مجلة الجولان
→ رجوع

الفلسطينيون السوريون ومحطة جديدة من النكبة الفلسطينية

✍ سليمان حسني أحمد 📅 2026/08/03 📖 العدد الأول 🗂 لواء إسكندرونة وفلسطين
تحميل المقال (PDF)

مدخل

نَدَر أن عاش شعب تتابعًا للنكبات واستمرارًا للمعاناة على مدى قرن ويزيد، كما عاشه الشعب الفلسطينيّ. فمنذ النكبة الكبرى عام 1948، وما سبقها من الاحتلال البريطاني، والمجازر، والمشروع الصهيوني الذي انتهى بالسيطرة على البلاد والعباد، دخل الفلسطينيّون في مسار متواصل من اللجوء والتهجير، أدّى في نهاية المطاف إلى اقتلاع أكثر من نصف الشعب الفلسطينيّ من وطنه، وتمزيق وحدة الأرض والشعب، وولادة مجتمع اللاجئين الفلسطينيّين في مختلف أماكن الشتات.

وتتالت النكبات، وما رافقها من تهجير وتعميق لتدمير البنية الاجتماعية والسياسية، ولا سيَّما بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، مرورًا بالحرب الأهليّة اللبنانيّة، ثم حرب الخليج الأولى وما ترتَّب عليها من انتقال كتل كبيرة من الفلسطينيّين من دول الخليج إلى بلدان لجوء جديدة، وصولًا إلى حرب الإبادة في قطاع غزة، التي حوَّلت معظم سكان القطاع إلى نازحين في أرضهم، ولم تُبقِ سوى دمار هائل بات يمثِّل إحدى أكبر الكوارث الإنسانية في التاريخ الفلسطينيّ المعاصر. وهي مأساة ينبغي أن تظلَّ محفورة في الذاكرة الفلسطينيّة، وفي الرأي العام الدولي، بوصفها نموذجًا لهيروشيما العصر الحديث.

ولا نسعى في هذه المقالة لاستعراض كلِّ أشكال المعاناة والتهجير التي عاناها الشعب الفلسطينيّ، فذلك يحتاج إلى مجلدات للتعريف بها، وبيان مدى تأثيرها في هُويّة الشعب الفلسطينيّ وكينونته. لكنّها بداية لا بدَّ منها، لتكون مدخلًا للحديث عن أيّ قطاع من قطاعات الشعب الفلسطينيّ، ومقالنا هذا يتناول اللاجئين الفلسطينيّين في سورية.

أزمة اللاجئين الفلسطينيّين في السّياق السوريّ المضطرب

عاش اللاجئون الفلسطينيّون في سورية حالة من الاستقرار الطويل في المدن والمخيمات، حصلوا خلالها على قدرٍ من الحقوق أتاح لهم تحقيق نجاحات على المستويات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، وبعد مسار نضالي لقطاع واسع منهم، أصبحت الساحة الفلسطينيّة في سورية مسرحًا للقوى والفصائل الفلسطينيّة، ومصنعًا لإنتاج النخب الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، في ظلِّ تفاعل مع الشعب السوري بمكوناته كلِّها، من دون أن يؤثر ذلك في هُويّتهم الوطنية، بتعبيراتها المختلفة والمتميزة.

لكنَّ هذه العملية، التي أنتجت المجتمع الفلسطينيّ في سوريا، لم تأتِ بصورة سلسة، ولم تتحقّق من دون جهود وأثمان في مواجهة محاولات النظام فرض هيمنته على الحركة الوطنية الفلسطينيّة. وبعد عقود من التراكم، حتى انطلاقة الثورة السورية عام 2011، وصل تطور المجتمع الفلسطينيّ إلى ذروته على مختلف الصعد، وبات يحظى، بدور لاجئيه، بالحب والاحترام، ليس من الشعب والنخب السورية فحسب، بل أيضًا من مختلف تجمّعات الشعب الفلسطينيّ. وهكذا تحوَّل مخيم اليرموك، وهو أكبر المخيمات الفلسطينيّة في سورية، على الرغم من أنَّه ليس أكبر المخيمات الفلسطينيّة في الشتات، إلى عاصمة الشتات الفلسطينيّ، بفعل دوره السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وبإجماع فلسطينيّ سوري واسع.

