مجلة الجولان
→ رجوع

فلسطينيون في لبنان - من التهميش إلى احتمالات نيل الحقوق

✍ أنيس محسن 📅 2026/08/03 📖 العدد الأول 🗂 لواء إسكندرونة وفلسطين
تحميل المقال (PDF)

(صحافي فلسطيني من لبنان)

ملخّص

تبحث هذه المقالة في واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، واحتمالات المستقبل، على نحو ملخص، على أساس تجربتهم التاريخية منذ اللجوء في سنة 1948، والذين باتوا يأملون بعد تلك السنوات الطوال أن يتغير واقع معيشتهم.

مقدّمة

فتح انتخاب قائد الجيش الجنرال جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في لبنان مطلع كانون الثاني/يناير 2025، بعد نحو عامين ونصف من الفراغ الرئاسي، طاقة أمل بتغيير ما على وضعهم السياسي والقانوني والاقتصادي، وخصوصًا أن خطاب القسم للرئيس المنتخب أكد معاملة اللاجئين الفلسطينيين بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم المدنية، كما أن بيان الحكومة اللبنانية برئاسة القاضي نواف سلام الذي نالت على أساسه ثقة مجلس النواب (البرلمان)، تضمَّن خطوطًا عامة للتعامل مع المسألة الفلسطينيّة في لبنان، وهو مساق تبعه مجهود تبذله لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني (لجنة رسمية لبنانية تابعة لرئاسة الحكومة) التي باشرت أخيرًا البحث في مشروع لحوكمة المخيمات وفتحت لذلك نقاشات مع جهات فلسطينيّة وناشطين، إلى جانب نقاشات مع جهات لبنانية وناشطين لبنانيين أيضًا، تتمثَّل بتنظيم السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، وإعطاء اللاجئين الفلسطينيين حقوقًا لطالما افتقدوها سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، إذ إنهم كانوا كتلة بشرية موجودة على الأرض اللبنانية، لكن لا تلحظها القوانين التي غيّبتهم نصًّا، لكن همّشتهم في مضمون النصوص.

جغرافيًا وديموغرافيًا: يعيش الفلسطينيون في 12 مخيمًا و156 تجمعًا سكنيًا بخصائص جغرافية وقانونية متفاوتة. وحتى سنة 1982 كان معظم سكان هذه المخيمات والتجمعات من الفلسطينيين، لكن بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 1982، ومجزرة صبرا وشاتيلا، وحرب المخيمات في سنة 1985، ثم اللجوء السوري (سوريون وفلسطينيون) بعد اندلاع الأزمة في سورية في سنة 2011، وبسبب الهجرة الكثيفة للاجئين الفلسطينيين إلى خارج لبنان، أصبح اللاجئون الفلسطينيون أقلية في بعض المخيمات.

اقتصاديًا: ساهم اللاجئون الفلسطينيون في نهضة لبنان الاقتصادية والثقافية في ستينيات القرن الماضي، لكن السواد الأعظم منهم كانوا من الفقراء الذين يتركزون في مخيمات تفتقر إلى الحدّ الأدنى من المقومات الإنسانية والتخطيط العمراني السليم.

سياسيًا: حُرم اللاجئون الفلسطينيون من الحق بالعمل السياسي والتعبير عن الرأي، ولوحق ناشطوهم وزجوا في السجون اللبنانية في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يعيشوا فترة من الاسترخاء بين 1969 و1982 (فترة الوجود المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينيّة بموجب اتّفاق القاهرة)، ليعود الوضع إلى ما كان عليه قبل 1969 في عقب الخروج الفلسطيني. ولم ينصف تطبيق اتّفاق الطائف (1989) في مطلع تسعينيات القرن الماضي اللاجئين الفلسطينيين، بل حُرموا لاحقًا حق التملك في سنة 2001.

اللاجئون الفلسطينيون من سورية: بعد سنة 2012، دخلت فئة جديدة من اللاجئين الفلسطينيين مع لجوء عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى لبنان في إثر الأزمة السورية، وباتت هذه الفئة المستجدة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أكثر هشاشة اقتصاديًا وقانونيًا، ليعانوا لجوءًا مركبًا يفتقر إلى الأمان القانوني المستدام.

