مجلة الجولان
→ رجوع

نازحو الجولان في دراسة النازحون-ات السوريون-ات وحقوقهم-ن

✍ يوسف فخر الدين 📅 2026/08/03 📖 العدد الأول 🗂 قراءات ومراجعات
تحميل المقال (PDF)

حين هممنا، في قسم البحث في المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، بالعمل على دراسة «النازحون/ات السوريون/ات وحقوقهم/ن»، واجهتنا، منذ المراحل الأولى، مسألة منهجية أساسية: هل ينبغي أن تقتصر الدراسة على النزوح الذي شهدته سورية بعد عام 2011، أم أن فهم حقوق النازحين/ات السوريّين/ات يقتضي العودة إلى موجات النزوح السابقة أيضًا؟

في البداية، بدا التركيز على نزوح ما بعد عام 2011 منطقيًّا؛ فهو الأكبر حجمًا والأشد حضورًا في الوعي العام. لكن الدراسة لم تكن معنيّة بتوثيق موجة نزوح بعينها بقدر ما كانت معنيّة بدراسة الحقوق التي حُرم منها النازحون/ات السوريون/ات، والانتهاكات التي تعرّضت لها هذه الحقوق، والكيفية التي جرى بها تجهيل أصحابها بها، وغيرها من المسائل المتصلة بحقوق النازحين. ومنذ المراحل الأولى للعمل، بدا لنا أنَّ تجهيل النازحين بحقوقهم يشكّل أحد الأساليب المستقرة في إدارة النظام السابق لقضية النزوح، كما يمثّل خطرًا محتملًا في أي نظام لاحق، ما لم تثبت تشريعاته وممارساته احترام هذه الحقوق وصونها.

ومع تقدّم البحث، اكتشفنا أن فهم الكيفية التي تعامل بها النظام السابق مع نازحي الجولان ولواء إسكندرونة، والأسباب التي حكمت ذلك التعامل، يساعد على فهم الآليات والسياسات التي استمرّ النظام السابق في تطبيقها في تعامله مع النازحين بعد عام 2011، وعلى تبيّن أوجه الاستمرار والتقاطع بين تجارب النزوح المختلفة. ولذلك، أصبح إدراج موجات النزوح السابقة ضرورة تحليلية لفهم علاقة الدولة بالنازحين، وكيفية إدارتها لحقوقهم، وكيف جرى تفريغ صفة «النازح» من مضمونها الحقوقي، أو حجب الاعتراف القانوني بها، وإخضاعها للاستخدام السياسي، بما أنتج التمييز والتهميش وتجهيل النازحين بحقوقهم.

وتجاوبًا مع هذا التطور في البحث، صار عنوان الدراسة: «النازحون/ات السوريون/ات وحقوقهم/ن: 1939-1967-ما بعد 2011»[1]. وقد عرّفت الدراسة نفسها بأنها «دراسة استطلاعية نوعية تشاركية»، تناولت حقوق النازحين/ات السوريّين/ات عبر ثلاث تجارب تاريخية للنزوح: نزوح سكان لواء إسكندرونة منذ عام 1939، ونزوح سكان الجولان السوري المحتل منذ عام 1967، والنزوح في سورية بعد عام 2011.

وانطلقت الدراسة من التساؤل عن مدى حصول النازحين/ات في سورية على حقوقهم/ن، واتخذت من مفهوم «الحماية» مدخلًا لدراسة هذه الحقوق. واعتمدت في ذلك «المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي»، الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1998، إطارًا معياريًّا تنظر من خلاله إلى الحماية بوصفها مجموعة من الحقوق والضمانات التي ترافق النازح منذ لحظة التهديد بالنزوح وحتى الوصول إلى حل دائم. وتشمل هذه الحماية: الحماية من العنف، والحصول على الخدمات، والمشاركة في القرارات، وضمان الكرامة، والعودة الطوعية الآمنة أو التوطين.

وعلى هذا الأساس، اعتمدت الدراسة الحماية بوصفها إطارًا تتقاطع داخله الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية لتجربة النزوح. ويظهر حضور السلطات والأطر القانونية بوصفه أحد مستويات إنتاج الحماية أو غيابها، إلى جانب المستويات التي تتشكّل داخل التجربة اليومية للنازحين/ات أنفسهم/ن. ويأتي المجتمع المضيف عنصرًا أساسيًّا في تشكيل هذه التجربة، بما ينشأ فيه من علاقات وتفاعلات وتأثيرات متبادلة تسهم في صياغة شروط العيش، وإدراك الحقوق، وحدود الحماية كما يعيشها النازحون/ات. ومن خلال هذا المنظور، قارنت الدراسة المبادئ القانونية بالواقع المعيش، كما يصفه النازحون/ات أنفسهم/ن، لفهم فجوات الحماية وتفاوتاتها الزمنية والمكانية.