وعند انطلاق الثورة السورية كان عدد الفلسطينيّين في سورية عشية عام 2011 نحو 562 ألفًا، توزّعوا على المدن الرئيسة السورية، وثلاثة عشر مخيمًا، من أقصى شمال سورية إلى جنوبها. وكان يعيش نحو 180 ألفًا منهم في مخيم اليرموك، أي نحو ثلث الفلسطينيّين في سورية، إضافة إلى رقم مماثل من الأشقاء السوريّين.

ومع انطلاقة الثورة السورية، والزخم الذي انطلقت به، وعمت معه المدن والقرى على امتداد الأرض السورية، وجد الفلسطينيّون أنفسهم في تقاطعات كبيرة مع ما كانوا يدعون إليه ضمن تشكيلاتهم السياسية والمدنية ونخبهم. وانحازت أغلبيتهم الساحقة، بأشكال مختلفة، مباشرة وغير مباشرة، إلى مسار الثورة. ولا مجال للتوسع في هذه المسألة ضمن مقال قصير، فهي بحاجة إلى مناقشات ودراسات مستقلة، وسنكتفي هنا بالتركيز على آثارها، التي ترتقي إلى مستوى نكبة بكل المقاييس.

ومع عدم قدرة النظام على السيطرة على مشاعر الناس، ووضوح ميولهم المباشرة المؤيِّدة للثورة، لجأ إلى إجراءات عقابية عنيفة، وجعل أماكن إقامتهم، وبشكل خاص مخيم اليرموك، نظرًا إلى دوره ومكانته لدى الفلسطينيّين والسوريّين، درسًا للجميع، ولا سيَّما لمدينة دمشق، التي يُعدّ اليرموك جزءًا منها. وربما فعل مثل ذلك، أو ما هو أسوأ، في أماكن أخرى، لكنّنا نعالج في هذه المقالة الواقع الفلسطينيّ.

وبحلول نهاية عام 2013، أصبح قصف الطيران السوري والمدفعية الصاروخية حدثًا يوميًا، واضطر أغلبيّة السكان إلى مغادرة المخيم. ثم تعرّض لحصار خانق شمل الغذاء وكل ما يمتّ للحياة بصلة، قبل أن يتحوّل إلى ساحة لصراعات القوى المختلفة، ويتطور سلوك النظام إلى سياسات تدمير شاملة للبنى التحتية والتجمّعات السكنية، إلى درجة أن من تبقى من السكان في المخيم لم يتجاوز الألف، أو أكثر قليلًا، حتى التحرير.

وكانت النتيجة هجرة قسرية شملت أكثر من نصف الفلسطينيّين في سورية إلى خارج البلاد، ولا سيَّما إلى دول أوروبا الغربية، فيما تشتّت من تبقى منهم داخل ضواحي دمشق، أو لجأ آخرون إلى بلدان عربية وأجنبية أخرى.

الفلسطينيّون في سورية والواقع الراهن

في الواقع، تعرّض العديد من التجمعات الفلسطينيّة لعملية تدمير واسعة، وبالنتيجة دُمِّرت البنية الاجتماعية للسكان، وتشتّتت العائلة الواحدة بين عدة بلدان، أو فقدت صلتها بأقاربها ومعارفها، من دون أن ننسى الخسائر البشرية، التي يقترب عدد القتلى والمفقودين فيها من عشرة آلاف، وهو رقم لا يزال في حاجة إلى تدقيق. وأصبحت البنية المجتمعية، والهُويّة المميّزة للفلسطينيّين في سورية، في خطر، نتيجة البيئات الجديدة التي وجد السكان أنفسهم فيها، إضافة إلى ما فرضته من تحوّلات قانونية وسياسية واجتماعية.

أما واقع اليرموك السكاني والمعيشي والأمني الراهن، ولا سيَّما أوضاعه القانونية، فهذه كلها معطيات جديدة تختلف جوهريًا عمّا كانت عليه سابقًا. إذ يعيش في المخيم اليوم نحو 18 ألف نسمة، كما تذكر الهيئة المحلية في اليرموك، من دون تمييز بين الفلسطينيّين والسوريّين. ومن الطبيعي ألَّا يتجاوز عدد الفلسطينيّين نصف هذا العدد، لأنَّ معظم الهجرة الخارجية كانت من مخيم اليرموك، عدا عن أنَّ عدد الفلسطينيّين المتبقين في سورية لا يزيد اليوم على 200 ألف في مختلف أنحاء البلاد.

