلى إعادة بناء الذّات وتوسيع مجالات الفعل الاجتماعي. ما جعل تجربتها في إعادة بناء الهُويّة عملية فردية واجتماعية في آن واحد.
فيما تذكر (م7) بحثها المتواصل عن عمل لإيجاد الفرصة الملائمة، وما رافقها من الإحباط، نتيجة عدم القدرة على إثبات ذاتها داخل البيئة الجديدة، إلَّا أنَّها تبيّن عدم استسلامها للواقع وسعيها لتطوير تجاربها ومهاراتها وتوسيع شبكة علاقاتها المهنية والاجتماعية. والأهمّ أنّها لا ترى النّزوح بوصفه تأسيسًا لهُويّة مختلفة، فهُويتها الأساسية لم تتعرّض لقطيعة فقد استمرّت كما هي، وأضافت إليها تجربة النّزوح طبقات من إعادة بناء الذّات على أسس تتعلق بالاستقلالية والقدرة على اتّخاذ القرار والكفاءة الفردية بوصفها معطيات للشّعور بالأمان.
"غير المسؤولية والصعوبات يلي عشتها، كنت بالأول إقعد ساعات دور على شغل، لفترة 6 شهور متواصلة هذا استهلكني كثير وحسيت بالإحباط والانكسار، لدرجة قدمت على حارس ليلي بمنظمة. واشتغلت على توسيع علاقاتي، وكنت بالصدفة عم إحكي مع واحدة من رفقاتي وراحت قدمتلي على منظمة بتشتغل بحماية النّساء بس موجودة بسلقين، وانتقلت أنا وأخي لهنيك، وأهلي تركوا كفر تخاريم ونزلوا ع إدلب، رحت اشتغلت ما كان الشغل كثير مريح المحيط ما بيشبهني.. لكن أنا منفتحة وبحب احتك بالناس، هي التجربة طورتني وكبرتني. مو بالعمر، بالإحساس لأن صرت مسؤولة عن كل التفاصيل الصغيرة. أنا رجعت على الدّراسة بعد ما استقريت بـ 2022 وأخدت الليسانس إنكليزي. النّزوح عمل كتير تغير بمحلات إيجابي وبمحلات العكس، لكن كهُويّة أساسية ما بحس إنو غيرني، لكن غير طريقة تعاطيي مع ذاتي ومع الآخرين. يمكن أضاف طبقات على هويتي. مثلًا الأمان. أنا من جوا كون حاسة بالأمان كان بيتعلق بمين حولي محيطي أهلي مثلًا. أما حاليًا إحساس الأمان صار بيتعلق فيني ـ إنو أنا شو عندي موارد وشو بعرف أعمل وكيف بلاقي فرصي بمحل جديد. أنا انتقلت لإنسان مستقل وناجح. حاليًا إلي شهر انتقلت بشغلي ع الشام. أنا بتجربة جديدة ومختلفة عن كل شيء سابق. بلشت حب الشام لكن أنا فعليًا لا أنتمي للأماكن. ولسا في تفاصيل لازم حلها ولسا ما تأقلمت كثير على الحياة".
تقدّم هذه الشّهادة مفهوم الهُويّة بوصفها إطارًا متغيرًا باستمرار، والذي يتوافق مع تصوّر ميكشيللي بأنَّ الهُويّة ليست ثابتة ولا منقطعة عن الماضي، بل عملية مستمرة من التشكّل وإعادة التشكّل.
وتبيِّن (م1) أنَّ إعادة بناء الهُويّة في النّزوح لم تقتصر على التكيّف مع الظّروف الجديدة واكتساب مهارات مهنية، والقيام بأدوار اجتماعية مختلفة، إنّما امتدّت نحو تعزيز الشّعور بالفاعلية الاجتماعية والانخراط في الشّأن العامّ، والترشّح لانتخابات اللجنة الفرعية في إحدى الهيئات. ما عزّز شعورها بالكفاءة والقدرة على اتّخاذ القرار، وساهم في إعادة تعريفها لذاتها بوصفها شخصية قادرة. وذلك على الرّغم من صعوبات المسؤولية في ظلِّ فقدان العمل بالنّسبة إلى الرّجال، وإلقاء الأعباء الاقتصادية على المرأة وعدم تقبّل المجتمع لكلّ ما تقوم به النّساء، وعدم تقديرهنّ لجهدها في مقابل المحافظة على العادات والتّقاليد. كما يبرز بعدٌ آخر في إعادة بناء الهُويّة يتمثّل بأنَّ تجربة الحرب والنّزوح دفعت عدد من النّساء ليكن ملتزمات بقضية تحقيق العدالة، ومن ثمّ تصبح التّجربة الشّخصية دافعًا للانخراط في قضايا الضّحايا والدّفاع عنها.
