من الصمود إلى التراكم الاقتصادي
تحميل المقال (PDF)ملخّص
تناقش هذه الورقة واقع المشاريع الاقتصادية الصغيرة في شمال غرب سورية، وحصرًا تلك التي أسستها نساء سوريّات نازحات وعائدات ممن استفدن من برامج التمكين الاقتصادي، التي نفذتها منظمات المجتمع المدني منذ عام 2018. وتعيد قراءة هذا الواقع في ضوء التحولات السياسية التي شهدتها سورية منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024 وما رافقها من موجات عودة واسعة للاجئين/ات والنازحين/ات.
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أنَّ أغلبية المشاريع الفردية المدعومة خلال سنوات النزوح، نشأت ضمن منطق دعم سبل العيش والاستجابة للهشاشة الاقتصادية، أكثر من تأسيسها ضمن مقاربة حقوقية أو تنموية تستهدف التمكين الاقتصادي الهيكلي للنساء. وعلى الرغم من مساهمة هذه المشاريع في تعزيز قدرة النساء على الصمود وتوفير دخل محدود للأسر، إلَّا أنَّها بقيت محدودة التأثير من حيث بناء تراكم اقتصادي مستدام، ولم تسعَ لدمج النساء في شبكات إنتاج وتمويل وأسواق قادرة على الاستمرار بعد العودة.
كما تناقش الورقة أنَّ لحظة العودة لا تمثِّل خطرًا على هذه المكاسب وحسب، بل تفتح أيضًا نافذة لإعادة تصميم سياسات التمكين الاقتصادي من خلال الربط بين مشاريع النساء في مناطق النزوح والعودة ضمن شبكات إنتاج وتعاون وتراكم اقتصادي أكثر استدامة، بما يساهم في بناء اقتصاد نسوي أكثر عدالة وقدرة على المشاركة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
تنطلق الدراسة من سؤال محوري مفاده: كيف يمكن الانتقال من مشاريع فردية قائمة على منطق الصمود وسبل العيش إلى بنية إنتاجية أكثر تكاملًا وقدرة على دعم مشاركة النساء في عمليات التعافي وإعادة الإعمار، بما يساهم في بناء اقتصاد نسوي أكثر عدالة في سورية؟
تعتمد الورقة على مقاربة نوعية، تستند إلى خمس عشرة مقابلة معمقة مع نساء استفدن من برامج دعم سبل العيش والتمكين الاقتصادي، وتستفيد من أدبيات الاقتصاد النّسوي والتعافي المبكر لتحليل أثر الانتقال الجغرافي بين مناطق النزوح ومناطق العودة على استمراريّة هذه المشاريع.
وتبين نتائج الدراسة أن النساء يواجهن خمس فجوات بنيوية رئيسة تتمثَّل بفجوة التشغيل، وفجوة الاستمراريّة، وفجوة القوننة، وفجوة التصميم الإنتاجي، وفجوة المعلومة الجغرافية، وهي فجوات تكشف حدود نموذج التمكين القائم على المشاريع الفردية وتفسر هشاشة المكاسب الاقتصادية المتحققة خلال سنوات النزوح.
مقدّمة
منذ عام 2011، أعادت موجات النزوح واللجوء واسعة النطاق تشكيل الجغرافيا البشرية والاقتصادية في سورية، وأنتجت تحولات عميقة في أدوار النساء الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظلِّ فقدان عدد كبير من الأسر لمصادر دخلها التقليدية، وارتفاع أعداد النساء المعيلات لأسرهن، برزت في مناطق شمال وشمال غرب سورية منظومة واسعة من برامج التمكين الاقتصادي التي نفذتها منظمات المجتمع المدني بهدف التخفيف من آثار الفقر وتعزيز قدرة النساء على مواجهة التدهور المعيشي.
وقد أظهر بحث ميداني سابق أجريته كباحثة عام 2023 في مناطق شمال وشمال غرب سورية[1] أن هذه البرامج، على الرغم من أهميتها بوصفها شبكة نجاة اقتصادية للنساء النازحات، اتّسمت ببنية فردية قائمة على منح صغيرة ومشاريع متفرقة تلقّت دعمًا ماليًا محدودًا يُراوح غالبًا بين 800 و1250 دولارًا أميركيًا[2]، وفق معايير اختيار استندت بصورة رئيسة إلى مؤشرات الهشاشة الاجتماعية، كون المرأة معيلة أو أرملة أو مطلقة، أكثر من استنادها إلى تقويم الجدوى الاقتصادية أو إلى رؤية إنتاجية طويلة الأمد. كما تركزت أغلبية هذه المشاريع في أنشطة تقليدية مثل الخياطة، وصناعة الألبان والأجبان، والحرف اليدوية، وتربية الدواجن، وهي أنشطة ارتبطت تاريخيًا بالأدوار المنزلية والاجتماعية المنسوبة للنساء.
وتكشف قراءة نسوية نقدية أجريتها أيضًا لهذه البرامج[3] أن منطق "الهشاشة والإعالة" الذي حكم تصميمها وتنفيذها أعاد إنتاج صورة المرأة بوصفها متلقية للدعم وممتدة لوظيفتها الأسرية، أكثر من الاعتراف بها كفاعلة اقتصادية تمتلك حقًا أصيلًا في الوصول إلى الموارد وفرص العمل والتمويل. كما أن هذه المشاريع، على الرغم من أهميتها في توفير دخل محدود للأسر وتعزيز القدرة على الصمود خلال سنوات النزوح، بقيت عاجزة عن إحداث تحول هيكلي في الموقع الاقتصادي للنساء، لافتقارها إلى بنية تراكمية تربط بين الإنتاج والتمويل والتسويق ضمن دورات اقتصادية أكثر استدامة.
ومع التحوّلات السياسية منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، ورحيل الأسد، شهدت سورية موجات عودة واسعة للاجئين/ات في دول الجوار، والنازحين/ات في الداخل السوري. وتشير التقديرات الدولية لعام 2025 إلى عودة أكثر من 1.2 مليون لاجئ سوري من دول الجوار، وما يقارب مليوني نازح داخلي، في حين لا يزال نحو سبعة ملايين سوري يعيشون في مخيمات النزوح أو مجتمعات الاستضافة[4]. وتأتي هذه العودة في ظلِّ اقتصادٍ منهكٍ، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور البنية التحتية والخدمات الأساسية، وهي عوامل تصفها التقارير الدولية بأنها من أبرز التحديات التي تواجه استدامة العودة وإعادة الاستقرار[5]. ما يتطلَّب إعادة التفكير في مصير هذه المشاريع بعد عودة المستفيدات منها.