إضافة إلى ذلك، فإنَّ الوضع القانوني للفلسطينيّين كان يستند إلى مجموعة من القوانين والتشريعات السوريّة التي حدَّدت حقوقهم وواجباتهم. وشهد هذا الإطار خلال عهد الرئيس السابق بشار الأسد تعديلاتٍ وقيودًا مسّت بعض الحقوق، ولا سيَّما في مجالات العمل، والوظيفة الحكومية، والملكية. ولم يصدر في الإعلان الدستوري الجديد ما يتعلَّق بحقوق اللاجئين الفلسطينيّين في سورية، في وقت تبرز فيه دعوات، وهي في كلِّ الأحوال ليست جديدة، لتجنيس الفلسطينيّين.

ويجري كلُّ ذلك في ظلِّ ضعف العلاقة بين اللاجئين الفلسطينيّين في سورية والتمثيل الرسمي الفلسطينيّ، آخذين في الحسبان التراجع الكبير في دور القوى الفلسطينيّة. وهنا نتحدّث عن المبدأ، بغض النظر عن تقييمنا لدور هذه القوى. وينطبق الأمر نفسه على المؤسَّسات التمثيليّة الأخرى، ونقصد بها الاتحادات، والنقابات، ومؤسسَّات المجتمع المدني الفلسطينيّ.

أما الجانب الإيجابي الراهن، والذي يأتي في سياق الظروف الصعبة والقاسية التي يعيشها السكان، وفي مقدّمها البطء الشديد في إعادة الإعمار، فيتمثَّل بإعادة الاعتبار إلى المؤسَّسة العامة للاجئين الفلسطينيّين، وهي هيئة رسمية ترتبط بوزارة الشؤون الاجتماعية، وتُعنى بالربط بين مؤسَّسات الدولة السورية، والمخيّمات الفلسطينيّة، ومتابعة الشؤون الحياتيّة للفلسطينيّين. كذلك جرى إعادة إحياء اللجنة المحلية لمخيم اليرموك، وهي هيئة تسمِّيها المؤسَّسة العامة للاجئين، وتتولّى إدارة شؤون المخيم.

ويُضاف إلى ذلك الدور الذي تؤدّيه الأونروا، ولا سيَّما في مجالات التعليم للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، والخدمات الصحية والإغاثية، ولا سيَّما للحالات الأكثر احتياجًا (Hard Cases)، إضافة إلى بعض المنظمات المحلية التي تقدِّم بعض الخدمات.

ويمكن أن يشكِّل ما تبقى من الهيئات التمثيلية الرسمية، والمنظمات المحلية، نقطة انطلاق لإعادة تطبيع الحياة في المخيم، مع الأخذ في الحسبان أنَّ جلَّ الذين اضطروا إلى الهجرة كانوا يشكِّلون العمود الفقري للبنية الاجتماعية والاقتصادية والفكرية لسكان المخيم، وبقية مخيّمات سورية، وأنَّ مسيرة التعافي تتطلَّب وقتًا وجهودًا كبيرة، ولا سيَّما في ظل افتقاد أغلبيّة الطبقة الوسطى ونخبها، الأمر الذي يستدعي تضافر جهود الدولة السورية، والمجتمع المحلي الفلسطينيّ السوري، وفصائل العمل الوطني.

ختامًا

إنَّ تجاوز هذه الأزمة الكبيرة الجديدة التي حلَّت بالفلسطينيّين السوريّين ينبغي ألَّا يطول كما طال تجاوز النكبة الأولى، نظرًا إلى الخبرة المختزنة لدى جموع الفلسطينيّين. وبمعنى آخر، يمكن اختصار السنوات التي اقتضاها غياب التمثيل الفلسطينيّ، والقوى الفلسطينيّة، على ما فيها من ملاحظات.

ويبقى الأمل بأن تتجاوز السلطة السورية الجديدة ممارسات النظام السابق، وأن تعمل على تقنين ذلك كلّه ضمن أطر قانونية ودستورية، وتطوير عمل مؤسسَّات المجتمع المدني الفلسطينيّ، سواء المؤسَّسات الاجتماعية، أو الاتحادات، أو النقابات، مع الاهتمام بمقوِّمات الهُويّة الفلسطينيّة الثقافية والفنية، وتعزيز الصلة العضوية ببقية مكونات وتجمعات الشعب الفلسطينيّ.

ويقع على عاتق مجتمعات الاغتراب الفلسطينيّة، ولا سيَّما تلك التي خرجت من سورية، مسؤوليّات خاصة تساهم في ترميم البنية الاجتماعية والمادية للمجتمع الفلسطينيّ، ورفده بالإمكانات والخبرات، وتقديم الدعم المالي والاجتماعي، بما يساعد في تجاوز هذه الظروف الصعبة.