"بعدما قعدنا بعفرين، اشتغلت مع منظمات الإغاثة أول شي، وهي عملتلي علاقات أكبر مع الناس، واشتغلت بوحدة دعم وتمكين المرأة، بالإضافة لعملي كمدربة خياطة ومنسقة بمنظمة. هاي التجارب كانت تقويني أكثر. رشحت حالي لرئاسة اللجنة الفرعية بعفرين وفزت بالانتخاب، وصرت أشعر أني تعلمت كثير وصرت أقوى. وأخذت كثير قرارات.. صحيح كان في كثير صعوبات، وعانيت بشغلة أنو جوزي قاعد بلا شغل وأنا كنت عم اشتغل، والعالم حولي كلهم بيقولوا طلعت وعم تشتغل وليكوا مين وصلها، هي قصة العادات يلي حاملينها معنا من الغوطة وبتكون بكل محل، وهنن بيعرفوا انو إذا قعدت ما حدا رح يقدملنا شي، وبنموت من الجوع. أنا كنت مسؤولة عن البيت مثل أي امرأة فقدت زوجها، لكن كنت متصالحة مع هذا الواقع. أنا مثل ما بيقولوا لي إنتي قدها. حاليًا بحس إني تطورت أكثر وانجبرت إتكيف. والأهم أني بعدني صاحبة قضية، ولهيك انضميت لجمعية العدالة لضحايا الكيماوي. بحس لازم نحكي عن الناس يلي ما عاد في حدا يحكي قصصهم، ولازم نكمل المطالبة بالعدالة".
ما يدلّ على أنّ الهُويّة هي أكثر من مجرّد قائمة مرجعية خارجية من السّمات التي تعرّف عن الفرد، إنّما تشمل العوامل المادّية، والنّفسية، والاجتماعية، فالإنسان لا ينطلق من فراغ إلَّا أنَّه يأخذ وضعيته في إطار العلاقات، ويعيد تعريف ذاته وموقعه في المجتمع وفقًا لمكتسباته.
بينما تؤكّد المشاركتان (م2) و(م3) أنّ الانخراط بالعمل بصورة سريعة أدّى دورًا أساسيًا في تسهيل الانتماء للأماكن التي هجرن قسرًا إليها. وتظهر (م2) انتقال الانتماء من انتماء أحادي مرتبط بمكانها الأصلي، إلى انتماء أكثر مرونةً أو تعدّدًا. حيث تصرّح بانتمائها لعفرين بوصفها المكان الذي اكتسبت فيه تعليمها، ونمت فيه تجاربها القائمة على شبكة العلاقات وزيادة الموارد الشّخصية، التي تعدّ جزءًا من مسارها الحياتي ومن تشكّل هُويتها بصورة أكثر انفتاحًا. وتقدم إشارات إلى تباين التّجارب في النّزوح ولأدوار النّساء في هذه التّجربة بوصفها أدوارًا أساسية، يجدر البناء عليها.