وتشير أدبيات ما بعد النزاع إلى أن التحولات السياسية وعمليات العودة لا تؤدّي بالضرورة إلى الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي تحققها النساء خلال فترات الأزمات، إنما قد تساهم في إعادة إنتاج أنماط التهميش السابقة من خلال تركّز فرص العمل وموارد إعادة الإعمار في قطاعات يهيمن عليها الرجال، أو من خلال عودة النساء إلى أدوار اجتماعية واقتصادية أكثر تقليدية. وتؤكد تجارب دولية عديدة هذه الدينامية[6]؛ ففي البوسنة والهرسك، على سبيل المثال، لم تتحول المشاركة الاقتصادية المتزايدة للنساء خلال سنوات الحرب إلى مكاسب مستدامة بعد انتهاء النزاع، إذ تراجعت مساهمة النساء في عدد من القطاعات الاقتصادية مع انطلاق عملية إعادة الإعمار وإعادة ترسيخ أنماط تقليدية لتوزيع الأدوار بين الجنسين.
في المقابل، تتيح المراحل الانتقالية فرصًا لإعادة بناء الأطر القانونية والمؤسَّساتية والاقتصادية بصورة أكثر شمولًا وعدالة، بما يسمح بإعادة النظر في طبيعة التدخلات الاقتصادية الموجهة للنساء وآليات تصميمها. ما يعيد طرح أسئلة جديدة تتجاوز تقويم هذه المشاريع في أثناء النزوح إلى التساؤل حول مصيرها بعد العودة.
فإذا كانت هذه المبادرات قد ساهمت في تعزيز قدرة النساء على الصمود خلال سنوات النزوح، فهل تستطيع الاستمرار في سياق اقتصادي وجغرافي جديد؟ وهل يمكن البناء على ما راكمته النساء من خبرات ومهارات ومشاريع صغيرة لتحويله إلى قاعدة إنتاجية أوسع تساهم في مرحلة التعافي وإعادة البناء، أم أن هذه المكاسب ستبقى عرضة للتأكّل والتلاشي مع انتقال النازحات إلى أماكنهم الأصلية التي هُجرن منها؟ الانتقال إلى مناطق العودة؟ من هذا السؤال تنطلق هذه الدراسة لإعادة قراءة واقع المشاريع الاقتصادية للنساء النازحات والعائدات، واستكشاف إمكانيات الانتقال بها من مبادرات فردية متفرقة إلى مداخل لبناء اقتصاد نسوي أكثر استدامة وعدالة.
إشكالية الدراسة
تبرز إشكالية الدراسة من التساؤل حول مصير المكاسب الاقتصادية التي راكمتها النساء في سنوات النزوح، من خلال المشاريع الصغيرة التي أسسنها، والمهارات التي اكتسبنها، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي بنينها في مناطق النزوح. فبينما ركزت أغلبية برامج التمكين الاقتصادي خلال السنوات الماضية على دعم مشاريع فردية صغيرة بوصفها أدوات لتحسين سبل العيش وتعزيز القدرة على الصمود، لم يُختبر بعد مدى قدرة هذه المشاريع على الاستمرار والانتقال والتكيف في سياق العودة وإعادة بناء الحياة الاقتصادية في المناطق الأصلية.
ومن هذا المنطلق، لا تنحصر إشكالية الدراسة في تقويم نجاح المشاريع الاقتصادية الصغيرة التي أسستها النساء خلال سنوات النزوح، بل تتجاوز ذلك إلى فحص حدود نموذج التمكين الاقتصادي القائم على المشاريع الفردية ذاته، واستكشاف إمكانية تحويل ما راكمته النساء من خبرات ومبادرات اقتصادية إلى قاعدة إنتاجية أكثر استدامة في مرحلة العودة.
وعليه، تنطلق الدراسة من سؤال محوري مفاده: كيف يمكن الانتقال من مشاريع فردية قائمة على منطق الصمود وسبل العيش إلى بنية إنتاجية أكثر تكاملًا وقدرة على دعم مشاركة النساء في عمليات التعافي وإعادة الإعمار، بما يساهم في بناء اقتصاد نسوي أكثر عدالة في سورية؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تعتمد الدراسة على تحليل المقابلات المعمقة مع النساء النازحات والعائدات، وربط نتائجها بأدبيات الاقتصاد النّسوي والتعافي المبكر لفهم التحديات التي تواجه استمراريّة هذه المشاريع، والفرص التي تتيحها المرحلة الانتقالية لإعادة تصميمها ضمن مقاربة أكثر استدامة وعدالة.
هدف الدراسة وأهميتها
تهدف هذه الدراسة إلى إعادة قراءة واقع المشاريع الاقتصادية التي أسستها النساء النازحات والعائدات في شمال وشمال غرب سورية في ضوء التحولات السياسية وموجات العودة التي تشهدها البلاد منذ أواخر عام 2024، وتحليل قدرة هذه المشاريع على الاستمرار والانتقال من أدوات للصمود وتحسين سبل العيش إلى مكونات أكثر استدامة ضمن الاقتصاد المحلي. كما تسعى الدراسة إلى استكشاف التحديات البنيوية التي تواجه النساء في الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي تحققت خلال سنوات النزوح، وفحص إمكانيات تطوير هذه المشاريع ضمن مقاربات تعاونية وإنتاجية وقانونية أكثر اتساقًا مع مبادئ الاقتصاد النّسوي.
وتنبع أهمية الدراسة من تناولها قضية لا تزال محدودة الحضور في الأدبيات السورية المعاصرة، تتمثَّل بالعلاقة بين التمكين الاقتصادي للنساء ومراحل العودة والتعافي وإعادة الإعمار. ففي وقتٍ تركز فيه معظم الدراسات على تقويم أثر المشاريع الاقتصادية في أثناء النزوح، تنتقل هذه الدراسة إلى فحص مصير تلك المشاريع في المرحلة الانتقالية الراهنة، وما إذا كانت قادرة على التحول إلى قاعدة إنتاجية تساهم في عمليات التعافي وإعادة الإعمار، أم أنها ستبقى محصورة ضمن منطق الاستجابة للهشاشة وتخفيف الأعباء المعيشية.
كما تكتسب الدراسة أهميتها من الوضع الراهن السوري نفسه، إذ إن القرارات التي تتّخذ اليوم من المؤسَّسات العامة والمنظمات والجهات المانحة بشأن دعم اقتصاد العودة وإعادة الإعمار ستؤثر بصورة مباشرة في موقع النساء داخل الاقتصاد الناشئ. ومن ثم تسعى الورقة إلى المساهمة في توجيه النقاش نحو مقاربة حقوقية وإنتاجية تتجاوز منطق الهشاشة الذي حكم جزءًا كبيرًا من برامج التمكين الاقتصادي خلال سنوات النزوح، وتفتح المجال أمام تصورات أكثر استدامة وعدالة لمشاركة النساء في إعادة بناء الاقتصاد السوري.
فرضية الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن التحدي الرئيس الذي يواجه المشاريع الاقتصادية التي أسستها النساء خلال سنوات النزوح يكمن في محدودية قدرتها على تحقيق الاستمراريّة والتراكم الاقتصادي في سياقات متغيرة كالنزوح والعودة. ومن ثم، فإن تقويم هذه المشاريع لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشاريع المنشأة أو حجم الدخل الذي توفره، إنما على مدى قدرتها على التحول إلى جزء من بنية اقتصادية أكثر استدامة.