الأونروا: منذ تأسيس وكالة غوث وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا) بموجب القرار الأممي رقم 302 في سنة 1949، انشغلت الوكالة في مجالات الإغاثة والتعليم والصحة، لكن هذه المهمات تقلصت مع الوقت بسبب العجز المالي الدائم، علمًا أن مسألة الحماية التي كانت في البداية منصوصًا عليها غابت منذ البداية. واليوم يخشى اللاجئون الفلسطينيون تغييب دور الأونروا تمامًا من حياتهم، من جراء العداء المتصاعد لإسرائيل والولايات المتحدة لهذه الوكالة الأممية ومحاولات تقويض تفويضها الدولي.

لجوء؛ نزوح؛ هجرة

اختبر اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أنواع التهجير شتى: فهم لاجئون من بلدهم الأم فلسطين بفعل النكبة سنة 1948؛ لاجئون نازحون من أماكن سكناهم في لبنان من جراء الحروب الداخلية والخارجية في لبنان وعليه (ولا سيَّما الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان وتدمير بعض المخيمات)؛ لاجئون مهاجرون بسبب الحروب والأوضاع الاقتصادية في البلد، مثلهم مثل باقي اللبنانيين الذين يُعرفون بأنهم شعب مهاجر، إذ من هم في داخل البلد يعدون أقلية قياسًا بمن هم مهاجرون منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.

سنوات عجاف

يمكن تعداد سنوات الخير التي عاشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان على أصابع اليد، فيما كانت باقي معيشتهم سنوات عجاف. إذ تحولت المخيمات من مجرد محطات موقَّتة بانتظار العودة، إلى مساحات جغرافية محاصرة بالبؤس والقوانين الإقصائية والتّهميش التراكمي. هذه السنوات العجاف امتدت عبر عقود من الزمن، عانى فيها الفلسطيني ليس فقط من فقدان وطنه، بل من حرمانه أبسط مقومات العيش الكريم في البلد المضيف، حيث جرى التعامل معه وفق معادلة أمنية صارمة تتقدم على ما عداها من اعتبارات إنسانية أو حقوقية.

التعامل القانوني

تأرجح التعامل القانوني اللبناني مع اللاجئ الفلسطيني بين التجاهل والنص التمييزي. فالقانون اللبناني لم يضع تشريعًا خاصًا وثابتًا للاجئين الفلسطينيين يعترف بخصوصيتهم السياسية والإنسانية، بل جرى إدراجهم غالبًا تحت خانة "الأجانب"، مع حرمانهم "شرط المعاملة بالمثل" نظرًا إلى كونهم لا يملكون دولة مستقلة معترفًا بها تطبق هذا المبدأ. هذا الالتفاف القانوني حظر على الفلسطينيين ممارسة أكثر من سبعين مهنة حرة كالطب والهندسة والمحاماة، ولم تتغير هذه الممارسات بصورة جوهرية حتى مع بعض "التسهيلات" الوزارية الخجولة والموقَّتة التي كانت ترتبط بمزاجية وزير العمل المتعاقب وتوجهاته السياسية من دون تحولها إلى نصوص تشريعية ملزمة وصارمة.

ضحايا ومرتكبون

في الوعي السياسي اللبناني السائد، جرت محاكمة الوجود الفلسطيني جماعيًا بناءً على إفرازات الحرب الأهلية بين عامي (1975 و1990). وتحول الفلسطينيون في السرديّات السياسية اللبنانية المتناقضة من "ضحايا" نكبة تاريخية واعتداءات إسرائيلية مستمرة، إلى "مرتكبين" ومسؤولين عن اختلال التوازنات الداخلية اللبنانية. هذا التنميط الجائر أدى إلى معاقبة مجتمع اللاجئين بأسره عبر إجراءات عقابية جماعية، وتناست هذه السرديّات المقاربة الإنسانية للضحية التي وجدت نفسها وسط استقطاب لبناني وإقليمي حاد، فدفع الفلسطينيون ثمن الصراعات مرتين: مرة بوصفهم ضحايا للاقتتال والتهجير الداخلي كما حدث في مخيمات تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا، وحرب المخيمات، ومرة بوصفهم شماعة تُعلق عليها أزمات لبنان البنيوية.