"أكيد أنا بنتمي لمنطقتي الأولى، بس حسيت بالانتماء لعفرين وبذاك الوقت كنت عم اقوى أكثر والشغل كان بعيد نسبيًا وكنت امشي بالطرقات براحة كأني في بيتي أو بلدي. بالمناسبة لدي هُويّة المجلس العفريني- الحكومة المؤقتة، ومكتوب عفرين. وتجربة النّزوح بالنّسبة إلي محزنة أكيد ولكن ما أثرت فيني بشكل سلبي، على عكس الحصار، بهذا الوقت كنت بدي قدم البكلوريا وما قدرت هنيك. وتابعت دراستي هناك (في إدلب)، الشهادة التركية وحاليًا كله معترف فيه. بالحقيقة فيني قول تجربتي صعبة، بس بنفس الوقت فتحتلي آفاق، التعلم والتجارب والتعرف ع ناس جداد، هي التجربة طورتني وغيرتني، مثل كثير نساء حتى يلي ما لقوا فرص أو تعلموا تحدوا وصاروا أقوى، ومن يلي تعرفت عليهن بالشغل معهن، بعرف إنو في منهن عملتلهن هشاشة وحسوا بالإحباط، بس تحدوا واقعهن وفعليًا فيني قول بثقة إنو تدبير الحياة بالحرب كان كلو ع النّساء، وهذا ما حدا بيشوفوا كانت الوحدة تكون بأكثر من محل لتأمن كل شي لازم، وتشتغل أكثر من الرجال، لكن المجتمع بيضل يرجعهن لورا".
وتكشف الشّهادة أنّ تأثير النّزوح لم يكن واحدًا على الجميع، ما ينفي إمكانية التّعميم في ما يخصّ توصيف الضّحايا الذي يرافق النّزوح، حيث تعتمد النّساء استراتيجيات مختلفة في التكيّف وأساليب أخرى للمقاومة، ومنها العمل الذي يعدّ وسيلة لإعادة بناء الثّقة بالنّفس واكتساب مكانة اجتماعية جديدة. لذلك يبدو العمل هنا ليس مصدرًا للدّخل فقط، بل مصدر للهُويّة والاعتراف الاجتماعي.
وبالعموم، تبيّن هذه المقابلات أنّ تجربة النّزوح لا تنتج نمطًا واحدًا من التحوّلات الهُوياتية، إذ إنّ هذه التّحولات تتشكّل وفق الموارد الفردية، وفرص العمل، وشبكات الدّعم، وغيرها. وأنّ هذه التّجارب جعلت الانتماء لدى بعضهنّ أكثر مرونة، إذ لا يتعلّق الانتماء بالمكان فقط، وإنّما بالقدرة على إيجاد الأمان والاستقرار والقبول الاجتماعي.
استنتاجات الدّراسة وتوصياتها
تبيّن الدّراسة أنّ تجربة النّزوح لدى المشاركات لا تعني فقط فقدان المسكن أو الانتقال المكاني، إنّما تمثِّل عملية اجتماعية ونفسية معقدّة في إعادة تشكيل علاقتهنّ بالمكان والذّات والمجتمع. فالنّزوح القسري بقدر ما يؤدّي إلى خسارات كبيرة على مستوى الاستقرار والانتماء والمكانة الاجتماعية، يمكن أن يتيح في الوقت نفسه لبعض النّساء فرصًا لتطوير أدوار جديدة وتعزيز قدراتهنّ على التكيّف والاعتماد على الذّات، بحيث تظهر الهُويّة لدى المشاركات بوصفها عملية ديناميكية تجمع بين الاستمراريّة والتّغير، تتداخل فيها عناصر الماضي مع الخبرات الجديدة التي فرضتها ظروف الحرب والنّزوح. وأهم ما استخلصناه من المقابلات المعمّقة:
أولًا: الشّعور بالانتماء والاستقرار المكاني
أظهرت المقابلات أنّ فقدان المكان لم يكن مجرد انتقال جغرافي من منطقة إلى أخرى فقط، إنّما هو فقدان لشبكة العلاقات الاجتماعية والذّكريات والرّموز المرتبطة بالبيت والحيّ والمجتمع المحلي. وأنّ الحنين إلى المكان يرتبط بالبحث عن الاستقرار والأمان أكثر من ارتباطه بالبناء المادّي ذاته، إذ شكّل المنزل فضاءً للانتماء والهُويّة والاستمراريّة العائلية.
بيّنت بعض الشّهادات مشاعر فقدان المكانة الاجتماعية أو التّراجع الاقتصادي، خاصّة لدى النّساء اللواتي انتقلن من أوضاع مستقرة إلى ظروف معيشية هشّة.