منهجية الدراسة
تعتمد الدراسة على مقاربة نوعية لفهم واقع المشاريع الاقتصادية التي أسستها النساء النازحات والعائدات، وتحليل فرص استدامتها في سياق العودة. واستخدم المنهج الوصفي التحليلي لدراسة واقع هذه المشاريع، إلى جانب المقارنة بين تجارب النساء اللواتي بقين في مناطق النزوح وأخريات عدن إلى مناطقهن الأصلية.
وجرى اختيار المقابلات المعمقة كأداة رئيسة لجمع البيانات، لما تقدمه من إمكانية تتبع أثر الانتقال من النزوح إلى العودة على استمراريّة المشاريع والمكاسب الاقتصادية التي حققتها النساء خلال السنوات السابقة. وأجريت هذه المقابلات عن طريق وسائل التواصل الافتراضية.
وشملت المقابلات خمس عشرة امرأة، جرى اختيارهن وفقًا لأسلوب العيّنة القصدية، كونها تتوافق مع أهداف الدراسة وتركيزها على مستفيدات من برامج التمكين الاقتصادي ودعم سبل العيش في شمال وشمال غرب سورية. بما يضمن تمثيل تجارب النساء العائدات والنساء اللواتي ما زلن في مناطق النزوح.
وتستخدم الدراسة بالدرجة الأولى مفهوم "الاقتصاد النّسوي المتكامل" بوصفه إطارًا تحليليًا شاملًا، إذ إنه يشير إلى قدرة النساء على المشاركة في النشاط الاقتصادي ضمن منظومة مترابطة تجمع بين الوصول إلى الموارد، واستمراريّة النشاط الإنتاجي، والاندماج في شبكات إنتاج وتسويق وتمويل، والاعتراف بالحقوق الاقتصادية للنساء وحمايتها ضمن الأطر القانونية والمؤسَّساتية. ويستند هذا الفهم إلى الأدبيات النّسوية التي تربط التمكين الاقتصادي بالقدرة على التحكم في الموارد واتّخاذ القرار والمشاركة في الحياة الاقتصادية على نحو مستدام، كما يتقاطع مع الطروحات التي تؤكد أهمية الانتقال من المبادرات الفردية المعزولة إلى أشكال أكثر جماعية واستدامة من التنظيم الاقتصادي.
وبناء على ذلك، تنظر الدراسة إلى المشاريع الفردية التي نشأت خلال سنوات النزوح بوصفها نقطة بداية وليست نقطة نهاية، فإمكانية تحول هذه المشاريع إلى مكون فاعل في عمليات التعافي وإعادة الإعمار، ترتبط بقدرتها على تجاوز منطق الصمود قصير الأمد نحو بناء أشكال أكثر استقرارًا من الإنتاج والتعاون والتراكم الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، تستخدم الدراسة نتائج المقابلات الميدانية لاستخلاص العوامل التي تعوق هذا التحول أو تدعمه.
أولًا: الإطار النظري
الاقتصاد النّسوي والتمكين الاقتصادي للنساء
يُستخدم مفهوم التمكين الاقتصادي في الأدبيات العربية غالبًا للإشارة إلى قدرة الفرد على تلبية حاجاته من خلال موارده وقدراته الذاتية، أو إلى امتلاكه الموارد والفرص والخيارات التي تمكّنه من اتّخاذ القرارات المتعلقة بحياته الاقتصادية[7]. غير أن هذا الفهم، على أهميته، يبقى محدودًا إذا اقتصر على المستوى الفردي من دون النظر إلى البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تحدد فرص الوصول إلى الموارد والتحكم فيها.
في هذا السياق، تميز أدبيات الاقتصاد النّسوي بين التحسن الاقتصادي الفردي والتمكين الاقتصادي الهيكلي. فبالنسبة إلى نايلا كبير(Naila Kabeer)، لا يتحقق التمكين بمجرد حصول المرأة على دخل أو مهارة أو فرصة عمل، وإنما من خلال قدرتها على الوصول إلى الموارد الاقتصادية[8] والتحكم فيها واتّخاذ قرارات استراتيجية بشأنها. ويعني ذلك أن التمكين يرتبط بتغيير علاقات القوة التي تحكم توزيع الموارد والفرص داخل المجتمع، وليس فقط بتحسين الدخل أو تخفيف الفقر.
وبالمثل، تشير دايان إلسون (Diane Elson) إلى أن أي مقاربة للتمكين الاقتصادي تبقى ناقصة، إذا تجاهلت اقتصاد الرعاية، أي العمل غير مدفوع الأجر الذي تؤدّيه النساء داخل الأسرة من رعاية الأطفال وكبار السن والأعمال المنزلية. فهذه الأعباء تؤثر بصورة مباشرة في قدرة النساء على الانخراط في النشاط الاقتصادي[9] والاستفادة من فرص التدريب والعمل والتمويل، حتى عندما تكون هذه الفرص متاحة نظريًا.
ولهذا تشدِّد منظمات نسوية سورية على أن أي مقاربة لإعادة الإعمار أو التعافي لا تضع النساء في مركزها، ستكرر إعادة بناء الهياكل غير العادلة التي كانت قائمة قبل الصراع، بدل أن تستثمر الفرصة لإعادة توزيع الموارد والأدوار على نحو أكثر عدالة[10].
وانطلاقًا من ذلك، لا ينظر الاقتصاد النّسوي إلى النساء بوصفهن مستفيدات من برامج الدعم فحسب، لكن بوصفهن فاعلات اقتصاديات ينبغي أن يمتلكن قدرة حقيقية على الوصول إلى الموارد والأسواق والتمويل والمشاركة في اتّخاذ القرارات الاقتصادية. كما يربط بين العدالة الجندرية وإعادة توزيع الموارد وفرص العمل والاعتراف بقيمة العمل غير المدفوع الذي تؤدّيه النساء.
وتستند هذه الدراسة إلى هذا الفهم للتمكين الاقتصادي، وتعتمد مقاربة للاقتصاد النّسوي تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: ضمان وصول النساء إلى الموارد الإنتاجية والتحكم فيها، والاعتراف بأعمال الرعاية وإعادة توزيع أعبائها، وتعزيز الأشكال الجماعية للإنتاج والتعاون الاقتصادي بما يتجاوز هشاشة المشاريع الفردية المعزولة، بحيث تشكل هذه العناصر إطارًا مرجعيًا لتحليل واقع المشاريع الاقتصادية للنساء النازحات والعائدات وتقويم قدرتها على المساهمة في مسارات التعافي وإعادة الإعمار.
