مجلة الجولان
→ رجوع

قراءة في كتاب تاريخ الجولان المفصل لتيسير خلف

✍ غسّان العايد 📅 2026/08/03 📖 العدد الأول 🗂 قراءات ومراجعات
تحميل المقال (PDF)

مدخل

يصعب النظر إلى الجولان بوصفه مجرّد رقعة حدودية استولت إسرائيل على معظمها في حزيران/ يونيو 1967، لأنَّ هذا الاختزال، على شدة حضور الاحتلال في واقع الجولان الحديث، يحجب تاريخًا ممتدًا لآلاف السنوات، ويحوّل منطقة كانت ملتقى طرق وحضارات ومدن وزراعات وجماعات بشرية متعاقبة إلى «جبهة عسكرية» بلا ماضٍ. من هنا تأتي أهمية كتاب تيسير خلف "تاريخ الجولان المفصّل"، الصادر عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة/مؤسَّسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر سنة 2017، في أكثر من خمسمئة صفحة، بوصفه محاولة واسعة لإعادة بناء تاريخ الإقليم منذ عصور ما قبل التاريخ حتى الاحتلال الإسرائيلي وما ترتب عليه من تهجير وتدمير وتغيير في الأرض والسكان[1].

يقدّم الكتاب تاريخ الجولان عبر أحد عشر فصلًا رئيسًا، تليها جولة أثرية واسعة وملاحق للمواقع والمراجع والصور والأعلام. ولا يكتفي بسرد الحكام والحروب، بل يجمع بين نتائج الحفريات الأثرية، والنصوص المصرية والآشورية واليونانية والرومانية، والمصادر العربية والإسلامية، ومدوّنات الرحالة، والوثائق العثمانية، والسجلات المحلية والعسكرية، ليكشف أنَّ الجولان كان دائمًا جزءًا حيًا من المجال السوري وممرًا بين دمشق وحوران وفلسطين ولبنان ووادي الأردن[2].

تنبع القيمة الأساسية للكتاب من رفضه فكرتين شائعتين: الأولى تصور الجولان منطقة هامشية خالية أو قليلة السكان، والثانية التعامل مع تاريخه بوصفه مقدمة قصيرة لحرب 1967. فالإقليم، كما يرسمه خلف، ليس هامشًا جغرافيًا؛ بل محور يتصل بجبل الشيخ في الشمال، ووادي اليرموك في الجنوب، وحوران في الشرق، والحولة وطبريا في الغرب. وقد جعلته هذه الجغرافيا منطقة عبور واستقرار وصراع في آن واحد، فمن يسيطر على الجولان يستطيع مراقبة الطرق بين دمشق وشمال فلسطين، والتحكّم في منابع مائية وممارّ استراتيجية، والاتصال بالساحل ووادي الأردن[3].

لكن العمل ليس موسوعة محايدة بالمعنى البارد للكلمة. وراء التوثيق التاريخي مشروع واضح لاستعادة ذاكرة مكان تعرَّض لاقتلاع سكانه وتدمير قراه ونهب أرشيفه وآثاره. لذلك يجمع الكتاب بين مهمة المؤرِّخ ومهمة ابن المنطقة الذي يدرك أنَّ كتابة التاريخ في حالة الجولان ليست مجرد نشاط أكاديمي؛ إنَّها أيضًا مقاومة لمحاولات تحويل الاحتلال إلى واقع طبيعي، ومواجهة خطاب يقدّم الأرض المحتلّة بوصفها فراغًا حضاريًا جاء الاستيطان الحديث ليعمره.

أولًا: الجولان قبل التاريخ المكتوب

يفتتح المؤلف كتابه بعصور ما قبل التاريخ، مستندًا إلى حقيقة منهجية بسيطة: عندما تغيب النصوص، تصبح اللقى الأثرية والأدوات الحجرية وبقايا الاستيطان البشري هي الوثيقة الوحيدة المتاحة. وتدلُّ المكتشفات حول بركة رام، قرب مسعدة، على وجود بشري قديم جدًا، ربما يعود إلى نحو ربع مليون سنة. وقد وُجدت بعض هذه الآثار تحت طبقات من الرواسب البركانية، ما يربط التاريخ الإنساني المبكر في الجولان بطبيعته الجيولوجية وبثوراته البركانية القديمة[4].

يمرُّ الكتاب على ثقافات العصر الحجري القديم، من الآشولية والموستيرية إلى الثقافات الخيامية والكبارية والنطوفية التي مثّلت مراحل انتقالية من جمع الغذاء والصيد إلى الإنتاج والاستقرار. ولا يتعامل خلف مع هذه التسميات بوصفها قوائم تقنية، بل يضعها في سياق التحول الكبير في حياة الإنسان: الاستقرار، وبناء المساكن، وصناعة الأدوات الأكثر دقة، وتدجين الحيوان، والانتقال التدريجي إلى الزراعة[5].

وتحظى الثقافة اليرموكية بموقع بارز؛ فقد نشأت أو ازدهرت في جنوبي الجولان ووادي اليرموك، وانتشرت آثارها في مناطق مختلفة من بلاد الشام. ويرى الكتاب أن وجودها يثبت أن الجولان لم يكن طرفًا بعيدًا عن التحولات الكبرى في المشرق القديم، بل كان أحد مراكزها. وتعكس مصنوعات تلك الثقافة، ولا سيَّما الأدوات والفخار والتماثيل، مجتمعًا أكثر استقرارًا وتعقيدًا مما تسمح به الصورة التقليدية عن جماعات بدائية متنقلة[6].

ثم ينتقل المؤلف إلى العصر الحجري النحاسي، الممتد تقريبًا بين 4500 و3200 قبل الميلاد، وإلى العصرين البرونزي والحديدي. وفي هذه المراحل بدأت معالم المدن والحصون والمواقع المنظمة في الظهور، وازدادت أهمية طرق التجارة والاتصال بين سورية الداخلية وفلسطين والساحل. وتحوّل الجولان تدريجيًا من مجال استيطان قروي متفرق إلى أرضٍ تضمُّ تجمعات محصّنة ومراكز ذات وظائف اقتصادية وعسكرية ودينية[7].

لا تتوقف أهمية هذا الفصل عند إثبات القِدم. فهو يؤسس لفكرة تتكرر في الكتاب كله: استمرار الحياة البشرية في الجولان. تغيرت الثقافات واللغات والإمبراطوريات، لكن الأرض لم تكن مهجورة. وهذا الاستمرار يناقض السرديّات التي تبدأ تاريخ المنطقة من العهود التوراتية أو من الاستيطان الحديث، وتتجاهل آلاف السنين من الحضور البشري السابق.

ويبدو منهج خلف في هذا الفصل حذرًا نسبيًا؛ فهو يعترف بأنََ علم الآثار عرضة لتغير الاستنتاجات مع كل اكتشاف جديد، ويتعامل مع تحديد الأعمار والمواقع بوصفه معرفة قابلة للمراجعة. لكن الكتاب ينحاز بوضوح إلى قراءة الجولان ضمن وحدة بلاد الشام، لا بوصفه جزيرة حضارية منفصلة. فالثقافات المكتشفة فيه تتقاطع مع الساحل الفلسطيني ووادي الأردن وحوران ودمشق، ما يدل على أن الحدود السياسية الحديثة لا تصلح إطارًا لفهم العصور القديمة[8].