كشفت المقابلات أنّ الشّعور بالغربة لم يرتبط فقط بالابتعاد عن المكان الأصلي، بل أيضًا بصعوبة الاندماج الاجتماعي والاختلافات الثّقافية بين المجتمعات المحلّية والنّازحين. وقد تعرّض بعض المشاركات لأشكال مختلفة من الوصم أو التّمييز المرتبط بصفة "النّازحة"، ما أثّر في شعورهنّ بالقبول والانتماء. وتعرّض بعضهنّ إلى الوصم بعد عودته إلى منطقته الأصلية نتيجة عدم تقدير ما تعرّضت له النّازحات.
في المقابل ساهمت العلاقات الاجتماعية الجديدة وشبكات الدعم في تخفيف الإحساس بالغربة لدى بعض النّساء، بينما استمرّ هذا الشّعور لدى أخريات على الرغم من طول فترة الإقامة في مناطق النّزوح.
كشفت الشّهادات أنّ العودة إلى المناطق الأصلية لا تعني بالضّرورة استعادة الشّعور بالانتماء، بسبب الدّمار، وغياب الرّوابط العاطفية، وتغيّر البنية الاجتماعية للمجتمعات المحلّية.
برزت فروق بين النّساء في علاقتهنّ بالمكان، فبعضهنّ حافظن على ارتباط قوي بمناطقهنّ الأصلية، بينما أعادت أخريات بناء أشكال جديدة من الانتماء في أماكن النّزوح.
أظهرت النّتائج أنّ الانتماء أصبح أكثر مرونة لدى بعض المشاركات، إذ لم يعد مرتبطًا حصريًا بالمكان الأصلي، بل بالقدرة على إيجاد الأمان والقبول الاجتماعي في المكان الجديد.
ثانيًا: إعادة بناء الهُويّة الفردية والاجتماعية في سياق انتقال قسري
أظهرت نتائج الدّراسة أنّ النّزوح ساهم في توسيع أدوار النّساء داخل الأسرة وخارجها، حيث تحوّلت بعض المشاركات إلى معيلات أو مساهمات أساسيات في تأمين الدّخل.
دفعت ظروف النّزوح عديدًا من النّساء إلى الانخراط في سوق العمل أو العمل المجتمعي والإنساني، وهو ما أتاح لهنّ اكتساب مهارات وخبرات جديدة لم تكن متاحة لهنّ سابقًا.
لم يكن هذا التحوّل خطيًا أو متشابهًا بين جميع المشاركات، إذ ارتبط بدرجة التّعليم والعمر والفرص المتاحة وشبكات الدّعم الاجتماعي.
على الرّغم من التّغيرات التي طرأت على الأدوار الاجتماعية، استمرّت بعض المشاركات في تعريف أنفسهنّ من خلال أدوارهنّ الأسرية التّقليدية بوصفها جزءًا أساسيًا من هُويتهنّ.
ثالثًا: التّحولات في الهُويّة والذّات
بينّت المقابلات أنّ النّزوح أدّى إلى مراجعة النّساء لتصوراتهنّ عن أنفسهنّ، وأعاد تشكيل علاقتهنّ بالاستقلالية والمسؤولية واتّخاذ القرار.
اكتسبت عديد من المشاركات شعورًا أكبر بالقوّة والاعتماد على الذّات نتيجة مواجهة ظروف الحرب والنّزوح، وهو ما انعكس على إدراكهنّ لذواتهنّ.
أظهرت النّتائج أن الهُويّة لم تتغير بصورة كاملة، وإنّما جمعت بين عناصر الاستمراريّة والتغيّر، إذ حافظت المشاركات على قيم وصفات عددنها جوهرية في شخصياتهنّ، بالتّوازي مع اكتساب أدوار وخبرات جديدة.
