مجلة الجولان
→ رجوع

واقع حقوق الإنسان للنازحين في قطاع غزة

✍ سامية جمال محمد الغصين 📅 2026/08/03 📖 العدد الأول 🗂 لواء إسكندرونة وفلسطين
تحميل المقال (PDF)

شهد قطاع غزّة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023م، واحدة من أكبر موجات النّزوح الدّاخلي في تاريخه، حيث أُجبر أغلبية سكّان القطاع على النّزوح من أماكن سكناهم نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية وأوامر الإخلاء المتكرّرة بعد أن شنّت القوات الحربية الإسرائيلية عدوانها على القطّاع بعد حوادث السّابع من أكتوبر 2023م، وقد أدّى ذلك إلى تدهور الأوضاع الإنسانية للسكّان المدنيين، وحدَّ من قدرتهم على الحصول على الحاجات الإنسانية الأساسية، وخلق أوضاعًا معيشية بالغة الصعوبة للسكّان النّازحين في مخيمات النّزوح ومراكز الإيواء، في ظلِّ محدودية الموارد واستمرار الأعمال العسكرية الإسرائيلية، ومنعهم من العودة إلى أماكنهم الأصلية.

أرست قواعد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان الحماية القانونية للنازحين داخليًّا، إذ تحظر اتّفاقيات جنيف، وخاصّة اتّفاقية جنيف الرّابعة لعام 1949م، والبروتوكولات الإضافية، التّهجير القسري للسكّان المدنيين إلاّ في ظروف استثنائية محدّدة تفرضها الضّرورات الأمنية أو العسكرية الملحَّة، كما تلزم أطراف النّزاع باتّخاذ التّدابير اللّازمة لحماية المدنيين وضمان احترام حقوقهم الأساسية في أثناء النّزاعات المسلّحة. كما أكّدت المبادئ التّوجيهية بشأن النّزوح الدّاخلي لعام 1998م، أنّ الأشخاص النّازحين داخل حدود دولتهم يتمتّعون بجميع الحقوق والحرّيات المقرَّرة بموجب القانون الدّولي من دون تمييز، وأنّ السّلطات المتخصِّصة تتحمّل مسؤولية رئيسة في توفير الحماية والمساعدة لهم.

وعلى الرّغم من وضوح الإطار القانوني الدّولي النّاظم لحماية النّازحين وكفالة حقوقهم، فإنّ واقع النّزوح في قطّاع غزّة يكشف عن فجوة ملحوظة بين الحماية القانونية المقرَّرة بموجب قواعد القانون الدّولي، والحماية الفعلية المتاحة على أرض الواقع، فقد أدّى النّزوح المتكرّر إلى المساس بجميع الحقوق الأساسية للسكّان النّازحين، خاصّة الحقّ في السّكن والمأوى الملائم، والحقّ في الصّحة والعلاج، والحقّ في التّعليم، والحقّ في الغذاء الصّحي والمياه النّظيفة، والحقّ في مستوى معيشي لائق، فضلًا عن تعاظم المخاطر التي تواجه النّساء والأطفال وكبار السّن والأشخاص ذوي الإعاقة، وأصحاب الأمراض المزمنة، ما يجعلنا نشهد تهجيرًا قسريًا ممنهجًا ومتعمّدًا عبر خلق بيئة طاردة للسكّان المدنيين، وللنّازحين منهم خصوصًا، تخلو من أيّ حقوق أساسية تدفعهم باتّجاه مغادرة أراضيهم والبحث عن الحياة والأمن والاستقرار في مناطق أخرى.

وتكتسب هذه الإشكالية - المتمثِّلة بالفجوة بين الحماية القانونية الدّولية المقرَّرة للنّازحين وبين واقعهم الفعلي في الاستفادة من هذه الحماية، وواقع تمتّعهم بالحقوق المقرَّرة لهم- أهميّة خاصّة في ضوء النّقاش المتزايد حول فعالية النّظام الدّولي في توفير الحماية للسكّان المدنيين، خاصّة النّازحين منهم، في أثناء النّزاعات المسلّحة، وذلك في وقت شهدت فيه نزاعات دولية أخرى تفعيل آليّات متنوّعة للحماية الدّولية والمساءلة القانونية الجنائية استجابة لانتهاكات جسيمة للقانون الدّولي الإنساني، حيث يثير التّباين في مستوى الاستجابة الدّولية تجاه أوضاع النّازحين في قطّاع غزّة تساؤلات قانونية وأخلاقية تتعلّق بمدى اتساق تطبيق المعايير الدّولية ومبادئ المساءلة وحماية حقوق الإنسان من دون تميّيز أو استثناء.

استنادًا إلى ما سبق، تسعى هذه المقالة البحثية إلى تحليل واقع حقوق الإنسان للنّازحين في قطّاع غزّة في ضوء قواعد القانون الدّولي الإنساني والقانون الدّولي لحقوق الإنسان، وذلك من خلال استعراض الإطار القانوني الدّولي النّاظم لحمايتهم، وبيان أبرز انتهاكات حقوق الإنسان للنّازحين في قطّاع غزة، والآثار الجسيمة المترتّبة على استمرار النّزوح المتكرّر وسياسات التّهجير القسري، وخلق بيئة طاردة للسكّان المدنيين، وكذلك مناقشة أثر التّباين في المواقف الدّولية وآليّات المساءلة على مستوى الحماية المتاحة للنّازحين، وتفترض هذه المقالة أنّ الفجوة القائمة بين الحماية القانونية المقرَّرة والحماية الفعلية المتاحة لا ترتبط فقط بطبيعة الانتهاكات المرتكبة وتكيّيفها القانوني، وإنمّا تتأثّر كذلك بمدى فعالية الإرادة الدّولية في إنفاذ قواعد القانون الدّولي وتفعيل آليّات الحماية والمساءلة والملاحقة القضائية بصورة عادلة ونزيهة.