حدود التمكين الاقتصادي القائم على المشاريع الفردية
شهدت السنوات الماضية توسعًا في برامج التمكين الاقتصادي الموجهة للنساء في السياقات الهشة ومناطق النزاع، حيث اعتمدت هذه البرامج بصورة رئيسة على المنح الصغيرة والتدريبات المهنية ودعم المشاريع المنزلية، بوصفها أدوات لتحسين سبل العيش وتعزيز قدرة الأسر على الصمود. وقد ساهمت هذه التدخلات في توفير مصادر دخل لعديد من النساء، وفي تخفيف بعض الآثار الاقتصادية المرتبطة بالفقر والنزوح وفقدان المعيل.
إلَّا أنَّ أدبيات الاقتصاد النّسوي تميز بين تحسين الدخل من جهة، والتمكين الاقتصادي من جهة أخرى، فالحصول على مشروع صغير أو مصدر دخل، لا يؤدّي بالضرورة إلى تغيير الموقع الاقتصادي للمرأة أو تعزيز قدرتها على التحكم في الموارد والفرص الاقتصادية على المدى الطويل[11]. كما أن نجاح المشروع الفردي يبقى مرتبطًا بقدرة صاحبته على الوصول إلى الأسواق والتمويل وشبكات الإنتاج والتوزيع، وهي عناصر غالبًا ما تتجاوز إمكانات المشاريع الصغيرة المعزولة.
وفي الحالة السورية، أظهرت برامج التمكين الاقتصادي التي نُفذت خلال سنوات النزوح[12] ميلًا واضحًا نحو دعم مشاريع فردية صغيرة تستند إلى معايير الهشاشة الاجتماعية أكثر من استنادها إلى رؤية إنتاجية طويلة الأمد. وعلى الرغم من أهمية هذه المشاريع في توفير دخل محدود للأسر، فإنها بقيت في معظم الحالات منفصلة عن سلاسل الإنتاج والأسواق المحلية، الأمر الذي جعل استدامتها مرتبطة بالظروف الفردية للمستفيدات أكثر من ارتباطها ببنية اقتصادية قادرة على دعم نموها وتوسعها.
ومن هذا المنظور، تبدو الإشكالية الأساسية في محدودية قدرة هذه المشاريع على تحقيق تراكم اقتصادي مستدام[13]، وليس في وجودها بحد ذاته، فالمشاريع الفردية قد تنجح في تحسين شروط المعيشة أو تعزيز القدرة على الصمود خلال الأزمات، لكنها تبقى عرضة للتعثّر أو التوقف عند حدوث تغيرات جغرافية أو اقتصادية كبرى، كما هي الحال في سياقات العودة وإعادة الإعمار.
ولذلك تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق دعم المشاريع الفردية المعزولة إلى مقاربات أكثر تكاملًا، تقوم على التعاون والإنتاج المشترك والربط بين التمويل والتسويق والتدريب، بما يسمح بتحويل المبادرات الفردية إلى قاعدة اقتصادية أكثر استدامة.
وانطلاقًا من ذلك، تنظر هذه الدراسة إلى المشاريع الاقتصادية التي أسّستها النساء خلال سنوات النزوح بوصفها نقطة انطلاق مهمة، لكنها غير كافية بحد ذاتها لتحقيق التمكين الاقتصادي بالمعنى الهيكلي. فالسؤال لا يتعلق فقط بعدد المشاريع التي أُنشئت أو استمرّت، وإنما بمدى قدرتها على التحول إلى جزء من بنية إنتاجية أوسع تتيح للنساء الحفاظ على مكاسبهن الاقتصادية والمشاركة الفاعلة في عمليات التعافي وإعادة الإعمار.
التعافي المبكر وإعادة الإعمار من منظور نسوي
يُعرَف التعافي المبكر، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بوصفه عملية متعددة الأبعاد تهدف إلى تعزيز قدرة المجتمعات المتأثرة بالأزمات على استعادة وظائفها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسَّساتية، وبناء أسس التنمية المستدامة منذ المراحل الأولى للاستجابة الإنسانية[14]، وتنظر أدبيات التعافي المبكر إلى هذه المرحلة بوصفها حلقة وصل بين الإغاثة الطارئة والتنمية طويلة الأمد، بما يجعلها لحظة حاسمة في تحديد طبيعة المسارات الاقتصادية والاجتماعية التي ستتشكل في مرحلة إعادة الإعمار. ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية التعافي المبكر على الاستجابة للحاجات الآنية للسكان المتضررين، إنما تمتد إلى بناء القدرات المحلية وتعزيز فرص العمل وإعادة تنشيط الاقتصادات المحلية بصورة أكثر استدامة.
غير أنَّ الأدبيات النّسوية تشير إلى أنَّ عمليات التعافي وإعادة الإعمار ليست محايدة جندريًا، إذ غالبًا ما تتجه الموارد والاستثمارات نحو قطاعات يهيمن عليها الرجال، في حين يجري التعامل مع الأنشطة الاقتصادية التي تقودها النساء بوصفها أنشطة ثانوية أو ذات أولوية أقل[15].
وفي هذا السياق، لا يقتصر دمج النساء في عمليات التعافي وإعادة الإعمار على ضمان وصولهن إلى فرص العمل أو التمويل، بل يشمل أيضًا الاعتراف بمشاريعهن الاقتصادية بوصفها جزءًا من البنية الإنتاجية المحلية، وربطها بالسياسات الاقتصادية والمؤسَّساتية التي يجري بناؤها في المراحل الانتقالية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة السورية، حيث تتزامن العودة مع محاولات إعادة بناء الاقتصاد المحلي وإعادة تشكيل الأطر القانونية والتنظيمية الناظمة للنشاط الاقتصادي.
وانطلاقًا من ذلك، تعتمد هذه الدراسة منظورًا نسويًا للتعافي وإعادة الإعمار يقوم على ثلاثة مرتكزات: إدماج مشاريع النساء الاقتصادية ضمن خطط التعافي منذ المراحل الأولى، والحفاظ على التراكم الاقتصادي الذي تحقق خلال سنوات النزوح وعدم التعامل معه بوصفه تجربة موقتة، وضمان أن تتضمّن عمليات إعادة بناء المؤسَّسات والأطر القانونية حماية الحقوق الاقتصادية للنساء وتعزيز مشاركتهن في النشاط الإنتاجي.
ثانيًا: الإطار التحليلي: من المشاريع الفردية إلى الاقتصاد النّسوي المتكامل
أظهرت المقابلات المعمقة مع النساء النازحات والعائدات أن مسارات المشاريع الاقتصادية التي أُسست خلال سنوات النزوح لم تكن متجانسة، إنما اتخذت مسارات متعددة تأثرت بظروف العودة والبقاء، وطبيعة النشاط الاقتصادي، وإمكانية الوصول إلى الموارد والأسواق والخدمات. ومع ذلك، كشفت المقابلات عن أنماط متكررة في التجارب الفردية، سمحت بتصنيفها ضمن خمسة أنماط رئيسة تعكس التحديات والفرص التي تواجه استمراريّة هذه المشاريع في المرحلة الراهنة.