ثانيًا: من رسائل تل العمارنة إلى الإمبراطوريات الآشورية

يبدأ التاريخ المكتوب للجولان، وفق الكتاب، من النصوص التي وصلتنا من الشرق القديم، وفي مقدمتها رسائل تل العمارنة المصرية. وترد في تلك الرسائل أسماء مواضع وصيغ صوتية قريبة من أسماء ارتبطت لاحقًا بالجولان، إلى جانب ذكر مملكة جيشور الآرامية التي امتدت، وفق إعادة البناء التي يعرضها المؤلف، من وادي اليرموك جنوبًا إلى منحدرات جبل الشيخ شمالًا، ومن وادي الأردن غربًا نحو حوران شرقًا[9].

يمثِّل إدخال جيشور في تاريخ الجولان محاولة لفهم المنطقة خارج رواية الدول الكبرى. فالإمبراطوريات المصرية والحثية والآشورية تركت نصوصًا أكثر من الممالك المحلية، لكن هذا لا يعني أن المجتمعات الصغيرة كانت بلا سياسة أو استقلال. كانت جيشور وغيرها من الممالك الآرامية وحدات محلية تتحرك بين القوى الكبرى، وتخضع أحيانًا لنفوذها وتتمرّد عليها في أحيان أخرى.

يستفيد خلف من النصوص التوراتية، لكنه لا يتعامل معها بوصفها سجلًا تاريخيًا نهائيًا. فهو يقارنها بالنقوش والوثائق والنتائج الأثرية، ويحاول فصل ما يمكن الاستناد إليه تاريخيًا عن الرواية الدينية والأدبية. ويبرز في هذا السياق اسم بيت صيدا، وعلاقات ملوك جيشور بالممالك المجاورة، وموقع الجولان بين مراكز القوة الآرامية والإسرائيلية القديمة[10].

في العصر الحديدي أصبحت المنطقة ميدانًا متكررًا لحملات الإمبراطوريات الآشورية. لم تكن تلك الحملات مجرد عبور عسكري؛ فقد رافقها إخضاع المدن وفرض الجزية ونقل السكان وتعديل شبكات الحكم. ويشير عنوان الفصل نفسه، الممتد «من رسائل تل العمارنة إلى تغلات فلاصر الثالث»، إلى انتقال الجولان من عالم الممالك والولايات الصغيرة المرتبطة بالنفوذ المصري إلى عالم التوسع الآشوري المنظم[11].

يكشف هذا الفصل أن صفة «الحدود» رافقت الجولان منذ القدم، لكن الحدود هنا ليست خطًا جامدًا؛ إنها منطقة تفاعل واحتكاك بين سلطات متعددة. فمن الشمال تأتي القوى السورية والأناضولية، ومن الجنوب والغرب النفوذ المصري والفلسطيني، ومن الشرق المجال الآرامي وحوران. وقد جعل هذا التعدد الإقليم عرضة للحملات، لكنه جعله أيضًا غنيًا بالاتصالات الثقافية والاقتصادية.

ومن الأفكار المركزية التي يمكن استخلاصها أن هُويّة الجولان التاريخية لم تتشكل من شعب واحد مغلق، بل من تراكم سكاني وحضاري طويل. الآراميون والكنعانيون والعرب وجماعات أخرى عاشوا فيه أو مروا به، وتداخلت أسماؤهم ولغاتهم ومعتقداتهم. وفي مقابل النظريات التي تحاول استخراج ملكية قومية حديثة من نصوص قديمة، يتعامل الكتاب مع التاريخ القديم بوصفه سجلًا للتعدد والتعاقب، لا سند ملكية لجماعة معاصرة.

ثالثًا: الإسكندر وخلفاؤه وتحوّل الجولان إلى فضاء هلنستي

يخصِّص الفصل الثالث لمرحلة الإسكندر المقدوني وخلفائه، التي بدأت بدخول جيوشه بلاد الشام في القرن الرابع قبل الميلاد. لم يكن احتلال الإسكندر مجرد تبديل لسلطة فارسية بسلطة مقدونية؛ فقد مهّد لانتشار الثقافة الهلنستية، ونشوء مدن ذات طابع يوناني، وتغير أنظمة الإدارة والاقتصاد والعمران في أجزاء واسعة من المشرق[12].

يتتبع خلف احتمال وصول قوات الإسكندر إلى مناطق شمال الجولان خلال حملاته، ويربط ذلك بمهاجمة جماعات عربية لقواته أو مؤخرته قرب جبل الشيخ. ثم ينتقل إلى الصراع بين خلفائه، ولا سيَّما البطالمة والسلوقيين، على سورية الجنوبية وفلسطين. وقد وجد الجولان نفسه في قلب هذا الصراع بسبب موقعه بين دمشق وطبريا ووادي الأردن[13].

في المرحلة السلوقية أخذت المدن تتطور ضمن شبكات تجارية وسياسية أوسع. وبرزت مواقع مثل هيبوس وسوسيا وبانياس، وأصبحت المنطقة جزءًا من المجال الهلنستي الذي جمع بين المؤسَّسات الإغريقية والسكان والثقافات المحلية. لم تختف العناصر السابقة، بل أعيد تشكيلها داخل لغة سياسية وعمرانية جديدة.

يولي الكتاب أهمية للطابع المركب للهلينة. فالمدن قد تحمل أسماء يونانية وتستخدم مؤسَّسات هلنستية، لكن سكان الريف والجماعات العربية والآرامية استمرّوا في تقاليدهم. وبالتالي لم يكن الانتقال الحضاري عملية استبدال شامل، بل تفاعلًا بين طبقات سكانية وثقافية مختلفة.

ويظهر في هذا الفصل ما سيصبح سمة دائمة في تاريخ الجولان: التفاوت بين المدن والريف. فالمدن الواقعة على طرق التجارة أو قرب المراكز الدينية والمائية تلقت تأثيرات هلنستية أكبر، بينما احتفظت المناطق الريفية بأنماطها المحلية. وهذا التفاوت يساعد على فهم التنوّع الكبير في الآثار والعمارة واللغات والنقوش التي عُثر عليها لاحقًا.

كما يمهد الفصل لفهم الصراعات التي ستصاحب ضعف السلوقيين وصعود القوى المحلية والمملكة الحشمونية، وصولًا إلى التدخل الروماني. فكلما ضعفت السلطة الإمبراطورية، ظهرت إمارات ومدن وجماعات تحاول توسيع نفوذها، وتحول الجولان إلى منطقة تتنافس عليها القوى المجاورة.

رابعًا: من بومبي إلى الحارث – الجولان الروماني والعربي

يفتتح الفصل الرابع بضم القائد الروماني بومبي بلاد الشام إلى المجال الروماني في القرن الأول قبل الميلاد. وبالنسبة إلى الجولان، لم يكن التنظيم الروماني مجرد إخضاع عسكري، بل أعاد توزيع المراكز والسلطات وربط بعض مدن المنطقة بتحالف المدن العشر، المعروف باسم الديكابوليس[14].

كانت هيبوس، أو سوسيا، إحدى مدن هذا التحالف، وتتبعها قرى ومساحات واسعة في الزوية وجنوبي الجولان، بينما ارتبطت الحمّة بمدينة جدارا، أم قيس الحالية. وأتاح هذا التنظيم للمدن قدرًا من الاستقلال المحلي، مع بقائها داخل المنظومة الرومانية في الضرائب والطرق والدفاع[15].