الإطار المفاهيمي والقانوني الدّولي للنّزوح وحقوق النّازحين

يعدّ النّزوح الدّاخلي من أبرز الظّواهر الإنسانية التي شهدتها البشرية خلال العقود الأخيرة نتيجة تزايد النّزاعات المسلّحة والكوارث الطّبيعية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ويقصد بالنّازحين داخليًا الأشخاص الذين أُجبروا أو اضطروا إلى الفرار ومغادرة منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة نتيجة لآثار النّزاعات المسلحة أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الكوارث الطّبيعية أو تجنّبًا لها، من دون أن يعبروا حدودًا دولية معترفًا بها. ويتميّز النّازحون عن اللاجئين بكونهم يظلون داخل حدود إقليم دولتهم، ما يجعلهم من النّاحية القانونية تحت ولاية الدّولة ومسؤوليتها، على الرغم من أنَّ هذه الدّولة قد تكون في بعض الحالات عاجزة عن توفير الحماية اللازمة لهم، أو قد تكون طرفًا في الانتهاكات التي أدّت إلى نزوحهم وفراراهم من أماكن سكناهم الأصلية.

ويمثّل التّمييز بين النّازحين واللاجئين أهمية قانونية ضرورية، إذ يخضع اللّاجئون لنظام قانوني دولي خاصّ يستند إلى اتّفاقية عام 1951م الخاصّة بوضع اللّاجئين وبروتوكولها لعام 1967م، بينما لا توجد حتّى الآن اتّفاقية دولية ملزمة خاصّة بالنّازحين، ولذلك لا يتمتّعون بصفة قانونية دولية مستقلّة مماثلة لصفة اللّاجئين، ولكن تعدّ المبادئ التّوجيهية بشأن النّزوح الدّاخلي لعام 1998م هي الصكّ الدّولي المرجعي الأوّل الذي يحدّد حقوق النّازحين داخليًا، حيث تستند تلك المبادئ إلى قواعد القانون الدّولي الإنساني، والقانون الدّولي لحقوق الإنسان لتوفير إطار حماية شامل للنّازحين داخليًا.

وتؤكّد المبادئ التّوجيهية مجموعة من الحقوق الأساسية للنّازحين، من أبرزها الحقّ في الحماية من النّزوح القسري، والحقّ في الكرامة الإنسانية، والحقّ في الحصول على المساعدات الإنسانية، والحقّ في السّكن الملائم والتّعليم والرّعاية الصّحية، إضافة إلى الحقّ في العودة الطوعية الآمنة والكريمة، أو إعادة التّوطين، أو الاندماج المحلي. وقد كفلت الحماية الدّولية مجموعة واسعة من الحقوق الأساسية للنّازحين، من خلال المبادئ التّوجيهية للنّزوح الدّاخلي لعام 1998م، ومبادئ القانون الدّولي الإنساني، والقانون الدّولي لحقوق الإنسان، وقد جاءت هذه الحقوق كالآتي([1]).

أولًا: الحقّ في الحماية من النّزوح التعسّفي أو القسري

أكّدت المبادئ التّوجيهية أنَّ الأصل هو حماية الأفراد من التعرّض للنّزوح القسري أو التّعسفي، حيث يقع على عاتق السّلطات المختصّة واجب اتّخاذ جميع التّدابير الممكنة لمنع نزوح السكّان غير المبرّر. كما حظرت أيضًا عمليّات التّهجير الجماعي أو الفردي من دون وجود مبرّرات قانونية وإنسانية مشروعة، وخاصّة عندما تكون عمليات التّهجير الجماعي أو الفردي قائمة على التميّيز، أو العقاب الجماعي، أو التغيير الديموغرافي القسري، ويعكس هذا الحقّ العلاقة الوثيقة بين الحقّ في السّكن، والحقّ في الأمن الشخصي، وحرّية اختيار محل الإقامة.

ثانيًا: الحقّ في الحماية والأمن خلال النّزوح

يتمتّع النّازحون داخليًا بجميع الحقوق والحرّيات الأساسية المقرَّرة للمواطنين جميعًا بلا أي تمييّز بسبب وضعهم كنازحين. وفي هذا السّياق، أكّدت المبادئ التّوجيهية ضرورة توفير الحماية للنّازحين من أعمال العنف والاعتداءات الجسدية والنّفسية، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون، والتّعذيب، والعنف الجنسي، والاستغلال، والاختفاء القسري، والتجنيد القسري للأطفال، وإشراكهم في الأعمال العدائية. كما شدّدت على ضرورة توفير حماية خاصّة للفئات الأكثر ضعفًا، مثل النّساء والأطفال وكبار السنّ والأشخاص ذوي الإعاقة.

ثالثًا: الحقّ في الحصول على الحاجات الأساسية والخدمات الإنسانية

كفلت المبادئ التّوجيهية للنّازحين حقّهم في الحصول على مستوى معيشي لائق يضمن كرامتهم الإنسانية، وذلك يشمل الغذاء الكافي، والمياه الصّالحة للشرب، والمأوى الملائم، والرعاية الصّحية الأساسية، والملابس والخدمات الصّحية. كما أكّدت مسؤولية السّلطات الوطنية في توفير هذه الحاجات، ووجوب تسهيل وصول المنظّمات الإنسانية إلى النّازحين من دون عوائق غير مبررة، وتقديم خدماتها لهم. ويعدّ هذا الحقّ من أهمّ الحقوق المرتبطة ببقاء النّازحين في قيد الحياة وضمان الحدّ الأدنى من الحماية الإنسانية لهم.

رابعًا: الحقّ في التّعليم والحفاظ على الرّوابط الأسرية

قد أولت المبادئ التّوجيهية اهتمامًا خاصًا لحماية الأسرة والحفاظ على وحدتها وترابطها ولمّ شملها، فأكّدت على ضرورة اتّخاذ التّدابير اللّازمة للحفاظ على وحدة الأسرة ومنع تفكّكها وتشتّتها نتيجة النّزوح. كما كفلت حقّ الأطفال النّازحين في الحصول على التّعليم المجاني والإلزامي في مراحله الأساسية، مع مراعاة حاجاتهم الثّقافية واللّغوية والدّينية، ويكتسب هذا الحقّ أهمية مضاعفة في حالات النّزاعات المسلّحة طويلة الأمد التي تؤثّر بصورة مباشرة في فرص الأطفال والشّباب في الوصول إلى التّعليم بمراحله كافة.