ولهذا، اعتمدت الدراسة المنهج النوعي التفسيري، المدعوم بالمقاربة التشاركية، واستخدمت المقابلات المعمّقة أداة رئيسية لجمع البيانات، إلى جانب بطاقات الباحثين الميدانيين والحلقات النقاشية مع الباحثين/ات والمراجعين/ات. كما أعدّت ثلاثة أدلة بحثية متخصِّصة تتناسب مع التجارب التاريخية الثلاث، مع الحفاظ على منظور حقوقي ومحاور أساسية مشتركة تسمح بالمقارنة بينها. وشملت هذه المحاور حقوق السكن، والحماية، والتعويض، والعودة، والمشاركة المدنية، إلى جانب محاور تتعلق بالخوف، والأمان، والثقة، والإحباط، وغيرها من عناصر التجربة المعاشة.

وأكدت الدراسة حدود ما يمكن استخلاصه من هذا المنهج؛ فهي تقدّم دراسة استطلاعية لقضية الحقوق لدى النازحين/ات، وتعدّ نتائجها منفتحة على التصويب والاستكمال، وترى أن السعي إلى معرفة أدق بهذه التجارب جزء من عملية تحصيل الحقوق.

وتغطي الدراسة زمنيًّا تجارب نزوح تمتد من عام 1939 حتى وقت إعدادها، مع تركيز رئيسي على النزوح بعد عام 2011. وقد برّرنا توسيع نطاق البحث ليشمل نازحي لواء إسكندرونة والجولان بأن هاتين التجربتين شهدتا بدورهما جورًا على صعيد الحقوق، وبأن هذه الحقوق لا تتقادم. ولقد قسّمناها، تبعًا لذلك، إلى ثلاثة مباحث رئيسية: مبحث نازحي/ات الجولان السوري المحتل، ومبحث نازحي/ات لواء إسكندرونة، ومبحث النازحين/ات السوريّين/ات بعد عام 2011.

وجاء ترتيب هذه المباحث ترتيبًا تحليليًّا ينطلق من اعتبار تجربة الجولان حالة نموذجية معيارية تساعد في فهم الحالتين اللاحقتين، وتضيء أبعادًا مركزية من نزوح ما بعد عام 2011. وبرّرنا هذا الاختيار في الدراسة بقولنا: «كون الدراسة تنطلق من اعتبار نزوح الجولان حالة نموذجية معيارية لجوانب محورية من النزوح في سورية، فقد قُدّم مبحث نازحي الجولان على مبحث نازحي اللواء، بوصفه ترتيبًا تحليليًّا لا زمنيًّا؛ إذ يساعد تناول الحالة الأولى على فهم الحالة الثانية، وعلى إضاءة أبعاد مركزية من نزوح ما بعد عام 2011».

مبحث نازحي/ات الجولان: بنية المبحث وأسئلته

يفتتح المبحث الأول من الدراسة، المخصص لنازحي/ات الجولان السوري المحتل، بتثبيت السياق التاريخي الذي نشأت فيه حالة النزوح. فقد أدّى الاحتلال الإسرائيلي للجولان عام 1967 إلى نزوح جماعي قُدّر بنحو 130 ألف شخص، من أصل نحو 150 ألفًا كانوا يسكنون الهضبة آنذاك، وشمل سكانًا من خلفيات دينية وإثنية متعددة. وجرى النزوح خلال العمليات العسكرية وفي الأسابيع التالية لها، فيما دُمّرت قرى ومزارع، وأُخليت المنطقة المحتلّة من معظم سكانها الأصليين، باستثناء خمس قرى بقي سكانها فيها.

أما العودة الجزئية التي أتاحها اتّفاق فصل القوات عام 1974 إلى بعض المناطق التي عادت إلى السيادة السورية، فبقيت محدودة، واقتصرت على جزء من السكان، في ظلِّ غياب استعادة الأراضي الزراعية، وإعادة الإعمار الفعالة، وضمان الحقوق الفردية والجماعية للنازحين.