يروي الكتاب كيف أعاد بومبي بناء هيبوس بعد أن دمرها ألكسندر يناي في مرحلة الفوضى السلوقية، ويستحضر مقاومة السكان العرب الإيطوريين للهجمات على بانياس ومناطق جبل الشيخ. ويتضح من ذلك أن الجولان في العصر الروماني لم يكن فضاء يهوديًا خالصًا أو يونانيًا خالصًا، بل منطقة تضم مدنًا وثنية وجماعات عربية وآرامية ويهودية، ثم مسيحية لاحقًا[16].

تتداخل في الفصل أسماء حكام محليين مثل الحارث، وسلالات عربية ارتبطت بحوران والجولان ودمشق، مع صعود النفوذ الروماني. ويبرز الأنباط والإيطوريون والغساسنة وغيرهم بوصفهم قوى محلية وإقليمية، لا مجرد قبائل هامشية. وقد ساعدت شبكاتهم على ربط الجولان بالصحراء العربية وبصرى ودمشق ولبنان.

في العصر البيزنطي توسعت المسيحية، وانتشرت الكنائس والأديرة والمنشآت الدينية. وتدل كثرة المواقع المسيحية والنقوش والعمارة على ازدهار سكاني وعمراني، لا على انحسار الحياة كما توحي بعض السرديّات التي تحصر أهمية الجولان في المستوطنات اليهودية القديمة. ويؤكد الكتاب أن كثيرًا من المواقع التي جرى تفسيرها إسرائيليًا بوصفها «كنسًا يهودية» قد تحمل، في بنيتها وزخارفها وحقبتها، خصائص مسيحية أو عربية محلية[17].

تظهر هنا إحدى المعارك الأساسية للكتاب مع علم الآثار الإسرائيلي. فالمؤلف لا ينكر وجود جماعات يهودية أو آثار مرتبطة بها، لكنه يرفض تضخيمها واستخدامها لإعطاء المنطقة هُويّة أحادية. ويرى أن بعض الباحثين الإسرائيليين يسلطون الضوء على موقع صغير إذا أمكن ربطه بتاريخ يهودي، بينما يتجاهلون بانياس وفيق وقلعة الصبيبة وكفر حارب وغيرها من المواقع ذات التاريخ العربي والإسلامي الواضح[18].

من الناحية الاقتصادية، شهد الجولان في العصر الروماني والبيزنطي ازدهارًا زراعيًا وتجاريًا. ساهمت الطرق الرومانية في ربط المدن بالأسواق، وازدهرت زراعة الحبوب والكروم والزيتون، واستفادت الحمامات المعدنية مثل الحمّة من حركة الزوار. وتدل المنشآت والفسيفساء والتيجان والأعمدة على تراكم ثروة واستقرار طويل.

خامسًا: الفتح الإسلامي والجولان في عصر الأجناد

ينتقل الفصل الخامس إلى الفتح الإسلامي ومعركة اليرموك، التي وقعت في المجال الجغرافي المتصل بجنوبي الجولان وحوران ووادي اليرموك. ويعرض خلف تنظيم بلاد الشام إلى أجناد، موضحًا أن أراضي الجولان توزعت بين جندي دمشق والأردن[19].

يضع الكتاب معركة اليرموك في سياق استراتيجي أوسع. فالفتح لم يكن، بحسب قراءته، قرارًا ارتجاليًا ولد من نصيحة عابرة، بل جزءًا من سياسة توسع بدأت بعد انتهاء حروب الردة وتزامنت مع التحرك نحو العراق. ويشير إلى أن العلاقات بين المسلمين والعرب الغساسنة وسكان المنطقة سبقت المعارك، وأن الرسائل والاتصالات الدينية والسياسية مهدت للتحول[20].

لا يكتفي المؤلف بوصف المعركة، بل يناقش تعدد رواياتها، وأسماء مواقعها، ومعنى «الواقوصة»، ومسارات الجيوش. وهنا تظهر صعوبة تحويل الروايات الإخبارية المتأخرة إلى خريطة ميدانية دقيقة. يحاول خلف مقارنة الأخبار بالجغرافيا، فينظر إلى الأودية والمنحدرات والطرق التي يمكن أن تكون قد أثرت في سير القتال.

بعد الفتح لم ينقطع تاريخ الجولان ولم تبدأ مرحلة فراغ؛ بل دخل في نظام إداري جديد، واستمرّت مدنه وقراه وطرقاته. تغيرت السلطة واللغة الديوانية والدين الغالب تدريجيًا، لكن كثيرًا من السكان والمنشآت استمرّوا. ويظهر هذا الاستمرار في بقاء أسماء مواضع قديمة وتحوّلها صوتيًا إلى العربية، وفي استمرار الطرق والمراكز الزراعية.

إن وضع الجولان بين جندي دمشق والأردن يعكس طبيعته الانتقالية. فهو ليس تابعًا حصريًا لدمشق أو طبريا، بل يقع على تماس إداري وجغرافي بينهما. وهذه الحقيقة ستتكرر في العهود اللاحقة، حين تتوزع بعض مناطقه بين ولايات وأعمال مختلفة، مع بقاء وحدته الجغرافية والاجتماعية محسوسة.

سادسًا: العصر الأموي والعباسي والفاطمي

يصف خلف الجولان في العصر الأموي بأنه معقل أموي. لم يكن ذلك بسبب قربه من دمشق وحدها، بل لأنَّ الجابية، الواقعة في الجولان، أدت دورًا سياسيًا مهمًا، وكانت مقرًا أو عاصمة صيفية للخلفاء ومكانًا لانعقاد اجتماعات حاسمة[21].

من الجابية أدار مروان بن الحكم معركة الخلافة بعد وفاة معاوية بن يزيد، وفيها اجتمعت القوى التي ساعدت على انتقال السلطة إلى الفرع المرواني من الأسرة الأموية. وهكذا دخل موقع جولاني في قلب التاريخ السياسي للدولة الإسلامية، لا بوصفه ساحة حرب فقط، بل مركزًا لاتّخاذ القرار[22].

يفتح الكتاب من خلال الجابية نافذة على بنية الجولان في ذلك العصر: طرق تصل دمشق بطبريا والأردن، ومراعٍ وأراضٍ زراعية، ومناخ يجعل المنطقة ملائمة للإقامة الصيفية، وحضور قبلي وعسكري موالٍ للأمويين. كما يذكر مواضع مثل البطيحة وكفر عاقب وسوسيا وفيق وبانياس، ما يدل على استمرار شبكة القرى والمدن القديمة داخل النظام الجديد.

تأثر الجولان بالصراع بين الأمويين والعباسيين، ثم بتغير مراكز السلطة. فقد فقد قربه من العاصمة أهميته السياسية المباشرة عندما انتقلت الخلافة إلى العراق، لكنه بقي على طريق دمشق–فلسطين وفي نطاق الثغور الداخلية والممارّ التجارية والعسكرية.

خلال العصر العباسي عرف الإقليم اضطرابات مرتبطة بالثورات والصراعات الداخلية، لكنه لم يخرج من المجال العمراني. ويبيّن الكتاب أن قراءة الفترات المضطربة من خلال أخبار الحروب وحدها قد تعطي انطباعًا مبالغًا فيه عن الخراب؛ لأنَّ المصادر الإخبارية اهتمت بالمعارك أكثر من الزراعة والأسواق والحياة اليومية.