من التأسيس إلى التجميد: عبء التكاليف التشغيلية وضيق دائرة السوق
يكشف هذا النمط عن فئة من النساء اللواتي تمكنَّ من الحفاظ على مشاريعهن ونقل معداتها إلى مناطق العودة، إلَّا أنَّ استمرار المشروع لم يترجم إلى استقرار اقتصادي أو نمو فعلي، فالمشروع بقي قائمًا من الناحية الشكلية، لكنه دخل في حالة من "التجميد"، حيث يستمر النشاط بالحد الأدنى من دون قدرة على التوسع أو تحقيق دخل مستقر.
وتتمثَّل العقبة الأولى بارتفاع التكاليف التشغيلية، ولا سيَّما تكاليف الكهرباء في ظلِّ غياب شبكة مستقرة وارتفاع تكلفة البدائل المتاحة. تصِف نورة، العائدة من عفرين إلى زملكا، هذا الواقع بقولها: "صرت أحسب فاتورة الكهرباء قبل ما أحسب الربح، وكتير مرات بتطلع الفاتورة أغلى من المبيع". كما يفاقم ارتفاع أسعار المواد الأولية من صعوبة الاستمرار، إذ يصبح أي تفكير بالتوسع محفوفًا بالمخاطر. توضح خديجة، العائدة من إعزاز إلى دوما، ذلك بقولها: (كل ما حاولت أوسع شوي، الأسعار بتطلع وبصير اللي وفرته ما بيكفي حتى أرجع أشتري نفس الكمية).
إلى جانب التكلفة التشغيلية، تكشف المقابلات عن تحدٍّ آخر يتمثَّل بفقدان الشبكات الاقتصادية التي بنيت خلال سنوات النزوح، فمع العودة، ليس بالضرورة أن تنتقل العلاقات التجارية والزُّبُن إلى المكان الجديد، ما يفرض على النساء إعادة بناء قاعدة الزُّبُن من الصفر تقريبًا. وفي معظم الحالات، بقي التسويق محصورًا ضمن دائرة العائلة والجيران والمعارف، من دون أن يتحول إلى سوق فعلية قادرة على دعم استمراريّة المشروع، تقول مريم، العائدة من عفرين إلى حرستا: (زبائني هم جيراني وقرايبيني، وهنن أساسًا بيشتروا مني لأنهم يعرفوني، مش لأنه المنتج أرخص أو أحسن من السوق).
وتشير هذه التجارب إلى أنَّ التحدي لا يكمن في فقدان المشروع نفسه، إنما في فقدان البيئة الاقتصادية التي تسمح له بالاستمرار، فالمشروع انتقل جغرافيًا، لكنه لم ينتقل ضمن شبكة إنتاج وتسويق قادرة على دعمه. ومع ارتفاع التكاليف وضيق دائرة السوق، يتحول من مصدر محتمل للتراكم الاقتصادي إلى نشاط محدود يحافظ على حضوره من دون أن يحقِّق نموًّا فعليًا. ومن هنا تظهر أولى ملامح الفجوات البنيوية التي تكشفها الدراسة، والمتمثِّلة بفجوة التشغيل، حيث يصبح استمرار المشروع مرهونًا بالقدرة على تحمل التكاليف أكثر من ارتباطه بقدرته على الإنتاج والتوسع.
من تصفية المشروع إلى إعادة التفكير من الصفر
في المقابل، تحكي مجموعة أخرى من النساء تجربة مختلفة، مشروع توقف بالكامل، وجرت تصفيته -بيع المعدات والمخزون– بعد أشهر من سقوط النظام، تحضيرًا للعودة، تقول آمنة العائدة من مدينة عفرين إلى مدينة زملكا "اضطريت بيع كل شي كان عندي، الماكينة والبضاعة، لنقدر نرجع ونستأجر بيت لأنه بيتنا مهدم، هلق رجعت وما عندي شي بلش فيه، رجعت من الصفر تمامًا". كما تصف فاطمة العائدة أيضًا من عفرين إلى مدينة زملكا وضعًا مشابهًا "المشروع يلي بنيته بسنوات راح بشهور قليلة، وهلق عم فكر شو بقدر أعمل، بس بلا رأس مال وبلا معدات الموضوع مختلف وصعب".
وتظهر التجربة نفسها أيضًا عند اللواتي لم تعدنَ بعد، لكن لأسباب مختلفة، تقول عائشة وهي نازحة من دير الزور إلى عفرين وما زالت: "أنا كمان وقفت المشروع وبعت كل شي من زمان، بس هون كمان ما لقيت شي تاني أرجع أعمله. زبوناتي يلي كانوا عندي رجعوا لمناطقهم، وصار اللي بقي قليل، وبنفس الوقت كل شي صار أغلى والخدمات صارت أقل من قبل".
وتكشف هذه التجارب أن التحولات الجغرافية لا تؤثر فقط في موقع المشروع، إنما في البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يقوم عليها. فجزء كبير من المشاريع الصغيرة التي أسستها النساء خلال سنوات النزوح اعتمد على وجود تجمعات واسعة من النازحين/ات شكّلت قاعدة للزُّبُن والعلاقات الاقتصادية. ومع بدء موجات العودة، أخذت هذه البيئة بالتفكك تدريجًا، حتى بالنسبة إلى النساء اللواتي لم يعدن بعد، وهكذا تجد بعض النساء أنفسهن أمام انكماش مزدوج: سوق تتقلص مع رحيل الزُّبُن، وتكلفة تشغيل ترتفع مع تراجع الخدمات والفرص الاقتصادية المتاحة.
ويظهر "البدء من الصفر" في هذا النمط بصورتين مختلفتين لكنهما تقودان إلى النتيجة نفسها، ففي حالة العائدات، ينتج من فقدان الأصول والشبكات الاقتصادية في أثناء الانتقال، أما في حالة من بقينَ في مناطق النزوح، فينتج من التأكّل التدريجي للبيئة التي دعمت المشروع في سنواته الأولى، وفي الحالتين، لا تضيع المعدات أو رأس المال فقط، وإنما يضيع جزء من التراكم الاقتصادي الذي تحقق خلال سنوات من العمل، لتجد النساء أنفسهن أمام ضرورة إعادة التأسيس من جديد على الرغم من امتلاكهن خبرة سابقة وممارسة اقتصادية فعلية.
وتكشف هذه الحالة ما يمكن تسميته بفجوة الاستمراريّة، حيث لا تنتقل الخبرة والتراكم الاقتصادي تلقائيًا عبر التحولات الجغرافية، ولكنهما يبقيان عرضة للفقدان والانقطاع.
المشاريع الغذائية بين الإنتاج والموافقات - عتمة الإجراءات وغياب التعاون المؤسّس
تشكل المشاريع الغذائية حالة مختلفة عن الأنماط السابقة، إذ لا يتمثَّل التحدي الأساسي فيها بالإنتاج أو الوصول إلى الزُّبُن بقدر ما يتمثَّل بالقدرة على الانتقال من العمل المنزلي غير الرسمي إلى نشاط اقتصادي معترف به وقادر على التوسع.