خامسًا: الحقّ في حرية التنقّل والمشاركة في الحياة العامّة

لقد أكّدت المبادئ التّوجيهية حقّ النّازحين في حرّية الحركة والتنقّل واختيار محلّ إقامتهم داخل الدّولة، وعدم تقيّيد تنقّلهم إلّا وفقًا للقانون وللضّرورات المشروعة، كما كفلت حقّهم في المشاركة في الشّؤون العامة، والانتخابات، والحصول على الوثائق الرسمية اللازمة لإثبات هويتهم، وممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، بما يضمن عدم تهميشهم أو إقصائهم بسبب ظروف النّزوح، ومغادرتهم لأماكنهم الأصلية.

سادسًا: الحقّ في العودة الطّوعية أو إعادة التّوطين والتّعويض

تعدّ مرحلة الحلول الدّائمة أحد أهمّ القضايا التي تعرّضت لها المبادئ التّوجيهية للنّزوح الدّاخلي، حيث أكّدت حقّ النّازحين في العودة الطّوعية والآمنة والكريمة إلى مساكنهم ومناطقهم الأصلية فور زوال الأسباب والظّروف التي أجبرتهم على النّزوح، أو إعادة التّوطين في مناطق أخرى داخل الدولة إذا تعذّر ذلك، كما أقرّت حقّهم في استرداد ممتلكاتهم أو الحصول على تعويض عادل ومنصف عن الأضرار والخسائر التي لحقت بهم نتيجة النّزوح. ويعدّ هذا الحقّ حقًا أساسيًا لتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة بناء حياة النّازحين ودعم تعافيهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي ارتُكبت بحقهم مستقبلًا.

واقع حقوق الإنسان للنّازحين في قطاع غزّة في ضوء المبادئ التّوجيهية بشأن النّزوح الداخلي لعام 1998م، وسياسات التّهجير القسري

يثير واقع النّزوح في قطاع غزّة مجموعة من الإشكاليات القانونية المرتبطة بمدى احترام وحماية حقوق الإنسان الأساسية للنّازحين داخليًا، حيث يعيش النّازحون في ظروف إنسانية في غاية القسوة والصّعوبة. سنحاول خلال هذه المقالة تسليط الضّوء على تلك الظروف في ضوء المبادئ التّوجيهية للنّزوح الدّاخلي لعام 1998م.

الحرمان من الخدمات الأساسية (مثل المسكن والصحة والتّعليم والمياه والغذاء)

يعيش النّازحون في قطاع غزّة في مخيمات ومراكز للنّزوح تفتقد إلى مقومات الحياة الأساسية كافة، ما يشكّل مساسًا جسيمًا بجميع حقوقهم الإنسانية مثل الحقّ في السّكن والمأوى الملائم، فالخيام المصنوعة من القماش أو الجلد والموجودة في مناطق تفتقد البنية التحتية لا تعدّ مهيَّأة للعيش الإنساني، حيث الازدحام الشّديد وعدم وجود مرافق صحية كافية وملائمة لاستخدامهم، وعدم توفّر مياه صالحة للشّرب أو الاستخدام المنزلي، وانعدام للخصّوصية والأمان، وعدم توفّر الإنارة ليلًا.

ويعتمد أغلبية النّازحين في تأمين طعامهم على المطابخ المجتمعية التي تشرف عليها مؤسَّسات محلية أو المطبخ العالمي، وهي في مجملها لا تحظى برضا النّازحين نظرًا إلى انخفاض جودتها وقيمتها الغذائية، وعدم كفايتها واستدامتها في مخيمات النّزوح. وقد عانى النّازحون من مستويات حادّة من انعدام الأمن الغذائي، وواجهوا تجويعًا ممنهجًا خلال الحرب، وأعداد كبيرة منهم لا تزال غير قادرة على توفير الطّعام اليومي لأسرها نظرًا إلى عديد من الأسباب، منها فقدان أغلبيتهم لمصادر دخلهم أو أماكن عملهم بعد فقدانهم لمنازلهم وأراضيهم.

وفي هذه المخيمات والمراكز يفتقد النّازحون خدمات الصّحة والرّعاية الطبية، نظرًا إلى انهيار النّظام الصحّي الفلسطيني، والاعتماد على تلقّي الخدمات الصّحية والأدوية من المنظّمات الإنسانية الدّولية الطّبية العاملة في قطاع غزّة، ولا يزال أكثر من 18 ألف مواطن فلسطيني بحاجة إلى الإجلاء الطّبي العاجل لتلقّي العلاج خارج غزّة، من بينهم 3,800 طفل يحتاجون إلى تدخلات علاجية متقدّمة خارج فلسطين ([2]).

كما تفتقد النّقاط الطّبية في مراكز الإيواء لأي خدمات طبية أو أماكن طبية منفصلة خاصّة بصحة النّساء الإنجابية والجنسية، وخاصّة خدمات رعاية الحوامل وما بعد الولادة، ما يضع آلاف النّساء الحوامل النّازحات في دائرة الخطر إذا ما داهمتهن أعراض الولادة داخل خيامهن، أو بعد الولادة للأم والطفل ([3]).

كما يواجه النّازحون عبء انتشار الأمراض المعدية بأعداد غير مسبوقة من خلال التهابات الجهاز التنفّسي والأمراض الجلدية والعدوى الطّفيلية، نظرًا إلى الاكتظاظ الشّديد في مراكز النّزوح ومحدودية القدرة على الوصول إلى الخدمات الصّحية، وعدم توافر المياه ومواد النّظافة الشّخصية.

وللعام الثّالث على التوالي، لا يزال آلاف الطلاب من النّازحين من المستويات التّعليمية كافة غير قادرين على الالتحاق بالمدارس والمراكز التّعليمية، لتوقّف العملية التّعليمية بسبب استهداف أغلبية المدارس وقصفها من الجيش الإسرائيلي، أو تحويلها إلى مراكز إيواء للنّازحين، وعدم ملاءمتها للعودة للتّدريس فيها مرّة أخرى، وعلى الرّغم من وجود بعض المبادرات التّعليمية التي تتبناها مؤسَّسات محلية أو دولية إلَّا أنَّ أغلبية الأطفال الغزّيين، من النّازحين خاصّة، لا يزالون محرومين من التّعليم والعودة لمدارسهم والانتظام في دراستهم، ما يجعلنا أمام أجيال كاملة باتت من دون تعليم.