أما في العصر الفاطمي، فقد ازدادت أهمية بانياس ومواقع التحصين شمالي الجولان، بسبب الصراع على دمشق وطرق الساحل وفلسطين. وأحيطت بانياس بالأسوار، واستفادت من موقعها عند منابع المياه ومن سيطرتها على الطريق بين دمشق وصور. ثم تحولت المنطقة في زمن الحروب الصليبية إلى خط دفاع وصراع بين القوى الإسلامية والفرنجية[23].

توضح هذه الفصول مجتمعة أن الجولان لم يكن حيزًا سياسيًا مستقلًا، لكنه كان عنصرًا مؤثرًا في أمن دمشق واتصالها بفلسطين. كانت قيمته تأتي من طرقه وموارده ومرتفعاته؛ ولذلك ما إن تضعف سلطة مركزية حتى يتنافس عليه أمراء دمشق وبانياس وصفد والقوى القادمة من الساحل.

سابعًا: الجولان تحت حكم المماليك

يبدأ الفصل السابع من لحظة شديدة العنف يصفها بعنوان «عام الخراب»: الغزو المغولي في القرن الثالث عشر. فبعد سقوط مدن شمال سورية، وصل أثر جيوش هولاكو إلى دمشق والجولان وبانياس وقلعة الصبيبة، وترافق مع قتل ونهب وتهجير واضطراب واسع[24].

لكن هزيمة المغول في عين جالوت ثم صعود المماليك أعادا تنظيم المنطقة. واحتلّت بانياس وقلعة الصبيبة وممارّ جبل الشيخ أهمية عسكرية كبيرة؛ لأنَّها تحمي الطريق بين دمشق والساحل، وتراقب وادي الحولة ومداخل الجولان الشمالية.

يقدم الكتاب تفاصيل عن الأمراء والقلاع والحملات، لكنه يكشف أيضًا مشروعًا مملوكيًا لإعادة بناء الطرق والمنشآت وتثبيت الأمن. فالمماليك لم يتعاملوا مع الجولان كساحة مواجهة وحسب، بل كجزء من شبكة البريد والتجارة والحج والدفاع عن دمشق[25].

ومن معالم هذه المرحلة العمارة ذات اللونين الأبيض والأسود، والتحصينات والجوامع والمقامات والخانات. وفي بانياس والحمّة وغيرها تظهر طبقات مملوكية فوق منشآت رومانية وبيزنطية وفاطمية، في تجسيد مادي لتعاقب الحضارات واستخدام كل حقبة لما ورثته عن سابقتها.

تعرّض الجولان في أواخر العصر المملوكي لتراجع واضطرابات مرتبطة بالصراعات الداخلية والقبائل والضرائب وتبدل طرق التجارة. لكن الكتاب يتجنب وصفه بالخراب الكامل؛ فحتى عندما ضعفت المدن بقيت القرى والزراعة والرعي، واستمرّت الروابط مع دمشق وصفد وحوران.

ثامنًا: أربعة قرون من الحكم العثماني

يُعد الفصل العثماني أطول فصول الكتاب؛ إذ يمتد من الصفحة 171 إلى 266 تقريبًا، وهو ما يعكس غنى الوثائق وتنوّع التحولات خلال أربعة قرون. يبدأ بدخول السلطان سليم الأول دمشق بعد معركة مرج دابق سنة 1516، وبمحاولته تأمين طريق القنيطرة وجسر بنات يعقوب نحو مصر[26].

كان الطريق شديد الوعورة، وتطلب تعبئة عمال من أحياء دمشق ومختلف الجماعات الدينية لإصلاحه. تكشف هذه الواقعة أهمية الممر الجولاني في اتصال مركز الدولة العثمانية بمصر وفلسطين، وتبين أن الإدارة الجديدة أدركت منذ البداية أن السيطرة السياسية تحتاج إلى طرق قابلة لحركة الجيوش والقوافل[27].

خضع الجولان في فترات مختلفة لتقسيمات إدارية متعددة، وتداخلت فيه سلطة الولاة والمتسلمين والزعامات العشائرية. ولم تكن السيطرة العثمانية متساوية في كل مكان أو كل زمن؛ فالمدن والطرق الرئيسة كانت أكثر اتصالًا بالدولة، بينما اعتمدت مناطق أخرى على شيوخ العشائر والترتيبات المحلية.

يولي خلف اهتمامًا خاصًا للتركيبة السكانية. شهد الجولان وجود عرب مستقرين وبدو، ثم وصول جماعات تركمانية وشركسية في مراحل متأخرة. وقد ارتبط توطين الشركس، خصوصًا في القرن التاسع عشر، بسياسات الدولة العثمانية تجاه اللاجئين القادمين من القوقاز وبالحاجة إلى تثبيت الأمن وتعمير مناطق معينة[28].

أسس الشركس قرى ومراكز، وكان لهم دور بارز في القنيطرة وفي الجهاز الإداري والعسكري. لكن الكتاب لا يقدمهم كجسم منفصل عن محيطه؛ فقد دخلوا في علاقات اقتصادية واجتماعية مع العرب والتركمان والدروز وغيرهم، وشاركوا لاحقًا في الجيش والحياة السياسية السورية.

كما يرصد الكتاب دور القبائل الكبرى، مثل الفضل والنعيم والتركمان وعرب الفاعور وسواهم، في الاقتصاد والسياسة. كانت القبائل تتنقل بين الجولان وحوران والبلقاء والحولة، وتتحكم أحيانًا في الطرق أو تفرض حماية على القرى والقوافل. ولم تكن علاقتها بالدولة عداءً دائمًا أو طاعة مطلقة؛ بل تفاوضًا مستمرًا حول الضرائب والتجنيد والأرض والأمن.

في القرن التاسع عشر شهد الجولان تحولات إدارية وعمرانية مرتبطة بالإصلاحات العثمانية. نمت القنيطرة بوصفها مركزًا إداريًا، وازدادت حركة التجارة، وأُنشئت مؤسَّسات رسمية، وتحسنت بعض الطرق. وساعد قربها من دمشق وموقعها على الطريق إلى فلسطين في تحويلها إلى مدينة ذات وظيفة تتجاوز محيطها الزراعي[29].

تستخدم الوثائق العثمانية التي جمعها خلف لتصحيح صورة شائعة عن الجولان بوصفه مجالًا بدويًا بلا ملكيات أو قرى ثابتة. فالسجلات تظهر الضرائب والأراضي والزراعات والقرى والنزاعات والعائلات والتعيينات الإدارية. كما تكشف أن العلاقات الاقتصادية كانت معقدة، وتشمل الحبوب والمواشي والبساتين والتجارة عبر طبريا ودمشق وحوران.

ومن القضايا المهمة ملكية الأرض. فقد أدت إصلاحات القرن التاسع عشر وتسجيل الأراضي إلى ظهور ملكيات واسعة بأسماء زعماء أو وجهاء، في حين ظل الفلاحون يزرعونها. وهذه البنية سيكون لها أثر في العصر الحديث، خصوصًا عندما دخلت المصالح الصهيونية على خط شراء الأراضي قرب الحولة وطبريا والحدود.