فبالنسبة إلى النساء اللواتي يعملن في إنتاج الألبان والأجبان والمواد الغذائية المنزلية، تصبح الموافقات الصحية وإجراءات الترخيص شرطًا أساسيًا لدخول الأسواق والوصول إلى منافذ بيع أوسع.
وتصف مريم، العائدة من عفرين إلى حرستا، حالة الارتباك التي واجهتها عند محاولة تطوير مشروعها قائلة: "قلت بصير ببيع اللبن والجبن للمحلات بعد ما علبه أنا بالبيت، قلت بصير إلي اسم، بس المحلات قالت لازم موافقة صحية، ما حدا قال لي بشكل واضح شو المطلوب بالضبط عشان أخد موافقة، كل ما سألت حدا بقلي شكل، وضليت دور وما حصل شي، حتى المنظمات يلي بتدعم مشاريع وكنت بعرفهم، ما حدا منهم ساعدني أفهم كيف أحصل على ترخيص أو موافقة صحية، حرام حتى هنن كأنه ما عارفين، كلشي فوضى هلق".
وتكشف هذه التجربة أن العائق لا يكمن في غياب الرغبة في التوسع أو ضعف القدرة الإنتاجية، إنما في غموض الإجراءات وغياب جهة واضحة توفر المعلومات والدعم اللازمين للانتقال إلى العمل النظامي. وبينما تستطيع بعض المشاريع المنزلية، كالحرف اليدوية أو الخياطة، الاستمرار بصورة غير رسمية لفترات طويلة، فإن المشاريع الغذائية تواجه قيودًا إضافية تجعل الترخيص والموافقات الصحية جزءًا أساسيًا من قدرتها على الاستمرار والتوسع.
كما تظهر المقابلات أن مسار القوننة يترك في الغالب كمسؤولية فردية تتحمّلها النساء وحدهن، من دون وجود آليات دعم أو إرشاد مؤسَّسية تساعدهن في فهم الإجراءات أو استكمالها. ونتيجة لذلك، يبقى المشروع محصورًا في البيع المباشر وعلى نطاق محدود، حتى عندما يمتلك مقومات التوسع والإنتاج. وتكشف هذه الحالة عن فجوة تتعلق بالقوننة والوصول إلى الأطر التنظيمية، حيث يتحول غياب المعلومات والإجراءات الواضحة إلى عائق اقتصادي يحدّ من تطور المشروع بقدر ما تحدّه محدودية التمويل أو السوق.
الزراعة كمسار غير مخطط: من نجاة الأسرة إلى دخل غير نقدي
يكشف هذا النمط عن مسار مختلف عن المشاريع التي نشأت بدعم مباشر من برامج التمكين الاقتصادي، فبعض النساء العائدات لم يتّجهن إلى إعادة تشغيل مشاريعهن السابقة أو تأسيس مشاريع جديدة بالمعنى التقليدي، ولكنهن وجدن في استثمار الأرض المتاحة موردًا يساعد الأسرة في مواجهة أعباء المعيشة بعد العودة. وفي هذه الحالات، لا ينظر إلى النشاط الزراعي بوصفه مشروعًا اقتصاديًا يهدف إلى تحقيق الربح، وإنما كوسيلة لتأمين الحاجات الأساسية للأسرة وتقليل الإنفاق اليومي.
توضح هدية، العائدة من إدلب إلى المليحة في الغوطة الشرقية، هذه التجربة بقولها: "أنا ولا مرة بحياتي زرعت، بس لما رجعنا ولقينا الأرض موجودة، قلت لازم نستفيد منها، هلق عم اتعلم من جيراني، وعملت دورة مع منظمة، وكل ما زرعنا وأكلنا منه، بحسبه كمان دخل، لأنه ما عاد اشتريته من السوق، أوفر وأرخص باكل وبطعمي ناسي". كما تشير إيمان، العائدة إلى شبعا في الغوطة الشرقية، إلى تجربة مشابهة: "صحيح منطقتنا زراعية بس عمري ما اشتغلت بالأرض مع أبي، ورثت قطعة صغيرة زرعتا أنا وابني خضرة بسيطة هالموسم، بس يلي أكلناه من بيتنا هو مصروف ما دفعناه، وهذا بالنسبة إلنا فرق كبير خفف عن ابني وعني مصروف البيت".
وتلفت هذه التجارب الانتباه إلى شكل من أشكال النشاط الاقتصادي الذي غالبًا ما يبقى خارج مؤشرات التمكين الاقتصادي التقليدية. إذ إن النساء لا يتحدثن هنا عن مبيعات أو أرباح نقدية، إنما يتجهن للحديث عن خفض الإنفاق وتحسين الأمن الغذائي للأسرة من خلال الإنتاج الذاتي، وبذلك تتحول الأرض إلى مورد اقتصادي يساهم في تحسين الوضع المعيشي حتى في غياب الدخل النقدي المباشر.
كما تكشف المقابلات أن هذا المسار نشأ بفعل فرصة أتاحتها العودة ووجود أرض قابلة للاستثمار، أكثر من أن يكون نتيجة تخطيط مسبق أو خبرة زراعية متراكمة، ولهذا فإن غياب الدعم الفني والتسويقي والتمويلي يبقي هذه المبادرات محصورة في مستوى الإنتاج المعيشي، ويحد من قدرتها على التحول إلى نشاط اقتصادي أكثر استدامة.
الأمر الذي تبرز معه فجوة جديدة أخرى تتعلق بتصميم برامج التمكين نفسها، والتي غالبًا ما تركز على المشاريع المدرَّة للدخل المباشر، بينما تغفل أشكال النشاط الاقتصادي التي تبدأ بتأمين حاجات الأسرة ويمكن أن تتطور لاحقًا إلى مسارات إنتاجية أوسع.
البقاء في منطقة النزوح: التأسيس مقابل غياب الخدمات والمنازل المهدمة
تكشف المقابلات أن قرار البقاء في مناطق النزوح لا يعكس بالضرورة غياب الرغبة في العودة، ففي كثير من الحالات ترتبط إمكانية العودة بحسابات اقتصادية ومعيشية معقدة، تتعلق بما يمكن أن تخسره المرأة إذا عادت مقارنة بما تملكه فعليًا في مكان إقامتها الحالي. وبالنسبة إلى بعض النساء، لا يمثل المشروع الاقتصادي مجرد مصدر دخل، بل أحد الأصول القليلة التي تمكنت من بنائها خلال سنوات النزوح، ما يجعل التخلي عنه أو المخاطرة بفقدانه قرارًا صعبًا له تكلفة.