الحرمان من الوثائق الثّبوتية ووحدة الأسرة

لقد فقد أغلبية سكّان غزّة من النّازحين أوراقهم الثّبوتية نتيجة قصف وتدمير منازلهم التي غادروها تحت القصف العسكري الإسرائيلي المكثّف، من دون أن يتسنَّى لهم أخذ مقتنياتهم وممتلكاتهم وأوراقهم الثّبوتية الشّخصية، ما يجعلهم أمام تحدّيات قانونية كثيرة تعوق في كثير من الأحيان الحصول على خدمات الصّحة والتّعليم والسّفر وتلقّي المساعدات الإنسانية، أو المطالبة بالحقوق مثل حقوق الإرث والنّفقة والحضانة.

كما عانى مئات الآلاف من النّازحين من التشتُّت الأسري وتفرُّق الأسر الفلسطينيّة، وعدم وحدتها نتيجة النّزوح المتكرّر، والفصل الذي دام أكثر من عامين بين شمال وجنوب قطاع غزّة، وقد ازدادت هذه المعاناة في ظلِّ انقطاع شبكة الاتصالات والإنترنت، وانتشار مستويات حادّة من عدم الأمن الغذائي في شمال القطاع، ترافق مع كثافة للعمليات العسكرية والتّدمير والتّجريف لمعظم مناطقه، ما زاد من مستويات القلق والخوف والضّغوط النّفسية لدى العائلات النّازحة والمشتّتة بين الشّمال والجنوب، فهناك عائلات فقدت التّواصل مع أحد أفراد عائلاتها أو أكثر، وهناك من اضطرّ من سكان القطاع إلى ترك أفراد عائلته المسنّين أو المعاقين أو المرضى الذين لم يتمكنوا من تحمّل ظروف الطّريق والنّزوح الصّعبة، فقد ظلّت عديد من العائلات منفصلة لفترات طويلة، ومن دون معرفة مصير أحبّائها غالبًا([4]).

الحرمان من الحماية والأمن

يواجه النّازحون تحديات جسيمة تتعلّق بالسّلامة الشّخصية والأمن الإنساني نتيجة الاكتظاظ الشّديد في مراكز الإيواء ومخيمات النّزوح، وانعدام الخصوصية الأسرية والشّخصية، ونقص التّدابير الوقائية اللّازمة للحماية من جميع أشكال العنف والاعتداء والاستغلال والتّمييز، وخاصّة الفئات الأكثر ضعفًا، حيث تتأثّر النّساء والأطفال والأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السّن وأصحاب الأمراض المزمنة بصورة خاصّة بظروف النّزوح القاسية، وتتزايد مخاطر التعرّض للعنف القائم على النّوع الاجتماعي والاستغلال والإهمال، فضلًا عن التّحديات المرتبطة بالحصول على الخدمات الأساسية والرّعاية الملائمة، كما أنّ استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والنّزوح المستمرّ يحدّ من قدرة النّازحين على التّمتع بحقّهم في الأمن والأمان والعيش بكرامة.

الحرمان من العودة إلى مناطقهم وأراضيهم الأصلية

إنّ للنّازحين الحقّ في العودة الطوعية والآمنة والكريمة إلى مناطق إقامتهم الأصلية، إلَّا أنَّ التّدمير واسع النّطاق الذي لحق بالمنازل السّكنية للنّازحين وجميع مقومات البنية التّحتية والمرافق العامّة في قطاع غزّة يطرح تحدّيات كبيرة أمام تنفيذ هذا الحقّ، فإعادة النّازحين إلى مناطقهم الأصلية تتطلّب توفير الأمن والسّلامة وإعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية، وهذا في ظلِّ الظّروف السّياسية والأمنية القائمة غير قابل للتحقّق، وقد يبدو صعب المنال في ظلِّ استمرار التعنُّت الإسرائيلي والمماطلة في تنفيذ بنود اتّفاق وقف إطلاق النّار الذي جرى التّوصل إليه في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، والذي بموجبه يفترض الانسحاب الإسرائيلي من تلك الأراضي التي جرت السّيطرة عليها والتي تتجاوز ما نسبته 60 في المئة من إجمالي مساحة قطاع غزّة، فضلًا عن ضرورة ضمان استعادة الممتلكات أو الحصول على تعويضات عادلة عن الأضرار والخسائر. ومن ثمّ فإنّ تحقيق الحلول الدّائمة للنّازحين في قطاع غزة يظلّ مرتبطًا بإنهاء أسباب النّزوح وتوفير حلول سياسية للقضية الفلسطينيّة.

آليات وأدوات فرض سياسات التّهجير القسري في قطاع غزّة

تستخدم سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزّة منظومة متكاملة من الأدوات والآليّات المتنوّعة لفرض التّهجير القسري وتحويل غزّة إلى بيئة طاردة وغير قابلة للحياة البشرية، بهدف دفع السكّان نحو النّزوح المتكرّر تمهيدًا لإفراغ الأرض من أهلها وإحكام السّيطرة عليها، وهو ما أكدته محكمة العدل الدّولية في رأيها الاستشاري الصّادر عام 2024م، حيث رأت المحكمة أنّ النّقل قد يكون قسريًا ومن ثم محظورًا بموجب الفقرة الأولى من المادة 49 من اتّفاقية جنيف الرابعة ليس فقط عندما يتم باستخدام القوّة البدنية، بل أيضًا عندما لا يكون أمام الأشخاص المعنيين خيار سوى المغادرة([5](.

أوامر الإخلاء المتكرِّرة والإنذارات العسكرية

تعدّ أوامر الإخلاء العسكرية التي أصدرها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة الأداة التّنفيذية الأولى والرّكيزة الأساسية في عمليات التّهجير القسري الجماعي الممنهج، حيث شملت هذه الأوامر على مدار أشهر الحرب ما يزيد على 80 في المئة من مساحة قطاع غزّة، مجبرة نحو مليوني فلسطيني على النّزوح المتكرّر، وتشير التقديرات إلى أنّه حتّى نهاية العام الأوّل من الهجوم، نزح سكان قطاع غزّة ستّ مرات في المتوسّط ([6])، وبعضهم نزح أكثر من عشر مرات بحثًا عن الأمان المفقود ([7]). فقد قسم الجيش الإسرائيلي قطاع غزّة إلى خريطة مجزّأة تضمّ أكثر من 600 مربّع سكني مرقّم، يُبلَّغ السّكان عبر إلقاء مناشير ورقية أو إرسال رسائل نصّية واتصالات مسجلّة عبر الهاتف، وتطالب السّكان بإخلاء مناطق محدّدة والتّوجه إلى منطقة المواصي السّاحلية، وهي منطقة ساحلية رملية صغيرة قليلة الخدمات، تفتقد إلى أدنى مقوّمات الحياة ومصادر المياه والصّرف الصّحي، وقد صنّفتها إسرائيل منطقة إنسانية آمنة ولكنّها تعرّضت للقصف المتكرّر باستمرار([8]).