استقر معظم النازحين لاحقًا في دمشق وريفها وفي محافظة درعا، بدايةً في مخيمات ومساكن مؤقتة تحوّل قسم منها تدريجيًّا إلى أحياء دائمة. وسُجّلوا رسميًّا عبر اللجنة العليا لشؤون الجولان، وتلقّوا أشكالًا من الدعم. وترى الدراسة أن إجراءات الدعم بقيت جزئية، بينما غابت السياسة الشاملة التي تعالج وضعهم بوصفهم مواطنين ونازحين أصحاب حقوق. وبقيت قضيتهم، وفق المبحث، هامشية في السياسات العامة، في ظلِّ غياب التمثيل السياسي الديمقراطي، واستمرار حرمانهم من العودة والتعويض، اللذين تؤكد الدراسة أنهما حقان متكاملان ومتلازمان.

ومن هذه الخلفية يتحدّد غرض المبحث، وهو إتاحة المجال أمام نازحي الجولان أنفسهم لعرض قضيتهم كما يفهمونها، وتقديم ما يعدّونه أهم محاورها، ومعاناتهم، وتفسيراتهم، وبعض مطالبهم. ولهذا، اعتمد المبحث المقابلات المعمّقة، ونظّم مادتها في مطالب تجمع بين عرض الشهادات والحد الأدنى من التحليل الضروري لفهمها. كما يؤكد، انسجامًا مع منهج الدراسة، طبيعته الاستطلاعية، وأنَّ الشهادات الفردية تمثّل خبرات خاصة تكتسب دلالتها ضمن مجموع الشهادات، وأنَّ نتائج البحث تظلُّ مفتوحة على التصويب والاستكمال.

وينطلق المبحث من سؤال واسع عن موقع النازحين وحقوقهم بعد عقود من استمرار حالة النزوح، وتتفرع عنه أسئلة تتناول العلاقة بين الهوية والمواطنة، والمعرفة بالحقوق، وإمكان التنظيم والتمثيل، والخوف بوصفه عاملًا مؤثرًا في علاقة النازحين بالدولة وفي قدرتهم على التعبير والمطالبة، وصولًا إلى تصورهم للعدالة.

وتظهر بنية المبحث هذا الاهتمام من خلال مطالبه التي حملت عناوين: «الهوية السورية والمواطنة الممنوعة»، و«تجهيل الحقوق واستبدال ثقافة الواجب والخوف بها»، و«المجتمعان المدني والأهلي بين منع المبادرة المجتمعية والاحتواء»، و«الخوف كبنية حاكمة»، و«العدالة بين الغياب والأمل بجديد».

ويبدأ المبحث من الهوية والمواطنة، ويفصل بينهما تحليليًّا. فهو يسأل عن استمرار الانتماء إلى سورية والجولان بعد عقود من النزوح، ويسأل، في الوقت نفسه، عن اقتران هذا الانتماء بمواطنة متساوية واعتراف مؤسَّسي بالنازحين بوصفهم أصحاب حقوق. ويؤدّي هذا التمييز دورًا أساسيًّا في بناء المبحث؛ إذ تكشف الشهادات، كما سيظهر لاحقًا، عن هوية سورية راسخة، في مقابل تجربة مختلفة في العلاقة بالدولة ومؤسساتها.

وكشفت الشهادات أيضًا تمييزًا واضحًا بين الوطن والسلطة؛ فقد بقي الانتماء موجّهًا إلى سورية بوصفها وطنًا، بينما ظهرت السلطة القائمة، في تجربة المشاركين، بوصفها منفصلة عن هذا الانتماء وغير معبّرة عنه، وهو ما يفسّر اجتماع رسوخ الهوية الوطنية مع ضعف المواطنة.

ويتّصل بذلك سؤال صفة النازح نفسها؛ فالمبادئ الناظمة للنزوح تجعل هذه الصفة أساسًا للاعتراف بحالة خاصة تترتب عليها حقوق وحماية، لكن المبحث يتتبع الكيفية التي عاشت بها الأجيال الجولانية هذه الصفة اجتماعيًّا ومؤسَّسيًّا. ومن هنا، تظهر «بطاقة النازح» في الشهادات بوصفها جزءًا من تجربة أوسع للتمييز، إلى جانب وظيفتها الإدارية؛ إذ وصفها أحد المشاركين بأنها كانت «وسم، مش وسيلة تعريف»، بينما اختصر مشارك أكبر سنًّا التحول بقوله إن «النازح كان اسمه نازح، مو مواطن»، وإن الصفة أصبحت تجرّ «نظرة، مو حق».