تمييز عرقي وطائفي

يتجلى التمييز في أقصى أشكاله في التعديل القانوني الصادر سنة 2001 (القانون رقم 296)، والذي عدّل الملكية العقارية للأجانب، وحظر صراحة على أي شخص "لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها" تملّك العقارات في لبنان. هذا النص صيغ خصيصًا لمنع الفلسطيني من تملك شقة سكنية، بذريعة "منع التوطين". وإلى جانب هذا البُعد الإقصائي، لعب الهاجس الطائفي دورًا محوريًا في تعميق التّهميش، فالأغلبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين ينتمون إلى الطائفة السنية، وهو ما جعل وجودهم وحقوقهم مادة للتجاذب والمخاوف الديموغرافية لدى أطراف لبنانية ترى في منحهم الحقوق المدنية مدخلًا للإخلال بالتوازن الطائفي اللبناني الهشّ، ليصبح الفلسطيني ضحية "الفوبيا الديموغرافية" اللبنانية.

فسحة أمل

وأخيرًا، ثمة فسحة أمل بخلاص اللاجئين الفلسطينيين من القيود المركبة التي تعوق حياة طبيعية من حقهم أن يحيوها. فسحة الأمل هذه بدأت بقرار تشكيل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، وهي لجنة لبنانية تابعة لرئاسة الحكومة، مهمتها دراسة واقع اللاجئين الفلسطينيين واقتراح حلول عملية.

التعريف باللجنة: أُسِّست لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بقرار من مجلس الوزراء اللبناني في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2005 (في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة). وجاءت بهدف توفير آلية حكومية مركزية تعنى بالسياسات العامة تجاه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتعمل كجسر تواصل بين الحكومة اللبنانية والفرقاء الفلسطينيين (الفصائل واللجان الشعبية) والمنظمات الدولية وعلى رأسها "الأونروا".

المراحل التي مرت بها وتنوّعت وفق سياسات الحكومات: لم تكن مسيرة اللجنة خطًا مستقيمًا، بل تأثرت بالتقلبات السياسية اللبنانية:

مرحلة التأسيس والاندفاع الصعب بين عامي (2005 و2009): ركزت على بناء الثقة وإعادة فتح ملف الحقوق وتعديل النظرة الأمنية البحت، واجهت خلالها اللجنة أزمة مخيم نهر البارد سنة 2007 وكيفية إعادة إعماره بالتنسيق الدولي والمحلي.

مرحلة الركود والجمود السياسي بين عامي (2009 و2020): تراجع زخم اللجنة مع دخول لبنان في أزمات حكومية متعاقبة، إذ خضعت طروحات اللجنة للتجاذبات الحزبية والطائفية، وتحولت في بعض الفترات إلى مجرد هيئة استشارية عاجزة عن فرض رؤيتها الحقوقية على السلطة التشريعية.

مرحلة التدويل ومواجهة أزمة اللجوء المركب (بعد 2011 و2019): انشغلت اللجنة بملف اللاجئين الفلسطينيين المهجّرين من سورية، ثم اصطدمت بالانهيار الاقتصادي اللبناني الكبير سنة 2019 وتداعياته الكارثية على المخيمات والقدرة الشرائية للاجئين.

أخيرًا، وبعد انتخاب الرئيس جوزاف عون وتأليف حكومة نواف سلام في سنة 2025، دخلت اللجنة مرحلة ديناميكية جديدة، فهي تبذل اليوم جهدًا حثيثًا لبلورة مشروع متكامل لحوكمة المخيمات، مستفيدة من المناخ السياسي الجديد والتعهدات الواردة في خطاب القسم والبيان الوزاري. وتتركز النقاشات الحالية التي تشارك فيها أطراف فلسطينيّة ولبنانية وناشطون من المجتمع المدني، على معادلة متلازمة: تنظيم السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وإنهاء المظاهر المسلحة غير المنضبطة، مقابل التزام الدولة اللبنانية الواضح بمنح اللاجئين حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمدنية التي طال انتظارها.