لا يقدّم خلف العصر العثماني ككتلة واحدة. فهناك فترات استقرار وأخرى اضطراب، ومراحل ازدهار للقنيطرة وأخرى تراجع، وتغيرات في العلاقة بين الريف والدولة. وتلك ميزة مهمة؛ لأنَّ الأحكام العامة من نوع «أربعة قرون من الجمود» لا تفسر التحولات الديموغرافية والعمرانية والإدارية التي شهدها الإقليم.

تاسعًا: من نهاية العثمانيّين إلى المشروع الوطني السوري

يبدأ الفصل التاسع من خيبة العرب بإصلاحات الاتحاديّين بعد انقلاب 1908، حين اتضح أن الوعود بالمساواة ستفسح المجال لتتريك الإدارة وتعزيز القومية التركية. في المقابل نشطت جمعيات عربية سرية، وكان للجولان دور في هذا النشاط عبر شخصيات مثل أحمد مريود وبيئته في جباتا الخشب[30].

يذكر الكتاب أن موسى مريود اشترى مطبعة وأصدر في القنيطرة جريدة الجولان سنة 1911، باسم أحمد الداغستاني، وكانت صحيفة سياسية واقتصادية واجتماعية. وهذه المعلومة بالغة الدلالة؛ فهي تظهر أن القنيطرة لم تكن مجرد بلدة إدارية صغيرة، بل مركزًا ينتج خطابًا عامًا وصحافة وحركة وطنية[31].

مع الحرب العالمية الأولى عانى الجولان التجنيد والمصادرات والمجاعة والاضطراب، شأنه شأن مناطق سورية أخرى. ثم دخل في مرحلة انهيار الحكم العثماني وتقدم القوات العربية والبريطانية، وأصبح جزءًا من المملكة السورية التي أعلنت في دمشق بقيادة فيصل.

يبرز أحمد مريود بوصفه أحد أبرز وجوه المقاومة في الجولان ضد الفرنسيين. لم تكن مقاومة المنطقة منفصلة عن المشروع الوطني السوري؛ فقد اتصلت بثوار دمشق وحوران وجبل العرب وشرق الأردن. وتكشف سيرة مريود ورفاقه أن الجولان كان قاعدة عبور وتنظيم ومواجهة، وأن سكانه لم ينظروا إلى أنفسهم بوصفهم جماعة حدودية منفصلة[32].

تتعرّض هذه المرحلة أيضًا لبدايات الخطر الصهيوني. كانت المستعمرات اليهودية في الحولة وشمالي فلسطين تتوسع، وظهرت نزاعات على الأرض والمياه والحدود. ولم يكن ترسيم الحدود بين الانتدابين البريطاني والفرنسي مسألة فنية؛ فقد تأثر بالمصالح الصهيونية والبريطانية وبمصادر المياه والمواقع الزراعية.

ومن أبرز نتائج هذا الترسيم فصل أجزاء من المجال الطبيعي والاجتماعي للجولان والحولة، ووضع خطوط لا تراعي دائمًا الملكيات والقرى وطرق الرعي والمياه. وسيصبح غموض هذه الحدود مصدرًا لصدامات متكررة بعد استقلال سورية وقيام إسرائيل.

عاشرًا: الجولان تحت الانتداب الفرنسي

يُفتتح الفصل العاشر بسقوط دمشق بعد معركة ميسلون في 24 تموز/ يوليو 1920، ثم حملة الفرنسيين على ثوار الجولان. أصدر الجنرال غورو أحكامًا بالإعدام في حق أعداد كبيرة من المقاومين الذين لجؤوا إلى شرق الأردن، ونفذت القوات الفرنسية حملات انتقامية ضد القرى والعائلات[33].

يصوِّر الكتاب الجولان بوصفه أحد مراكز المقاومة السورية المبكرة. لم يأتِ الرفض من نخبة سياسية فقط، بل شاركت فيه عشائر وقرى وشخصيات محلية. ويستثني المؤلف بعض الزعامات التي أيدت الانتداب، مثل الشيخ أرشيد بن سمير، لكنه يقدم موقفها بوصفه خارج الاتجاه العام في المنطقة[34].

كانت الحدود مع شرق الأردن وفلسطين ولبنان تمنح الثوار مجالًا للحركة، لكنها سمحت للفرنسيين والبريطانيين أيضًا بالتنسيق والملاحقة. استُخدم القصف والحرق واحتجاز الأهالي والضغط على العائلات لإجبار الثوار على الاستسلام.

يربط الكتاب مقاومة الجولان بالثورة السورية الكبرى سنة 1925. فالموقع بين دمشق وجبل العرب ولبنان وفلسطين جعل المنطقة حلقة في نقل السلاح والمقاتلين والرسائل. كما شارك أبناء الجولان في المعارك والتحركات الوطنية، وأدت القرى دورًا في الإيواء والإمداد.

إلى جانب المقاومة، يعرض الفصل تطور الإدارة والتعليم والطرق والاقتصاد خلال الانتداب. أصبحت القنيطرة مركزًا أكبر، لكنها ظلت تعاني محدودية التنمية مقارنة بأهميتها العسكرية. كما أدت الحدود الجديدة إلى إضعاف بعض العلاقات التقليدية مع طبريا والحولة، من دون أن تقطعها نهائيًا.

وتكشف الوثائق الفرنسية والبريطانية التي يستند إليها المؤلف أن الصراع على الجولان لم يبدأ سنة 1967. فقد ظهرت منذ العشرينيات والثلاثينيات مشاريع ومطالب تتعلق بالمياه والأرض والحدود، وكانت الحركة الصهيونية تسعى إلى توسيع المجال الذي تسيطر عليه أو تستفيد من موارده.

مع اقتراب الاستقلال أصبح الجولان جزءًا أساسيًا من التصور الدفاعي السوري. لكنه دخل مرحلة الدولة الوطنية وهو يحمل إرث حدود مصطنعة، وبنية تحتية محدودة، ووجودًا استيطانيًا صهيونيًا متناميًا وراء الخط الفاصل.

حادي عشر: بعد جلاء الفرنسيّين – الحدود والحروب والاحتلال

يبدأ الفصل الحادي عشر بالجلاء في 17 نيسان/ أبريل 1946 وتأسيس الجيش السوري. دُمج عدد من المتطوعين السابقين في القوات الفرنسية، ومن بينهم شركس من الجولان، في قطعات الجيش وحرس الحدود الجنوبية[35].

لكن الاستقلال لم يمنح المنطقة فترة سلام. فمنذ عام 1946 وقعت اعتداءات وتسلّلات من المستعمرات الصهيونية، بعضها بدعم أو تغطية بريطانية. يذكر الكتاب حوادث أسر رجال من الدرك السوري وتجاوز الحدود ومحاولات تثبيت نقاط ميدانية على أرض سورية[36].

تكشف تقارير الضباط السوريّين التي ينقلها خلف مقدار الغموض والتلاعب في ترسيم الحدود. فقد كانت الخرائط لا تتطابق دائمًا مع الأوتاد والواقع، ووجدت قرى وأراضٍ ترتبط إداريًا بجهة بينما تظهر على الخرائط في جهة أخرى. استغلت الحركة الصهيونية ثم إسرائيل هذا الغموض لفرض أمر واقع تدريجي[37].