محو المنازل وإبادتها ماديًا ومعنويًا

لقد دمّرت القوات الإسرائيلية بذرائع واهية عشرات آلاف المنازل، أو ألحقت أضرارًا كبيرة بها، وبحسب الهيئة العربية للإعمار، فقد تمّ تدمير 430 ألف بناية سكنية بشكل كلّي أو جزئي([9])، وذلك بهدف واضح جعلها غير صالحة للسكن، ودفع سكانها إلى الهجرة منها. وأمام حجم الدّمار الهائل الذي لحق بالوحدات السكنية في القطاع ، برز مصطلح "إبادة المنازل" (domicide) في كتابات المحلّلين وتقارير الخبراء الذين تابعوا أحداث هذه الحرب ([10])، ويقصد به التّدمير واسع النّطاق أو المنهجي لمساكن المدنيين في أثناء النّزاعات.

ولا يقصد بالمنزل مكان السّكن فقط، بل يشمل كلّ ما يحيط بهذا المكان من أمن، وراحة، وخصوصية وذكريات شخصية، وحصولٍ على ماء وكهرباء، بحيث يتسبّب تدمير المنزل في حرمان صاحبه من إمكانية الوصول إلى جميع أسباب الحياة اللائقة هذه، وينطوي على جانب نفسي مؤلم للشّخص الذي يعيش فيه ([11]). وهو ما يشكّل إبادة للذّاكرة الجمعية والهُويّة الثّقافية للسكّان المدنيين.

الاستهداف المكثّف للبنية التّحتية المدنية

ساهم تدمير الجيش الإسرائيلي للبنية التّحتية الحيوية مثل المستشفيات، والمراكز الصّحية، والمدارس والجامعات ورياض الأطفال، والمخابز والمصانع، والمساجد والكنائس، والمحاكم ومراكز الشّرطة، وشبكات المياه والصّرف الصّحي والكهرباء والاتصالات والطّرق في خلق ظروف معيشية غير قابلة للاستمرار أو الاحتمال لدى السكّان المدنيين، خاصّة في شمال غزّة وشرقها. ويعتبر ما فعلته اسرائيل في القطاع من أدوات الإكراه غير المباشر التي دفعت بالسكان إلى النّزوح أو عدم العودة لمناطق إقامتهم الأصلية بحثًا عن الحدّ الأدنى من مقوّمات البقاء والحاجات الإنسانية الأساسية التي لا غنى عنها للسكّان، حيث إنّه قد تمّ توثيق 257 منشأة صحية خارج الخدمة، و431 مدرسة تضرّرت جزئيًا أو كليًا، 817 دار عبادة تمّ تدميرها، وكذلك 30 موقعًا أثريًا ([12]).

تقييد المساعدات الإنسانية

يعدّ تقييد دخول المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية والدّوائية إحدى أدوات الإكراه غير المباشر التي تستخدمها إسرائيل لتهجير السكّان المدنيين في غزّة، حيث أدّى ذلك إلى تفاقم وتدهور الأوضاع المعيشية والصّحية، ما دفع السكّان إلى النّزوح القسري كخيار وحيد للبقاء. وتكمن خطورة هذا النّمط في كونه يمسّ مباشرة مجموعة كبيرة من الحقوق الأساسية والضّرورية للسكّان مثل الحقّ في الحياة والصّحة والرّعاية الطّبية والغذاء والأمن والكرامة الإنسانية.

التّباين في الالتزام بالمعايير الدّولية بين الوضع في قطاع غزّة وأوكرانيا

تتجلّى فكرة ازدواجية المعايير الدّولية في التّباين الصّارخ بين ردّات فعل المجتمع الدّولي، وخاصّة الدّول الغربية تجاه النّزاع الدّائر في قطاع غزّة مقارنة بالنّزاع في أوكرانيا، على سبيل المثال لا الحصر، وغيرها من الأماكن التي تشهد نزاعات مسلّحة، حيث تطبّق قواعد القانون الدّولي بصورة انتقائية تخضع للمصالح الجيوسياسية، بدلًا من الوفاء بالالتزامات القانونية والإنسانية التي يحدّدها القانون الدّولي، وبالذّات القانون الدّولي الإنساني والقانون الدّولي لحقوق الإنسان. سنحاول إلقاء الضّوء على ذلك التّباين والذي أرخى بظلاله الثّقيلة على مستوى الاستجابة الإنسانية للأزمة التي شهدها قطاع غزّة خلال حرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها منذ السّابع من تشرين الأول/ أكتوبر لعام 2023م وحتى الآن، وذلك من خلال النّقاط الآتية:

1. واجهت التّحقيقات أمام المحكمة الجنائية الدّولية بشأن انتهاكات للقانون الدولي الإنساني في فلسطين عرقلة شديدة لسنوات طويلة، ترافقت مع ضغوط سياسية كبيرة وفرض عقوبات مثل تلك العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على مسؤولي المحكمة الجنائية الدّولية في عام 2025م، ومنعتهم من دخول الولايات المتحدة ورفضت إعطاءهم تأشيرات، وذلك بهدف عرقلة إصدار مذكّرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان يوآف غالانت، بتاريخ تشرين الثاني/ نوفمبر 2024م([13])، والتي على الرّغم من صدورها لم تُنفّذ حتّى الآن، بينما في ما يتعلق بالوضع في أوكرانيا فقد سارعت المحكمة الجنائية الدّولية فور اندلاع الحرب مع روسيا عام 2022م، إلى إصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مسؤولين روس منهم الرّئيس بوتين([14])، في مارس 2023م، بتهم ارتكاب جرائم حرب بعد وقت قصير جدًا من اندلاع النّزاع بين روسيا وأوكرانيا، وأُنشئ مكتب للمحكمة الجنائية الدّولية في أوكرانيا لمتابعة ملفّ الانتهاكات في النّزاع الدّائر، وأوامر الاعتقال التي صدرت بحقّ المسؤولين الرّوس، لتفعيل المساءلة والملاحقة القضائية، وتوثيق الانتهاكات.