وتعبر صفاء، النازحة من ريف إدلب إلى مدينة الباب، عن هذا المنطق بقولها: "أنا هون أسست شي صغير بس موجود، إذا رجعت، رح بلش من الصفر فعلًا، ما بس بالمشروع، بكل شي، هلق يلي عندي قليل، بس هو شي، وبضيعتي لو رجعت ما عندي وحتى هذا القليل". ويظهر المنطق نفسه في شهادة أمل، المهجرة من عربين إلى عفرين، والتي تربط قرارها بالمعلومات التي تلقتها من أفراد عائلتها الذين عادوا قبلها "أهلي رجعوا قبلنا، وقالوا لنا بيتنا مهدوم وما في خدمات أساسًا لا مي، لا كهربا، حتى المدارس غالية، يعني حتى لو حبيت أرجع، بدي ارجع ع شو، هون زوجي بيشتغل وأنا عندي هالصالون بالبيت ومستورة".
وتشير هذه الشهادات إلى أن العودة تقاس لدى كثير من النساء بمقارنة بين بيئتين اقتصاديتين مختلفتين: بيئة النزوح بما توفره من حد أدنى من الخدمات والعلاقات الاقتصادية والمصادر المحدودة للدخل، وبيئة العودة التي قد تفتقر إلى السكن الملائم أو الخدمات الأساسية أو فرص إعادة تشغيل النشاط الاقتصادي. ولذلك لا يبنى القرار على الحنين إلى المكان أو الرغبة المجردة في العودة، بقدر ما يبنى على تقويم واقعي للفرص والمخاطر المرتبطة بكل خيار.
كما تكشف المقابلات أن المعلومات المتعلقة بظروف مناطق العودة تنتقل أساسًا عبر شبكات العائلة والمعارف ممن عادوا فعلًا، وليس عبر قنوات مؤسَّساتية أو قواعد معلومات موثوقة. ونتيجة لذلك، يصبح اتّخاذ قرار العودة أو البقاء مرتبطًا بمدى توافر المعلومات عن السكن والخدمات وفرص العمل وإمكانات إعادة تشغيل المشاريع الاقتصادية.
وتوضح هذه الحالة أنَّ النازحات والعائدات لا يمثلن فئتين منفصلتين اقتصاديًا بالضرورة، فالمرأة التي بقي مشروعها مجمدًا في منطقة النزوح قد تواجه تحديات لا تقل صعوبة عن المرأة التي عادت وفقدت أصولها الاقتصادية. ومن ثم، فإن تصميم سياسات الدعم والتعافي على أساس الفصل بين الفئتين قد يغفل التشابه الكبير في التحديات التي تواجههما. وتكشف هذه التجربة عن فجوة تتعلق بالمعلومة الجغرافية وإمكانية الوصول إلى معلومات موثوقة حول ظروف العودة، وهي فجوة تؤثر بصورة مباشرة في القرارات الاقتصادية للنساء وفي مستقبل مشاريعهن.
استنتاجات
تكشف الأنماط الخمسة السابقة أن التحديات التي تواجه المشاريع الاقتصادية للنساء النازحات والعائدات لا ترتبط بغياب المبادرات الاقتصادية أو ضعف الرغبة في العمل، إنما بوجود فجوات بنيوية تحد من قدرة هذه المشاريع على الاستمرار والتطور والاندماج في دورة إنتاجية أوسع. فقد أظهرت المقابلات أن النساء استطعن تأسيس مشاريع والحفاظ عليها أو إعادة بنائها في ظروف شديدة الهشاشة، إلَّا أنَّ هذه المشاريع بقيت محكومة بقيود تتعلق بالتشغيل والاستمراريّة والقوننة وتصميم برامج الدعم وتدفق المعلومات المرتبطة بالعودة. واستُخلصت الفجوات الخمس السابقة من تكرار أنماط محددة في المقابلات، ومن تحليل العلاقة بين استمراريّة المشاريع وقدرتها على الانتقال من مبادرات فردية قائمة على الصمود وتأمين سبل العيش إلى أنشطة اقتصادية أكثر استدامة وقابلية للتراكم والاندماج في بنية إنتاجية أوسع. ومن خلال ذلك أمكن تحديد خمس فجوات رئيسة تؤثر في استدامة هذه المشاريع وإمكانات تحولها إلى جزء من اقتصاد محلي أكثر تكاملًا.
وتتمثَّل هذه الفجوات بـ :
فجوة التشغيل.
فجوة الاستمراريّة.
فجوة القوننة.
فجوة تصميم برامج التمكين الاقتصادي.
فجوة المعلومة الجغرافية.
التوصيات: نحو اقتصاد نسوي أكثر تكاملًا في مرحلة العودة
بناء على الفجوات البنيوية الخمس التي كشفتها الدراسة، تقترح الورقة مجموعة من التوصيات الهادفة إلى تعزيز استدامة المشاريع الاقتصادية للنساء النازحات والعائدات، وتحويلها من مبادرات فردية متفرقة إلى مكونات فاعلة ضمن اقتصاد محلي أكثر تكاملًا.
معالجة فجوة التشغيل: دعم استمراريّة المشاريع القائمة، يجب ألَّا يقتصر على منح تأسيس مشاريع جديدة، بل أن يشمل برامج مخصصة لاستمراريّة المشاريع القائمة، من خلال دعم تكاليف التشغيل الأساسية، وتسهيل الوصول إلى المدخلات الإنتاجية، وتعزيز فرص التسويق المحلي. فالحفاظ على مشروع قائم غالبًا ما يكون أقل تكلفة وأكثر جدوى من تمويل مشروع جديد يبدأ من الصفر.
معالجة فجوة الاستمراريّة: حماية التراكم الاقتصادي للنساء عبر تصميم برامج تدعم انتقال المشاريع بين مناطق النزوح والعودة، وتحافظ على التراكم الاقتصادي الذي تحقق خلال سنوات النزوح. ويمكن أن يشمل ذلك برامج إعادة التأسيس، ودعم استبدال المعدات المفقودة، وتطوير آليات تسمح بتتبع المسار الاقتصادي للمستفيدات وعدم التعامل مع كل مرحلة انتقالية بوصفها بداية جديدة منفصلة عما سبقها.
معالجة فجوة القوننة: تبسيط إجراءات الترخيص والاعتراف بالمشاريع الصغيرة، وذلك من خلال تطوير مسارات مبسطة وشفافة للقوننة، تراعي طبيعة المشاريع الصغيرة التي تديرها النساء، وتوفر خدمات الإرشاد القانوني والإداري اللازمة. كما ينبغي إدماج هذه المشاريع ضمن السياسات المحلية للتعافي الاقتصادي بدلًا من بقائها في إطار الاقتصاد غير الرسمي.
معالجة فجوة تصميم برامج التمكين الاقتصادي عبر توسيع مفهوم التمكين الاقتصادي ليشمل الأنشطة التي تساهم في تخفيض الإنفاق وتعزيز الأمن الغذائي للأسرة، بوصفها جزءًا من المساهمة الاقتصادية للنساء وقاعدة يمكن البناء عليها لتطوير مسارات إنتاجية أوسع مستقبلًا.