بعد قيام إسرائيل سنة 1948 أصبح الجولان جبهة قتال مباشرة. شارك الجيش السوري في الحرب، ووقعت معارك في سمخ وطبريا ومناطق الحولة، ثم أُبرمت اتّفاقية الهدنة سنة 1949. أنشأت الاتّفاقية مناطق منزوعة السلاح، لكن الطرفين اختلفا جذريًا على معناها: رأت سورية أنها مناطق لا سيادة عسكرية إسرائيلية عليها، بينما عملت إسرائيل على إخضاعها وإجلاء سكانها العرب وتغيير استخدامها[38].

يتتبّع الكتاب سلسلة طويلة من الاشتباكات حول الأراضي والمياه والزراعة، ولا سيَّما في الحولة والبطيحة ومناطق التوافيق والحمة. كانت إسرائيل تدفع بالمزارعين والجرارات إلى الأراضي المتنازع عليها تحت حماية الجيش، ثم ترد على الاعتراض السوري بقصف واسع. وبذلك تحولت الزراعة إلى أداة لتثبيت الحدود، لا نشاط اقتصاديًا محايدًا.

شهدت القنيطرة في الخمسينيات والستينيات انتعاشًا كبيرًا بسبب تمركز الجيش والمؤسَّسات وتدفق السكان. توسعت المدينة ونشأت أحياء وأسواق، وانتقل إليها سوريون وفلسطينيون وعسكريون وموظفون من محافظات مختلفة. لكن القرى الغربية القريبة من خطوط القتال دفعت الثمن، إذ تعطلت أراضيها وتعرّضت للقصف وحُرمت من الخدمات[39].

يعرض الكتاب زيارة جمال عبد الناصر للجبهة سنة 1958 في زمن الوحدة السورية المصرية، ويرى فيها إدراكًا لمعاناة السكان ولأهمية تنمية المنطقة. غير أن عسكرة الجولان بقيت أكبر من تنميته، وظلت قرى كثيرة تعتمد على إمكاناتها المحدودة.

في الستينيات تفاقم الصراع على المياه. بدأت سورية العمل في مشروع لتحويل منابع نهر الأردن، فردت إسرائيل بقصف المعدات والمنشآت في سنوات 1964 و1965، مستخدمة المدفعية والدبابات والطيران. رافق ذلك تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينيّة والردود الإسرائيلية والاشتباكات الجوية[40].

في آب/ أغسطس 1964 شُكلت محافظة القنيطرة من قضائي القنيطرة وفيق، وعُين عبد الحليم خدام أول محافظ لها. جاء القرار في سياق محاولة تعزيز الإدارة والتنمية في منطقة أصبحت إحدى أكثر جبهات سورية حساسية[41].

حرب حزيران/ يونيو 1967

يصل السرد إلى اللحظة المفصلية: احتلال إسرائيل معظم الجولان في حرب حزيران. يعرض خلف الخلفيات العسكرية والسياسية، وحالة القيادة السورية، والقرارات المتناقضة، ومسار التراجع. ويولي اهتمامًا خاصًا لقرار إعلان سقوط القنيطرة قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها، وما أحدثه من فوضى وانسحاب واسع.

لا يحصر المؤلف أسباب السقوط في التفوق الإسرائيلي، بل يناقش انهيار القيادة وسوء التنظيم والقرارات السياسية والعسكرية. لكنَّه يرفض أيضًا السرديّات التي تتّهم الجنود والسكان بالفرار الجبان؛ فهناك وحدات ومواقع قاومت، لكن القرار المركزي والانسحاب أفقداها القدرة على الاستمرار[42].

أسفر الاحتلال عن نزوح عشرات الآلاف أثناء المعارك، ثم طرد عشرات الآلاف الآخرين في الأشهر التالية. بحسب الأرقام التي يعتمدها خلف، نزح نحو ثلاثين ألفًا خلال القتال، ثم طردت إسرائيل قرابة تسعين ألف شخص بعد تجريدهم من ممتلكاتهم. لم يبقَ سوى نحو سبعة آلاف في خمس قرى: مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنية والغجر[43].

تمثِّل هذه الأرقام قلب مأساة الجولان الحديثة. فالاحتلال لم يكتفِ بتغيير السلطة؛ بل أفرغ أكثر من مئة قرية ومزرعة ومدينة من سكانها. ثم هُدمت التجمعات، باستثناء القرى الخمس، لمنع العودة ومحو آثار الحياة السابقة.

يقدم الكتاب التهجير بوصفه سياسة لا نتيجة عرضية للحرب. كان كثير من السكان يعتقدون أن خروجهم مؤقت، وتركوا منازلهم وأثاثهم ووثائقهم وصورهم ومحاصيلهم. لكن القوات الإسرائيلية منعت العودة، ونهبت الممتلكات وهدمت القرى واستخدمت حجارتها في التحصينات أو تركتها للخراب[44].

حرب تشرين واتّفاق فضّ الاشتباك

حاولت سورية استعادة الجولان في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973. نجحت القوات في التقدم في الأيام الأولى، ثم تراجعت بعد الهجوم الإسرائيلي المضاد. وانتهت الحرب باتّفاق فضّ الاشتباك سنة 1974، الذي أعاد مدينة القنيطرة وشريطًا من الأرض إلى سورية، وأنشأ منطقة فصل تراقبها قوات الأمم المتحدة[45].

عادت القنيطرة مدمرة. اختارت الدولة إبقاء أجزاء واسعة منها على حالها لتكون شاهدًا على التدمير، بينما بُنيت تجمعات ومراكز جديدة في محيطها. أما أغلبية الجولانيّين المهجّرين فلم يتمكنوا من العودة إلى قراهم الواقعة تحت الاحتلال.

الضّم والأسرلة والمقاومة المدنية

فرضت إسرائيل إدارتها على الجولان، وأقامت المستوطنات واستولت على الأراضي والمياه. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1981 أقرّت «قانون الجولان» الذي فرض القوانين والإدارة الإسرائيلية على المنطقة، في خطوة عدّها السوريون ضمًا رسميًا، ورفضها مجلس الأمن في قراره 497[46].[46]

رد سكان القرى السورية المحتلّة بإضراب عام طويل سنة 1982، ورفضوا الجنسية الإسرائيلية وبطاقات الهُويّة المفروضة. ويضع خلف هذا الإضراب ضمن تاريخ المقاومة السورية في الجولان، من مقاومة العثمانيّين والفرنسيين إلى رفض الاحتلال الإسرائيلي.

لا يعرض الكتاب سكان القرى الباقية بوصفهم مجرد رموز وطنية؛ بل يتناول ما تعرّضوا له من مصادرة أراضٍ وتضييق اقتصادي ومراقبة واعتقالات ومحاولات فصلهم ثقافيًا وسياسيًا عن سورية. ومع ذلك حافظوا على روابطهم العائلية والوطنية، وعلى تعريف أنفسهم بوصفهم سوريّين.

ثاني عشر: الجولة الأثرية – التاريخ المتجسِّد في المكان

بعد انتهاء السرد السياسي ينتقل الكتاب، ابتداءً من الصفحة 349، إلى جولة أثرية طويلة. وهذا الانتقال ليس ملحقًا ثانويًا، بل جزء من حجة الكتاب الأساسية: الجولان ليس أرض معارك فقط؛ إنه مساحة حضارية مكتوبة بالحجر[47].