2. لا يزال النّازحون في قطاع غزّة يعيشون في ظلِّ ظروف مأسوية وقاسية تحت حصار إسرائيلي مشدّد ومستمر منذ نحو ما يقارب 19 عامًا، مع استهداف مباشر وتدمير كامل للمرافق الحيوية التي تؤوي السكّان المدنيّين وتقدّم لهم الخدمات الضّرورية، كما أنّ المساعدات الإنسانية التي تصل إلى غزّة التي لا تكفي حاجات السكّان وتخضع لقيود إسرائيلية مشدّدة الهدف الرّئيس منها منع الانهيار التّام في قطاع غزّة، بينما الوضع في أوكرانيا على عكس الوضع في قطاع غزّة، فلا قيود على دخول المساعدات الإنسانية التي تتدفّق بسهولة ومن دون انقطاع، وتقترن المساعدات بفرض مجموعة من العقوبات والمساءلة القانونية على الجانب الرّوسي.

وبينما وكما أصبح معروفًا، فقد أُغلقت المعابر الحدودية كافّة التي تربط قطاع غزّة بالعالم الخارجي، ومُنع السكّان المدنيون من الخروج من قطاع غزّة في أثناء شنّ الهجمات العسكرية الإسرائيلية المكثّفة على أنحاء القطاع كافّة، وعدم فتح ممارّ آمنة، أو توفير حلول حماية فعّالة لهم، على الرغم من أنَّه جرى الاعتماد على مسارات انتقائية ومحدودة للسّماح بخروج أعداد قليلة جدًا من المدنيين، مثل الإجلاء الطّبي، أو لمّ الشّمل الأسري، أو عبر برامج أكاديمية لحماية الباحثين المعرّضين للخطر، أو تأشيرات إنسانية خاصّة ومحدودة، بينما فُتحت الحدود أمام ملايين النّازحين من أوكرانيا في أوروبا، وقدّمت لهم الحماية الفورية المؤقّتة والملاجئ من خلال الإطار القانوني للحماية المؤقتة التي منحت للأوكرانيين داخل الاتحاد الأوروبي([15])، وتشمل الحقوق التي يوفّرها نظام الحماية المؤقتة ما يأتي :الحقّ في الإقامة القانونية داخل أراضي الدّول الأعضاء، والحقّ في العمل وممارسة الأنشطة المهنية، والحصول على الرّعاية الصّحية الأساسية، والاستفادة من خدمات التّعليم للأطفال، والحصول على المساعدات الاجتماعية والدّعم الإنساني، ولمّ شمل الأسرة في حالات معينة ([16]).

إضافة إلى توفير الدعم المالي والعسكري الكبير للدّولة الأوكرانية للدّفاع عن نفسها، وهو ما لم يحدث في قطاع غزّة الذي حوصر ومنع سكّانه من الخروج من مناطق القتال، ومنعوا من السّفر ومغادرة قطاع غزّة إلاّ بأعداد قليلة ومحدودة جدًا، ولم يقدّم له أيّ دعم عسكري أو مالي، ما عدا المساعدات الإنسانية المقيدة التي خضعت للسّيطرة الإسرائيلية المشدّدة، والتي استخدمت أداة للضّغط السّياسي.

3. تباينت مواقف الدّول الغربية تجاه النّزاع في قطاع غزّة عنه في أوكرانيا، فالمواقف الغربية تجاه الوضع في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، بما فيه الوضع في قطاع غزة في ما يتعلق بحرب الإبادة الجماعية، راوحت بين بيانات القلق والاستنكار ضدّ الاحتلال الإسرائيلي من دون اتّخاذ مواقف جادّة أو ضغوط حقيقية لإيقاف العدوان الإسرائيلي على غزّة، وإجراءات عقابية مماثلة للإجراءات التي اتخذتها بشأن الغزو الرّوسي للأراضي الأوكرانية، حيث عدّت الدّول الغربية ذلك انتهاكًا للسيادة الأوكرانية ولمبادئ القانون الدّولي، وفرضت عقوبات مشدّدة على روسيا، استهدفت على نحو أساسي قطاع الطّاقة والمنتجات النّفطية والمصانع العسكرية([17]).

4. برز التناقض في أنسنة الضّحايا والاعتراف بإنسانيتهم الكاملة وعدم التّعامل معهم كأرقام مجرّدة. فقد حظي الضّحايا الأوكرانيون بتعاطف عالمي وتغطية إعلامية دولية منذ اندلاع النّزاع مع روسيا، بينما جرى التّعامل مع الضّحايا في قطاع غزّة بطريقة غير إنسانية تفتقد لمبادئ العدالة والنّزاهة، حيث إنّ الخطاب الإعلامي الدّولي ركّز على تبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوّات الاحتلال الإسرائيلي، ومنحت الحقّ لإسرائيل بالدّفاع عن نفسها بعد الهجوم الذي شنّته حماس على المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزّة صباح السّابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023م، وهو ما أطال أمد الحرب وأثّر في مستوى الاستجابة الإنسانية الطّارئة التي كان النّازحون بأشدّ الحاجة إليها.

لم تُطبَّق المبادئ القانونية الواردة في القانون الدّولي الإنساني، والقانون الدّولي لحقوق الإنسان ذاتها، والمعايير الدّولية ذاتها عند تقويم الانتهاكات التي ارتكبت في النّزاع في قطاع غزّة مثلما حدث في النّزاع في أوكرانيا، ولم يجري التّعامل بالمواقف والإجراءات نفسها التي تبنّتها الدّول الغربية. وعلى الرغم من أنَّ المجتمع الدولي غير ملزم باتّخاذ الإجراءات ذاتها في كلّ حالة، لأنَّ المسألة ليست عملية مقارنة بين أعداد الضّحايا أو الظّروف العسكرية بين نزاع مسلّح وآخر، ولكنّ المقارنة تكمن في مدى اتساق تطبيق القواعد القانونية الدّولية على النّزاعات المسلّحة عمومًا.