ومن ثمّ، ينتقل المبحث إلى المعرفة بالحقوق: ماذا يعرف النازحون عن الحقوق المترتبة على نزوحهم؟ ومن كان يُفترض أن يعرّفهم بها؟ وكيف أثرت طبيعة الدولة والعلاقة بالسلطة والخوف في إمكان السؤال أصلًا عن الحقِّ والمطالبة به؟ وتعرّف الدراسة «التجهيل»، في إطارها المفاهيمي، بوصفه غيابًا منظّمًا للمعرفة الحقوقية، يرتبط فيه السؤال عن الحق بالتهديد الأمني، إلى درجة يمكن معها أن يصبح الجهل بالحقوق وسيلة لحماية الذات.

وتشير هذه الأسئلة أيضًا إلى ارتباط تراجع المعرفة بالحقوق بغياب دولة القانون؛ إذ ظهر في الشهادات أن الحق ارتبط بإرادة السلطة أكثر من ارتباطه بالقانون، وأن إمكان المطالبة به تحدد وفق حدود ما تسمح به الأجهزة ومؤسسات الحكم.

ويرتبط بذلك محور المجتمع المدني والأهلي والتمثيل؛ فالسؤال يتناول معرفة النازح الفرد بحقوقه، ويمتد إلى قدرة النازحين على بناء أطر تمثّلهم، وتعبّر عن مصالحهم، وتحفظ ذاكرتهم، وتنظّم مطالبهم. ولذلك، يبحث المبحث في أثر المنع الأمني والاحتواء في نشوء هذه الأطر، وفي قدرة النازحين على امتلاك قضيتهم والتعبير عنها جماعيًّا. ويبحث كذلك في الكيفية التي أدّى بها منع التنظيم المستقل إلى إضعاف قدرة النازحين على امتلاك قضيتهم بوصفها قضية جماعية ذات مطالب وحقوق، وتحويلها إلى قضية يديرها غيرهم باسمهم.

ويظهر الخوف، بدوره، بوصفه أحد مفاتيح قراءة التجربة كلها، ويتجاوز في أثره الشعور الفردي العابر. وتستخدم الدراسة تعبير «الخوف كبنية حاكمة» للدلالة على نمط يتجاوز الخوف من واقعة محددة إلى تنظيم حدود ما يمكن قوله ومعرفته والمطالبة به، وما يمكن تنظيمه جماعيًّا. ولذلك، يصبح السؤال عن الخوف متصلًا مباشرة بالسؤال عن الحقوق، والذاكرة، والتنظيم، والعلاقة بالدولة.

وتلتقي هذه المحاور، في النهاية، عند العدالة؛ فالعدالة، كما يستخدمها البحث، تشمل التعويض، واسترداد الحقوق، والمساواة أمام القانون، وإمكان تقديم الشكوى من دون خوف، والاعتراف بالحقوق الجماعية للنازحين، وفي مقدمتها العودة الطوعية الآمنة واستعادة المكانة القانونية. ويركز المبحث على ما يتصوّره النازحون أنفسهم عن الدولة التي يمكن أن تعيد إليهم هذه الحقوق، وعن طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تقوم بينها وبين مواطنيها.

ويتتبع مبحث الجولان التحولات التي أصابت النازح وحقوقه وعلاقته بالدولة والمجتمع خلال العقود التي تلت النزوح. ومن هذا السؤال المركزي تفرعت محاور المبحث: الهوية والمواطنة، وصفة النازح وما اكتسبته من دلالات، والمعرفة بالحقوق، وإمكان التنظيم والتمثيل، والخوف، ثم العدالة. وتشكّل هذه المحاور الإطار التحليلي الذي تنتظم ضمنه قراءة الشهادات وتفسير نتائجها في الصفحات التالية.

خلاصات مبحث نازحي/ات الجولان ودلالاتها

تجمع خاتمة مبحث نازحي/ات الجولان نتائج المطالب الخمسة في صورة مترابطة لما تصفه الدراسة ببنية الظلم التي عاش النازحون ضمنها، وفي مقابلها ملامح العدالة التي يتطلعون إليها. وتكتسب هذه الخلاصة أهميتها من أن النتائج تتكامل ضمن بنية واحدة شكّلت تجربة النزوح كما عاشها المشاركون. فالعلاقة بالدولة، وصفة النازح، وضعف المعرفة بالحقوق، وغياب التنظيم المستقل، والخوف؛ كلها عناصر تفاعلت على امتداد عقود، وأثرت في موقع النازحين وفي قدرتهم على امتلاك قضيتهم والتعبير عنها.