هل يُنصف اللاجئون الفلسطينيون بعد 78 عامًا؟

إن إنصاف اللاجئ الفلسطيني في لبنان، بعد قرابة ثمانية عقود من المعاناة (من 1948 إلى 2026)، لا يعني إطلاقًا القبول بالتوطين أو التخلي عن حق العودة، بل هو شرط قاطع لتعزيز صموده حتى تحقيق العودة. والمطلوب اليوم يتلخص في نقاط جوهرية:

تشريع حق العمل: إصدار قانون واضح يستثني الفلسطينيين صراحة من تضييقات المهن الحرة، ويسمح لهم بالعمل في القطاعات كافة من دون الحاجة إلى إجازات عمل معقدة ومكلفة تكرّس تهميشهم الاقتصادي.

إلغاء الحظر على التملّك: تعديل قانون التملّك العقاري لسنة 2001، بما يتيح للاجئ حق شراء مسكن لائق يضمن كرامة عائلته الإنسانية ويخرجه من ضيق المخيم الإنشائي.

تطوير البنية التحتية للمخيمات: السماح بإدخال مواد البناء وترميم المنازل المتداعية في المخيمات من دون عوائق أو تصاريح أمنية مشددة، وتحسين شبكات المياه والكهرباء المتهالكة بالتنسيق مع الأونروا.

مأسسة العلاقة مع الدولة: تحويل "لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني" من لجنة وزارية استشارية متغيرة بتغير الحكومات ومزاجيتها السياسية، إلى هيئة وطنية مستقلة ومستدامة تملك صلاحيات تنفيذية وتشريعية واضحة.

خاتمة

لن يكون اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بمنأى عن المتغيرات الإقليمية والدولية، وانعكاساتها المحلية في لبنان، إذ لطالما تأثروا بها سلبًا في معظم الفترات، وثمّة مؤشرات قد تقود إلى بعض الإيجابية في تحسين وضعهم المعيشي، وخصوصًا أن ما جرى منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في قطاع غزة وحتى وقف إطلاق النار، والحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية إقليميًا، وإعادة طرح القضية الفلسطينيّة على المستوى الإقليمي والدولي، لا بد أن يترك أثره على مستقبلهم. إن تسييل هذه المتغيرات إيجابيًا في الداخل اللبناني يتوقف على شجاعة النخبة الحاكمة الجديدة في بيروت لإنهاء حقبة "التّهميش العبثي"، والعبور نحو سياسة واضحة تحفظ كرامة اللاجئ وصموده، كإنسان أولًا، وكتعبير حي عن قضية وطنية وتاريخية لن تموت بالتقادم.

الهوامش والمصادر التوثيقية:

معهد الأبحاث التطبيقية - القدس (أريج): / ARIJ التقارير الميدانية والمسوح الجغرافية الخاصة بالبنية التحتية والتوزيع المكاني للمخيمات والتجمعات الفلسطينيّة في لبنان، ودراسات التخطيط العمراني والاقتصادي للاجئين.

مجلة الدراسات الفلسطينيّة (مؤسَّسة الدراسات الفلسطينيّة): دراسات وأبحاث متعددة عن "الواقع القانوني والسياسي للاجئين الفلسطينيين في لبنان"، والتحولات الديمغرافية والاجتماعية في المخيمات اللبنانية بعد عام 1982 وعام 2011 (ملف اللجوء المركب من سورية).

مؤسَّسة الدراسات الفلسطينيّة: وثائق وأدبيات تاريخية حول "النكبة المستمرة 1948"، والقرارات الدولية المرتبطة بتأسيس وكالة الأونروا (القرار 302) وحق العودة (القرار 194).

كتاب "جنوب لبنان 1948-1986": دراسة توثيقية تاريخية حول أثر الاعتداءات الإسرائيلية والحروب على البنية الاجتماعية والجغرافية للاجئين الفلسطينيين والتجمعات السكنية في لبنان.

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني (التقارير الرسمية الصادرة عن رئاسة مجلس الوزراء): وثائق التأسيس (2005)، والتقرير الإحصائي العام للاجئين، والاستراتيجية الوطنية المرفوعة للحكومة اللبنانية بشأن حوكمة المخيمات وتنظيم العلاقات اللبنانية-الفلسطينيّة.

مجموعة دراسات ومقالات لكاتب هذه المقالة.