فمبادئ حماية السكّان المدنيين وأعيانهم المدنية، وحظر الاستهداف العشوائي والتميّيز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية، وحظر التّهجير القسري، وحماية النّازحين، وتوفير الحقوق والحاجات الأساسية والحماية اللّازمة، والحقّ في العودة الطّوعية الآمنة والكريمة هي ذاتها في القانون الدّولي الإنساني، إلَّا أنَّ الاختلاف يكمن في مستوى الاستجابة الدّولية، وهو ما يعكس التّباين الصّارخ في المواقف القانونية والأخلاقية والإنسانية تجاه أيّ نزاع مسلّح، ويحدّد آليات وإجراءات الاستجابة الدّولية، ومدى القدرة على تفعيل أدوات الضّغط السّياسي، ويطرح تساؤلات جادّة حول عالمية حقوق الإنسان، ووحدة تطبيق قواعد القانون الدّولي من دون تميّيز أو استثناء.

وفي الحالة الفلسطينيّة في قطاع غزّة، أدّى التّباين الصّارخ في تطبيق القانون الدّولي، وبالذّات مبادئ القانون الدّولي الإنساني بصورة عملية إلى استمرار النّزوح المتكرّر للسكّان المدنيّين، وتهجيرهم قسريًا من مناطق سكناهم الأصلية، ومنع عودتهم إليها، وإطالة أمد الأزمة الإنسانية، حتّى عندما شهد القطاع مستويات حادّة من التّجويع الممنهج نتج منها عديد من حالات الوفاة، وانعكس كذلك على ضعف الحماية الدّولية التي كان يفترض أن يتمتّع بها السكّان المدنيون، إضافة إلى أنّها عمَّقت انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية للنّازحين المنصوص عليها في المبادئ التّوجيهية للنّزوح الدّاخلي التي استعرضناها سابقًا، كما تراجعت فرص المساءلة والملاحقة القضائية لمرتكبي الجرائم الدّولية من القيادات السّياسية والعسكرية الإسرائيلية.

خاتمة

في ضوء ما جرى تناوله في هذه المقالة البحثية، يتّضح أنّ ظاهرة النّزوح الدّاخلي في قطاع غزّة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023م، التي نتجت من العمليات العسكرية المتواصلة وأوامر الإخلاء المتكرّرة، وأدّت إلى خلق واقع نزوح واسع النّطاق طال أغلبية سكّان القطاع، وأدّى إلى تدهور حادّ في الأوضاع المعيشية والحقوق الإنسانية للمدنيين، وبخاصّة النّازحون منهم.

وعلى الرغم من أنَّ النّازحين داخليًا يتمتّعون بحماية قانونية شاملة بموجب قواعد القانون الدّولي الإنساني والقانون الدّولي لحقوق الإنسان، إلَّا أنَّ الواقع العملي يكشف عن فجوة كبيرة بين هذا الإطار القانوني الدّولي من جهة، والحماية الفعلية المطبّقة في الواقع في قطاع غزّة من جهة أخرى، وهو ما ظهر من خلال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الأساسية للنّازحين، وفي مقدمتها الحقّ في السّكن الملائم، والصّحة، والغذاء، والتّعليم، والأمن، ومستوى المعيشة اللّائق، والكرامة الإنسانية.

كما خلصت المقالة إلى أنّ استمرار حالة النّزوح المتكرّر وعدم السّماح للنّازحين بالعودة الآمنة، إضافة إلى تدمير البنية التّحتية والمرافق العامة، وتقيّيد وصول المساعدات الإنسانية، وتجاهل حقوق الإنسان والحاجات الأساسية للنّازحين، قد ساهم في تكريس بيئة إنسانية شديدة القسوة والهشاشة، تدفع باتّجاه التّهجير القسري وعدم العودة إلى المناطق والأراضي التي جرى النّزوح منها.

كما أبرزت المقالة أنّ قواعد القانوني الدّولي، على الرّغم من وضوحها وتطوّرها في مجال حماية المدنيّين والنّازحين، إلَّا أنَّ تطبيقها العملي يشهد تفاوتًا ملحوظًا يرتبط بمدى توافر الإرادة السّياسية الدّولية، وهو ما ظهر جليًا من خلال المقارنة بين الوضع في قطّاع غزة والوضع في أوكرانيا، من حيث سرعة الاستجابة الدّولية، وتفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة القضائية الدّولية، وفرض العقوبات، وتوثيق الانتهاكات، وتدفّق المساعدات الإنسانية، وآليات الحماية المؤقّتة، فالإشكالية الرّئيسة لا تكمن في غياب القواعد القانونية الدّولية، وإنّما في انتقائية تطبيقها والالتزام بها.

النّتائج

لقد توصلّت المقالة إلى مجموعة من النّتائج، أبرزها:

1. النّزوح الداخلي في قطاع غزّة نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تهجير السكّان المدنيّين من مناطقهم الأصلية، كانت أدواتها الرّئيسة هي العمليات العسكرية المكثفّة، وسياسات الإخلاء ومحو المنازل، والقيود المفروضة على الحركة والتنقّل.

2. على الرّغم من وجود إطار قانوني دولي متكامل لحماية النّازحين، يتمثَّل بالقانون الدّولي الإنساني، والقانون الدّولي لحقوق الإنسان، والمبادئ التّوجيهية للنّزوح الدّاخلي لعام 1998م، إلَّا أنَّ هناك فجوة واضحة في مستوى التّطبيق الفعلي على أرض الواقع في قطاع غزّة، وقد ظهرت من خلال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الأساسية للنّازحين، وعدم كفالة الحاجات الأساسية لهم، واستمرار معاناتهم على نحو رهيب.