وتبرز في مقدمة النتائج مفارقة بين رسوخ الهوية الوطنية وضعف المواطنة؛ فقد أظهرت الشهادات انتماءً سوريًّا راسخًا ومتجذرًا لدى المشاركين، بقي الجولان داخله جزءًا من الوطن ومن هويتهم. وفي المقابل، تشكّلت علاقتهم المؤسَّسية بالدولة من خلال موقع مختلف: «النازح» المسجل والمصنف إداريًّا. وهكذا استمرّت الهوية الوطنية قوية، فيما بقيت المواطنة منقوصة، وحملت صفة النزوح وبطاقتها آثارًا قانونية واجتماعية ونفسية تمييزية.

ومن أبرز ما تكشفه هذه النتيجة التحول الذي أصاب معنى «النازح» نفسه؛ فالنزوح، في الأصل، حالة تنشأ عنها حقوق محددة، وتستدعي حماية صاحبها والحفاظ على حقوقه في العودة والتعويض والمشاركة. إلَّا أنَّ التجربة التي تصفها الشهادات أعادت إنتاج الصفة، اجتماعيًّا ومؤسَّسيًّا، بوصفها علامة تمييز. وقد عبّر المشاركون عن هذا التحول بوضوح؛ فبطاقة النازح، التي استُخدمت في المدرسة والإجراءات الرسمية، أصبحت، في تجربتهم، «وسم، مش وسيلة تعريف»، فيما لخّص أحد المشاركين الأكبر سنًّا المسار بقوله إن «صفة نازح لحقت الجولانيّين فوق أربعين سنة»، وإن «الاسم لحاله كان يجر وراك نظرة، مو حق».

وتظهر هنا واحدة من أهم مفارقات تجربة النزوح الطويل: تحوّل توصيف يحفظ الحق إلى وصمة تثقل صاحبها. فبدلًا من أن تذكّر صفة النازح بحقوق صاحبها، وبالمكان الذي اقتُلع منه، وبمسؤولية الدولة تجاهه، أصبحت، في تجربة المشاركين، تذكيرًا باختلافه ونقص مكانته. ويعبّر أحد المشاركين عن هذه المفارقة بقوله إن الدولة أعطتهم «بطاقة نازح»، لكنها لم تعطهم حق أن يكونوا مواطنين كبقية الناس، وإنها كانت تذكّرهم بأنهم نازحون بوصف ذلك تمييزًا سلبيًّا.

وترتبط هذه النتيجة بمسألة الوعي بالحقوق؛ فغياب وعي المشاركين بحقوقهم جاء، بحسب تحليل المبحث، نتيجة سياسة حكم حاصرت إنتاج المعرفة الحقوقية، واستبدلت بلغة الحقوق ثقافة الواجب والخوف، وربطت المطالبة بالحق والسؤال عنه بالاشتباه السياسي والمخاطر الأمنية. وأصبح لانعدام المعرفة بالحقوق أثر مباشر في تحوّل صفة النازح من إطار حقوقي إلى إطار تمييزي. وبهذا، اكتسبت «اللامعرفة» وظيفة في حماية الفرد من الخطر، فيما ساهمت، في الوقت نفسه، في إضعاف قدرته على معرفة حقوقه والمطالبة بها.

وكان لغياب التنظيم المستقل أثر مرتبط بدوره؛ فقد أظهرت الدراسة أنَّ المجتمعين المدني والأهلي للنازحين تعرّضا للمنع والاحتواء، وحُصر النشاط المقبول في الإغاثة والخدمات المجرّدة من المضمون الحقوقي، بينما خضعت الجمعيات القائمة، على قلتها، للسلطة. وأدّى ذلك إلى تعطيل انتقال النازحين، وفق تعبير الخاتمة، من «أفراد متفرِّقين إلى جماعة منظّمة ذات صوت».