معالجة فجوة المعلومة الجغرافية، ودعم اتّخاذ القرار في سياق العودة من خلال تطوير آليات توفر معلومات موثوقة ومحدثة حول أوضاع مناطق العودة، بما يشمل الخدمات الأساسية، وفرص العمل، وإمكانات إعادة تشغيل المشاريع الاقتصادية. ويمكن أن يساهم ذلك في تمكين النساء من اتّخاذ قرارات اقتصادية أكثر استنادًا إلى المعطيات الفعلية، وأقل اعتمادًا على التقديرات الشخصية.
بناء شبكات إنتاج وتعاون عابرة لمناطق النزوح والعودة، من خلال دعم إنشاء تعاونيات وشبكات إنتاج محلية تربط النساء في مناطق النزوح والعائدات في مناطقهن الأصلية، بما يسمح بتبادل الموارد والخبرات وتوسيع الأسواق وتقاسم المخاطر. كما يمكن أن تساهم الشبكات في ربط الإنتاج الزراعي بالتصنيع الغذائي والتسويق المحلي، وتحويل المبادرات الفردية المتفرقة إلى جزء من دورة إنتاجية أكثر تكاملًا واستدامة.
وفي المحصلة، تهدف هذه التوصيات للتأكيد على ضرورة إعادة تصميم بيئة التمكين الاقتصادي نفسها، بما يسمح بالحفاظ على التراكم الاقتصادي الذي حققته النساء خلال سنوات النزوح وتحويله إلى رافعة للمشاركة الاقتصادية في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وبما يفتح المجال أمام نشوء اقتصاد محلي أكثر عدالة وشمولًا للنساء في سورية.
خاتمة
تنطلق هذه الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أن النساء السوريّات لم يخرجن من سنوات النزوح بوصفهن متلقيات للمساعدات فحسب، إنما بوصفهن فاعلات اقتصاديات استطعن، في ظروف استثنائية، تأسيس مشاريع صغيرة وتطوير مهارات وشبكات وعلاقات إنتاج مكنتهن من إعالة أسرهن، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي. غير أن هذه المكاسب تبقى مهددة في لحظة العودة، إذا جرى التعامل معها بوصفها تجارب موقتة ارتبطت بظروف النزوح، لا بوصفها جزءًا من رأس مال اقتصادي واجتماعي يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.
وقد أظهرت الدراسة أن التحدي لا يكمن في غياب المبادرات الاقتصادية النسائية، إنما في هشاشة البيئة التي تعمل ضمنها هذه المبادرات، وفي غياب الروابط التي تسمح لها بالاستمرار والتراكم والتطور. فالمشاريع التي نشأت خلال سنوات النزوح نجحت في كثير من الأحيان في توفير سبل العيش، لكنها بقيت معزولة عن شبكات الإنتاج والتمويل والقوننة والتسويق، الأمر الذي جعلها عرضة للتجميد أو التراجع أو التصفية عند أول تحول جغرافي أو اقتصادي كبير.
وفي هذا السياق، لا تمثِّل العودة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، إنما لحظة حاسمة يتحدد فيها مصير سنوات من العمل والتراكم الاقتصادي. فهي قد تؤدّي إلى فقدان الأصول والخبرات والشبكات التي بنتها النساء خلال سنوات النزوح، وقد تتحول في المقابل إلى فرصة لإعادة وصل هذه الخبرات ضمن دورة إنتاجية أكثر تكاملًا واستدامة. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد كيف يمكن دعم مشروع صغير جديد، إنما كيف يمكن الحفاظ على ما تحقق بالفعل وتحويله إلى قاعدة اقتصادية تساهم في التعافي وإعادة الإعمار.
وتناقش الدراسة بأن بناء اقتصاد نسوي أكثر عدالة في سورية لا يبدأ من الصفر، إنما من الاعتراف بالتجارب الاقتصادية التي راكمتها النساء خلال سنوات النزوح، ومن إدماجها في السياسات والبرامج التي ستشكل ملامح المرحلة الانتقالية. فمستقبل هذه المشاريع لا يتعلق فقط بتحسين أوضاع النساء الاقتصادية، إنما بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي ستتبناه سورية في مرحلة ما بعد النزاع، فهل سيكون نموذجًا يعيد إنتاج الهشاشة والتَّهميش، أم نموذجًا يستثمر في التراكمات المحلية، ويمنح النساء موقعًا فاعلًا في إنتاج التعافي وإعادة البناء؟
مراجع
Donna Pankhurst, Gendered Peace: Women’s Struggles for Post-War Justice and Reconciliation, Routledge, 2008.
الهوامش
- ثريا حجازي، " دور برامج التمكين الاقتصادي في دعم مشاركة المرأة السورية في التعافي المبكر: دراسة كيفية تحليلية في مناطق شمال وشمال غرب سورية"، 2023، بحث ميداني غير منشور بعد. ^
- المرجع نفسه، نتائج مقابلات المستفيدات من المنح الفردية 20) مستفيدة)، فصل أنواع المشاريع وقيم الدعم المقدم. ^
- ثريا حجازي، "النساء في الاقتصاد السوري: قراءة نسوية لبرامج التمكين الاقتصادي للنساء"، رابطة النساء الدولية للسلام والحرية (WILPF)، 31 آذار/ مارس 2022. ^
- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومصادر أممية أخرى، تقديرات حركات العودة الطوعية للاجئين والنازحين السوريين خلال عام 2025. ^
- أخبار الأمم المتحدة، تقرير أممي حول العوامل الاقتصادية المعيقة لاستمراريّة عودة السوريين) ضعف فرص العمل، تدمير البنية التحتية، ضعف القطاع المصرفي)، 2025. ^
- Pankhurst, Donna (2008). Gendered Peace: Women's Struggles for Post-War Justice and Reconciliation. Routledge ^
- عمر محمد،" أحلام العطا"، مجلة جامعة أم القرى للعلوم الاجتماعية، مج 12، ع 2 ( (2020، ص 11-12 وأيضًا، مجلة مدرات للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ع 3 ( (2021، ص129 . ^
- Kabeer, Naila, "Resources, Agency, Achievements: Reflections on the Measurement of Women's Empowerment", Development and Change, 1999. ^
- Elson, Diane, "Recognize, Reduce, Redistribute Unpaid Care Work: The Care Economy and Gender Equality", UN Women / feminist economics literature. ^
- WILPF, "Human-Centered Recovery: Why Feminist Approaches Matter in Post-War Reconstruction ^
- Cornwall, A. & Edwards, J. (2010). Introduction: Negotiating Empowerment. ^
- ثريا حجازي، 2023. ^
- ^
- (United Nations Development Programme (UNDP), 2008. Crisis Prevention and Recovery Report). ^
- (Pankhurst, D. (2008). Gendered Peace: Women's Struggles for Post-War Justice and Reconciliation). ^