3. الاستجابة الدّولية للنّزاع في أوكرانيا كانت أكثر سرعة وفاعلية مقارنة بالوضع في قطاع غزّة، أكانت هذه الاستجابة في مجال تقديم وإدخال المساعدات الإنسانية، أم في آليّات الحماية المؤقّتة، أم عبر المساءلة والمحاسبة القضائية الدّولية، أم من خلال فرض العقوبات، وهو ما يظهر ازدواجية المعايير في تطبيق قواعد القانون الدّولي، والتي تؤثّر مباشرة في فعالية حماية السكّان المدنيين والنّازحين وكفالة تمتّعهم بالحقوق الأساسية المقرَّرة لهم.

ولذلك تقدم المقالة البحثية التّوصيات الآتية:

1. تفعيل دور المحكمة الجنائية الدّولية وآليات المساءلة الدّولية لضمان محاسبة مرتكبي الجرائم الدّولية وعدم الإفلات من العقاب من دون انتقائية.

2. العمل على ضمان وصول المساعدات الإنسانية وتدفّقها من دون عوائق إلى السكّان المدنيين في مناطق النّزاعات المسلحة كافّة بما فيها قطاع غزّة، وذلك وفقًا لمبادئ القانون الدّولي الإنساني.

3. توسيع برامج الاستجابة الإنسانية الطارئة بما يشمل توفير المأوى الآمن، والرّعاية الصّحية، والدّعم النّفسي والاجتماعي، والتّعليم خلال حالات الطوارئ، والاهتمام الخاصّ بالفئات الأكثر ضعفًا في قطاع غزّة من جميع الجهات الوطنية والدّولية.

4. تعزيز التّوثيق القانوني والحقوقي لانتهاكات حقوق الإنسان للنّازحين في قطاع غزّة، لدعم مسارات المساءلة والمحاسبة القانونية المستقبلية على المستوى الدّولي.


الهوامش

  1. الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، لجنة حقوق الإنسان، المبادئ التوجيهية بشأن التشرد الداخلي، الوثيقة رقم E/CN.4/1998/53/Add.2، 11 شباط/ فبراير 1998. المجلس الاقتصادي والاجتماعي. ^
  2. . بيان صحفي صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بمناسبة اليوم العالمي للصحة في 7 نيسان/ أبريل 2026م، https://www.pcbs.gov.ps/en/post-details/?postId=23559 ^
  3. . سامية الغصين، مدى مراعاة مراكز الإيواء المقاومة بعد وقف إطلاق النار لمعايير القانون الدولي الإنساني، ورقة قانونية منشورة على موقع جمعية أجيال للتنمية والتطوير، مرصد النزوح الداخلي، غزة، شباط/ فبراير 2026م. ^
  4. . تقرير بعنوان: "لا مكان تحت السماء": الترحيل القسري في قطاع غزة، 2023-2025، منشور على موقع بيتسيلم مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، بتاريخ 19 كانون الأول/ ديسمبر 2025م، تاريخ زيارة الموقع 4 حزيران/ يونيو 2026، الساعة الخامسة مساءً، لا مكان تحت السماء. ^
  5. . ملخص الرأي الاستشاري الصادر في 19 تموز/ يوليو 2024م، رقم المستند 186-20240719-SUM-01-00-EN، تاريخ زيارة موقع المحكمة 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة السادسة مساءً. ^
  6. . تقرير بعنوان: "لا مكان تحت السماء": الترحيل القسري في قطاع غزة، 2023-2025، منشور على موقع بيتسيلم بتاريخ 19 كانون الأول/ ديسمبر 2025م، تاريخ زيارة الموقع في 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة الخامسة والنصف مساءً، لا مكان تحت السماء. ^
  7. . تقرير الأونروا رقم 186 حول الأزمة الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، التي تشمل القدس الشرقية، الصادر في 1 أيلول/ سبتمبر 2025م، تاريخ زيارة موقع الأونروا 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة الخامسة مساءً، https://www.unrwa.org/ar/resources/reports ^
  8. . تقرير بعنوان: نزوح غزة "غير مسبوق ولم يره العالم منذ عقود"، سارة إبراهيم (معدّة)، أحمد نور وقسم الصحافة البصرية في خدمة بي بي سي العالمية، منشور بتاريخ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2025م، تاريخ زيارة الموقع في 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة الخامسة مساءً. غير مسبوق ولم يره العالم منذ عقود. ^
  9. . موقع الهيئة العربية الدولية للإعمار في فلسطين، جرت زيارة الموقع في 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة السادسة مساءً، الموقع الرسمي للهيئة https://palimar.org/ ^
  10. . ماهر الشريف، دراسة بعنوان "إبادة المنازل": من جرائم الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، تاريخ زيارة الموقع في 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة السادسة مساءً ونُشرت بتاريخ 17 كانون الثاني/يناير 2024م، على موقع الدراسات الفلسطينيّة. إبادة المنازل. ^
  11. . المرجع نفسه. ^
  12. موقع الهيئة العربية الدولية للإعمار في فلسطين. ^
  13. . الحالة في دولة فلسطين: الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية ترفض طعون دولة إسرائيل في اختصاصها وتصدر أمرين بالقبض على بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، تاريخ زيارة موقع المحكمة الجنائية الدولية في 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة السابعة مساءً، الحالة في دولة فلسطين: الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية ترفض طعون دولة إسرائيل في اختصاصها وتصدر أمرين بالقبض على بنيامي. ^
  14. . الوضع في أوكرانيا: قضاة المحكمة الجنائية الدولية يصدرون أوامر اعتقال بحق فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين وماريا ألكسيفنا لفوفا-بيلوفا، تاريخ زيارة موقع المحكمة الجنائية الدولية في 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة السابعة مساءً، الوضع في أوكرانيا: قضاة المحكمة الجنائية الدولية يصدرون أوامر اعتقال بحق فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين وماريا ألكسيفنا لفوفا-بيلوفا. ^
  15. . International and Temporary Protection in EU Law: Legal Frameworks and Challenges of Practical Implementation. )journals.uran.ua). ^
  16. . المرجع نفسه. ^
  17. . يفرا إيسنتورك وجاويد فيلييف، دراسة بعنوان أوراسيا بعد الحرب الأوكرانية، منشورة على الموقع الرسمي لمركز أبحاث السياسات الدولية، تاريخ زيارة الموقع في 24 حزيران/ يونيو 2026م، الساعة السابعة والنصف مساءً، أوراسيا بعد الحرب الأوكرانية. ^