ويفسّر محور الخوف جانبًا مهمًّا من العلاقة بين هذه النتائج. فقد خلص المبحث إلى أن الخوف أصبح بنية تنظّم علاقة الدولة بالناس، وتحدد مجال القول والمعرفة والتنظيم. وتلخّص خاتمة المبحث هذه العلاقة بعبارة مكثفة: «أنتج الخوف الجهل، وساهم الجهل في إدامة الصمت، وأصبح الصمت جزءًا من إطار استمرار العلاقة القسرية».

وتكشف النتائج مسارًا تتفاعل فيه هذه المحاور جميعًا: نازح يحمل صفة ترتب حقوقًا، لكنه يعيشها بوصفها تمييزًا؛ ومعرفته بهذه الحقوق محدودة؛ وقدرته على بناء تنظيم مستقل يحملها ضعيفة؛ فيما يجعل الخوف السؤال عنها والمطالبة بها مكلفين. ويبرز من هذا الترابط الطابع النموذجي المعياري لتجربة الجولان، بما تتيحه من فهم للآليات التي يمكن أن تستمر عبرها حالة النزوح عقودًا، بالتوازي مع تراجع حضور مضمونها الحقوقي في حياة أصحابها.

ويشكّل تصور المشاركين للعدالة الوجه المقابل لهذه التجربة؛ فمع التغير السياسي في سورية، رصد المبحث تبلور تصور لعدالة مستقبلية تقوم على المساواة أمام القانون، واستقلال القرار الحقوقي عن الأجهزة الأمنية، ووجود جهة قانونية واضحة يستطيع المواطن اللجوء إليها، والاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية، والجمع بين الهوية الوطنية والمواطنة القانونية. وتدخل ضمن ذلك، بصورة صريحة، حقوق نازحي الجولان في العودة، وفي المشاركة في الحلول السياسية المتعلقة بقضيتهم. وترسم هذه الرؤية للعدالة علاقة جديدة بين المواطن والدولة، تقوم على القانون والمساواة والمشاركة، بوصفها الإطار الذي يضمن حماية الحقوق واستعادتها.

وتمنح هذه الخلاصة الشهادات وظيفة تتجاوز توثيق الماضي؛ فالدراسة تقرؤها أيضًا بوصفها أساسًا لـ«أجندة حقوقية وسياسية لنازحي الجولان» في أي ترتيبات مقبلة، تربط استعادة الحقوق باستعادة المكانة القانونية، وإصلاح بنية الدولة بإزالة الأثر التمييزي لصفة النازح وبطاقتها، والاعتراف المتكامل بالحقوق الفردية والجماعية.

وتمتدُّ دلالات المبحث إلى زمن النزوح نفسه؛ فبعد قرابة ستة عقود، بقي سبب النزوح قائمًا، وبقيت الأرض التي نزح منها معظم السكان تحت الاحتلال، بينما تغيّرت حياة النازحين وأجيالهم ومواقعهم الاجتماعية وعلاقتهم بالدولة. ولذلك، تكشف تجربة الجولان أن استمرار قضية النزوح لا يضمن، بذاته، استمرار حضورها الحقوقي في وعي أصحابها أو في مؤسسات الدولة والمجتمع. فالحقوق يمكن أن تبقى قائمة، فيما تتراجع المعرفة بها، وتضعف أدوات تمثيلها، ويتحوّل التوصيف الذي يدل عليها إلى عبء اجتماعي.

وبناءً على ذلك، تستنتج الدراسة أيضًا أنَّ قضية الجولان بقيت حاضرة لدى الجولانيّين بوصفها قضية أرض محتلّة، على الرغم ممّا تعرّضت له تجربة النازحين من هذه الأرض، وحقوقهم، وذاكرتهم، من تقييد وتهميش. كما تشير نتائج المبحث، وهو ما ستدعمه نتائج بقية فصول الدراسة الخاصة بالنازحين السوريّين، إلى أنَّ امتلاك النازحين لإرادتهم وصوتهم المستقل يعزّز قدرتهم على المشاركة في تقرير كيفية معالجة قضية نزوحهم، ويعيد إلى صفة النازح مضمونها الحقوقي، بعد عقود من تجريدها من هذا المضمون وتحويلها إلى وصمة.


الهوامش

  1. يوسف فخر الدين وفريق بحثي، النازحون/ات السوريون/ات وحقوقهم/ن: 1939–1967–بعد 2011: دراسة استطلاعية نوعية تشاركية، المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، 7 كانون الثاني/ يناير 2026، استطلاعية نوعية تشاركية. ^