ينتقد خلف انطباعًا قديمًا لدى بعض الباحثين بأن آثار الجولان قليلة، ويؤكد أن المنطقة غنية بمواقع من جميع العصور. لكنه يذهب أبعد من الوصف، فيناقش سياسات علم الآثار الإسرائيلي، ويتهمها بالانتقائية: تضخيم المواقع التي يمكن ربطها بتاريخ يهودي، وتقليل شأن المواقع ذات الهُويّة العربية والمسيحية والإسلامية[48].

رجم الهري

يحتل موقع رجم الهري مساحة كبيرة من الجولة. وهو بناء حجري دائري ضخم، يتكون من دوائر متراكزة وأكمة مركزية وغرفة دفن، ويرجع إلى عصور ما قبل التاريخ أو العصر البرونزي. يناقش الكتاب تنقيبات الموقع وبنيته ووظيفته، والفرضيات التي ربطته بالرصد الفلكي أو الطقوس أو الدفن[49].

يستعرض المؤلف اتجاهات الجدران وعلاقتها بالشروق والغروب والفصول، ويقدم دراسات مناخية وفلكية حاولت تفسير الموقع أداةً لتقدير مواعيد الأمطار والفصول الزراعية. لكنه لا يحسم جميع الأسئلة، ويترك المجال لقراءات متعددة.

تكمن قيمة رجم الهري في أنه يدحض تصور المجتمعات القديمة في الجولان بوصفها بسيطة؛ فبناء بهذه الضخامة يحتاج إلى تنظيم وعمالة ومعرفة هندسية واستقرار اجتماعي.

بانياس

تُقدّم بانياس بوصفها واحدة من أهم مدن الجولان التاريخية. تقع عند منابع نهر بانياس وتجمع بين الماء والجبل والطريق والاستقرار. عُرفت بمعبد الإله بان، ثم باسم قيصرية فيليبس، وأصبحت مركزًا رومانيًا وبيزنطيًا ومسيحيًا وإسلاميًا[50].

تكشف الأعمدة والتيجان والتماثيل والقصور والحمامات والأسوار عن مدينة مزدهرة. وفي العصر الفاطمي أحيطت بالسور، ثم أصبحت محورًا في الحروب الصليبية، وتعرّضت للصراع بين دمشق والفرنج. وفي العهد المملوكي استمرّت داخل نطاق أصغر، وظهرت فيها العمارة ذات اللونين الأبيض والأسود[51].

يرى المؤلف أن ما بقي من بانياس ليس إلا جزءًا من حجمها السابق؛ فقد تقلصت مساحتها من نحو ألف دونم في العصر الروماني إلى نحو 120 دونمًا في مراحل لاحقة. ومع ذلك تحتفظ طبقاتها المتراكمة بتاريخ طويل لا يجوز اختزاله في موقع ديني واحد.

قلعة الصبيبة

تظهر قلعة الصبيبة، أو نمرود، بوصفها واحدة من أبرز قلاع المنطقة. يناقش الكتاب تاريخ بنائها وتوسعاتها، ويرفض نسبتها المبسطة إلى الصليبيين، مؤكدًا مراحلها الأيوبية والمملوكية والعربية الإسلامية. تكشف الأبراج والممارّ والسرداب والكتابات العربية عن مشروع دفاعي متكامل لحماية طريق بانياس ودمشق[52].

الحمّة

يخصص الكتاب مساحة للحمّة، الواقعة عند الينابيع الساخنة قرب اليرموك. لم تكن الحمّة موقعًا علاجيًا حديثًا فقط؛ فقد عرفت في العصور الرومانية والبيزنطية حمامات ومسارح وكنائس وشوارع وأحياء سكنية[53].

تشير التماثيل والزخارف والتوافير والأعمدة إلى مركز للاستشفاء والإقامة والترفيه. وقد زارها الرحالة والباحثون في القرن التاسع عشر ووصفوا بقاياها. ويؤكد الكتاب أن مياهها كانت موردًا اقتصاديًا وحضاريًا مهمًا للجولان.

فيق وهيبوس وكفر حارب

يتناول الكتاب مدينة فيق وموقعها المطل على طبريا، وهيبوس ذات التاريخ الهلنستي والروماني، وكفر حارب وغيرها من المدن والقرى. كانت هذه المواقع مراكز عمرانية وزراعية ودينية، وتدل الكنائس والفسيفساء والكتابات والآبار والطرق على مجتمعات مستقرة[54].

ويحاول خلف استعادة الأسماء العربية والمحلية للمواقع، في مواجهة هيمنة الأسماء العبرية التي فرضتها مؤسَّسات الاحتلال. فالتسمية ليست مسألة لغوية؛ إنها جزء من الصراع على الذاكرة وملكية المكان.

مواقع أخرى

يضم القسم الأخير عشرات المواقع الأقل شهرة، ويقدم مواقعها الجغرافية وارتفاعها ومسافاتها عن القرى والوديان، ثم يصف الكنائس والأديرة والفسيفساء والنقوش والآبار والمقابر والتحصينات[55].

تكشف كثافة هذه القائمة أن كل قرية مدمرة تقريبًا كانت مرتبطة بطبقات تاريخية أقدم. وحين هُدمت القرى بعد 1967، لم يدمّر الاحتلال مساكن حديثة فقط؛ بل قطع الصلة بين السكان وتراث عمراني وأثري متراكم.

ثالث عشر: منهج الكتاب ومصادره

يعتمد «تاريخ الجولان المفصّل» منهجًا تركيبيًا يجمع بين أنواع مختلفة من المصادر. وهذه ميزة كبرى، لكنَّها تخلق تحديات أيضًا.

1. علم الآثار

في الفصول القديمة لا يستطيع المؤلف الاعتماد على نصوص كافية، فيلجأ إلى تقارير التنقيب والدراسات الجيولوجية والأثرية. ويقارن بين تفسيرات متعددة للمواقع واللقى. غير أن قسمًا كبيرًا من التنقيبات أُجري تحت سلطة الاحتلال، ما يضع الباحث أمام معضلة: الاستفادة العلمية من النتائج مع نقد الإطار الأيديولوجي الذي تُقدّم فيه.

2. المصادر القديمة

يستخدم نصوص تل العمارنة والنقوش الآشورية والمصادر اليونانية والرومانية والنصوص التوراتية. ويحاول التعامل معها نقديًا، لكن بعض تحديدات المواقع تبقى فرضيات؛ إذ يصعب مطابقة كل اسم قديم بقرية أو تل معاصر.

3. المصادر العربية والإسلامية

تتسع قاعدة المصادر مع الفتح الإسلامي: كتب التاريخ والبلدان والتراجم والرحلات. ويستفيد خلف من البلاذري والطبري والمسعودي وابن عساكر والمقريزي وغيرهم. لكنه يلفت إلى أن هذه الكتب اهتمت بالحروب والولاة أكثر من الحياة اليومية، ما قد يبالغ في حضور الصراع على حساب الزراعة والعمران.

4. الرحالة والجغرافيون

تُعدّ أوصاف الرحالة من أثمن مواد الكتاب، لأنَّها تسجل حالة القرى والطرق والمياه والآثار في لحظات مختلفة. لكنها تحمل بدورها أحكامًا وانطباعات قد تتأثر بخلفية الكاتب ومدة الزيارة.