التّوصيات
على الرغم من أنَّ أغلبية المشاركات كنّ محبطات من واقع الحكم القائم بعد نحو عام ونصف على سقوط النّظام السّابق، إلَّا أنَّ ذلك لا يعفي من تقديم توصيات أرى أنها ضرورية لمعالجة الآثار الاجتماعية والإنسانية للنّزوح، ومن أجل تعزيز فرص الاستقرار وإعادة الاندماج الاجتماعي. وتنطلق هذه التّوصيات من المعطيات التي كشفت عنها المقابلات، ومن المسؤولية العامّة للدّولة تجاه مواطنيها، بصرف النّظر عن تقويم المشاركات لأدائها أو مستوى الثّقة القائم بينها وبين الفئات المتضرّرة. حيث تظهر نتائج الدّراسة أنّ إعادة بناء البيوت والبنى التّحتية، يجب أن تترابط مع إعادة بناء الرّوابط الاجتماعية، وتعزيز الشّعور بالانتماء والاعتراف الاجتماعي، وتمكين الأفراد من استعادة قدرتهم على رسم مسارات حياتهم واتّخاذ قراراتهم داخل مجتمعاتهم. ما يتطلَّب الاعتراف بتجربة النّزوح وآثارها، وتعزيز الاندماج ومكافحة الوصم، والتّمكين الاقتصادي والاجتماعي للنّساء، والعودة وإعادة الاستقرار.
المراجع
جون لوك، الأعمال الفلسفية الكاملة، عبد الكريم ناصيف (مترجم)، ط1 (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر، 2019).
بيتر كوزين، البحث عن الهُويّة "الهُويّة وتشتتها في حياة إيريك إيركسون وأعماله"، سامر جميل رضوان (مترجم)، ط 1 (العين- دولة الامارات المتحدة: 2010).
أليكس ميكشيللي، الهُويّة، علي وطفة (مترجم)، ط 1 (دمشق: درا الوسيم للخدمات الطباعية، دار النشر الفرنسية Presses universitaires de France، 1993).
الهوامش
- سري نسيبة، "أماريتا سن والهُوية"، مجلة تبين، العدد 133، (5 شباط/ فبراير 2022). ^
- تعريف ومعنى هوية في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي. تعريف ومعنى هوية في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي. ^
- سري نسيبة. ^
- جون لوك، الأعمال الفلسفية الكاملة، عبد الكريم ناصيف (مترجم)، ط 1 (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر، 2019)، ص 424-425. ^
- بيتر كوزين، البحث عن الهُوية "الهُوية وتشتتها في حياة إيريك إيركسون وأعماله"، سامر جميل رضوان (مترجم)، ط 1 (العين- دولة الامارات المتحدة: دار الكتاب الجامعي، 2010)، ص 93-97. ^
- أليكس ميكشيللي، الهُوية، علي وطفة (مترجم)، ط 1 (دمشق: دار الوسيم للخدمات الطباعية/ دار النشر الفرنسية Presses universitaires de France، 1993)، ص15. ^
- ميغان ماكينزي، "المقاتلات في سيراليون: الجنس، الأمن، والتنمية في مرحلة ما بعد الصراع"، مهيتاب علي (مترجمة)، مجلة حكمة، (18 تموز/ يوليو 2016). ^
- أليكس ميكشيللي، ص 49. ^
- التقرير السنوي الرابع عشر، عن حالة حقوق الإنسان في سورية 2024، (سقوط نظام الأسد: ذاكرة الانتهاكات وأفق المحاسبة)، مجلة حكمة، (الاثنين 19 أيار/ مايو 2025)، ص 34. ^
- الأمم المتحدة، لمحة عن النازحين داخليًا، المقرِّر الخاص المعني بحقوق الإنسان للنازحين داخليًا، لمحة عن النازحين داخليًا. ^
- مع استمرار الحرب في سورية يزداد عدد النّساء العاملات، دويتشه فيلة، تاريخ النشر 29/8/2022. مع استمرار الحرب في سورية يزداد عدد النّساء العاملات. ^
- ديفيد سبارتي، "الهُوية وإحراجاتها: من الهُوية الشخصية إلى الاعتراف الاجتماعي"، زواوي بغورة (مترجم)، مجلة تبين، العدد 177 (15حزيران/ يونيو 2022). ^
- أليكس ميكشيللي، ص 34. ^
- بيتر كوزين. ص 97، 118. ^
- صالح الدين لعريني، "مفهوم الهابيتوس عند بير بورديو"، دراسة مقدمة في جامعة سيدي محمد بن عبد الله، مجلة العلوم الاجتماعية، فاس- المغرب (1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014). مفهوم الهابيتوس عند بير بورديو. ^
- عواطف علي خريسان، السلطة والهُوية وتشكيل الذاكرة الجمعية، مجلة الاناسة، العدد 06 (ديسمبر 2019)، ص 107- 126 ^