5. الوثائق العثمانية

توفِّر السجلّات العثمانية مادة دقيقة نسبيًا عن الإدارة والملكية والضرائب والسكان. وقد استفاد خلف من خبرته السابقة في جمع وثائق الجولان العثمانية، ما أعطى الفصل الثامن عمقًا لا يتوفر عادة في المؤلفات العامة.

6. الوثائق الحديثة

في القرن العشرين يستخدم سجلّات الدولة السورية، وتقارير الجيش والحدود، والصحف والمذكرات والوثائق الفرنسية والبريطانية والإسرائيلية. وتسمح هذه المواد بتتبّع الحوادث العسكرية والسياسية بتفصيل واسع.

رابع عشر: أطروحات الكتاب الأساسية

يمكن تلخيص المشروع الفكري للكتاب في عدد من الأطروحات الكبرى:

1. الجولان ليس منطقة خالية

من عصور الحجر إلى القرى التي هُجّرت سنة 1967، يكشف الكتاب استمراريّة الحضور الإنساني. تغيرت مواقع الاستيطان وأحجام المدن، لكن الأرض ظلت مأهولة ومنتجة.

2. الجولان جزء من المجال السوري

كانت المنطقة مرتبطة بدمشق وحوران وفلسطين ولبنان، لكن ارتباطها الإداري والسياسي بدمشق وسورية لم يكن اختراعًا حديثًا. حتى عندما توزعت أراضيها بين أجناد أو ولايات، بقيت في المجال السوري الشامي.

3. التعدّد لا يلغي الانتماء

عاش في الجولان عرب وآراميون وإيطوريون وأنباط وغساسنة وتركمان وشركس ودروز وعلويون وغيرهم. لا يرى خلف هذا التنوّع دليلًا على غياب الهُويّة، بل عنصرًا في تشكل مجتمع جولاني سوري.

4. الجغرافيا تفسِّر الصراع

الماء والمرتفعات والطرق والأرض الخصبة هي أسباب متكررة للتنافس على الجولان. لا يمكن فهم الأطماع الإسرائيلية من زاوية الأمن وحدها؛ فالموارد المائية والزراعة والموقع الاستراتيجي عناصر جوهرية.

5. الاحتلال مشروع محو

لم يكن احتلال 1967 سيطرة عسكرية فقط. رافقه طرد السكان وهدم القرى وإقامة المستوطنات وتغيير الأسماء ونهب الآثار وإعادة تفسير الماضي. لذلك تصبح استعادة التاريخ مواجهة لسياسة المحو.

6. الآثار ميدان سياسي

يدافع المؤلف عن ضرورة نقد علم الآثار عندما يتحول إلى أداة قومية. لا يرفض النتائج لمجرد أن باحثين إسرائيليين توصلوا إليها، لكنه يرفض الانتقائية وتضخيم حقبة أو جماعة لتبرير السيطرة المعاصرة.

خامس عشر: نقاط قوة الكتاب

الشمول الزمني

يمتدُّ الكتاب من ربع مليون سنة تقريبًا إلى العصر الحديث. وهذا الاتساع نادر في مؤلفات الجولان التي تركز عادة على الاحتلال أو الجغرافيا أو حقبة بعينها.

كثافة التوثيق

يكاد كل فصل يحيل إلى مراجع عربية وأجنبية ووثائق ونقوش وتقارير. وتمنح الهوامش والقوائم الختامية القارئ خريطة واسعة للبحث في الموضوع.

استعادة التاريخ المحلّي

لا يكتفي المؤلف بالأحداث الكبرى؛ بل يذكر القرى والعائلات والطرق والصحف والثوار والقلاع والحمامات والمزارع. وهكذا يتحول الجولان من اسم جغرافي إلى مجتمع متعدد التفاصيل.

ربط التاريخ بالآثار

الجولة الأثرية تجعل السرد التاريخي قابلًا للرؤية في المكان. فبانياس ورجم الهري والحمّة والصبيبة ليست أسماء في النصوص فقط، بل شواهد مادية على الاستمرار الحضاري.

تفكيك السردية الاستيطانية

يواجه الكتاب فكرة أنَّ الجولان أرض توراتية خالية استعادتها إسرائيل، ويقدم تاريخًا أكثر تعقيدًا وتعددًا. وتأتي قوة الرد من التوثيق، لا من الخطاب السياسي المجرد.

سادس عشر: ملاحظات نقدية

على الرغم من قيمة الكتاب، يمكن تسجيل بعض الملاحظات التي لا تنتقص من أهميته:

1. تفاوت مستوى التفصيل

تتفاوت الفصول كثيرًا في الحجم؛ فالعصر العثماني والجولة الأثرية يحظيان بمئات الصفحات، بينما تمر بعض العصور القديمة بسرعة. يرجع ذلك إلى تفاوت المصادر، لكنه يجعل البناء غير متوازن أحيانًا.

2. كثافة الأسماء والأحداث

يمكن للقارئ غير المتخصِّص أن يضيع بين أسماء الملوك والقادة والقرى والحملات. وكان من الممكن إضافة جداول زمنية وخرائط أكثر تفصيلًا في بداية كل فصل.

3. الانتقال بين السرد والنقاش

ينتقل الكتاب أحيانًا من سرد واقعة تاريخية إلى مناقشة باحث أو تفنيد رواية أثرية من دون تمهيد كافٍ. وهذه سمة موسوعية أكثر منها مقالية.

4. حضور الموقف الوطني

لا يخفي المؤلف موقفه من الاحتلال وعلم الآثار الإسرائيلي. هذا الموقف مشروع، لكنه يجعل بعض الأحكام حادة، ولا سيَّما عند وصف نيات جميع الباحثين الإسرائيليين. كان من الممكن التفريق بصورة أكبر بين مؤسَّسة أثرية تعمل ضمن مشروع استيطاني وبين دراسات فردية قد تقدم نتائج قابلة للاستخدام العلمي.

5. الحاجة إلى تحديث

صدر الكتاب سنة 2017، ولذلك لا يشمل التطورات اللاحقة، مثل الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية سنة 2019، ومشروعات التوسع الاستيطاني الجديدة، والتوغّلات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024. لكن هذا لا يضعف قيمته التاريخية؛ بل يجعل الحاجة قائمة إلى جزء مكمل.

سابع عشر: لماذا يبقى الكتاب ضروريًا اليوم؟

ازدادت أهمية الكتاب بعد التطورات التي شهدها جنوب سورية منذ نهاية 2024. فقد دخلت إسرائيل منطقة الفصل، وسيطرت على مواقع إضافية في جبل الشيخ والقنيطرة، ووسعت التوغّلات والاعتقالات وتجريف الأراضي. هذه الأحداث تعيد طرح السؤال الذي يمر في الكتاب كله: هل الاحتلال واقعة أمنية مؤقتة أم مشروع لتغيير الجغرافيا والذاكرة؟

يساعد «تاريخ الجولان المفصّل» على رؤية التوغّلات الراهنة في سياق أطول. فالسيطرة على قمة أو تل أو نبع ليست مجرد تحرك عسكري؛ إنها جزء من تاريخ ممتد للصراع على الطرق والمياه والحدود. كما أن تهجير قرية أو منع مزارع من أرضه يعيدان إلى الذاكرة ما حدث سنة 1967، حين تحول النزوح العسكري إلى اقتلاع دائم.

ويكشف الكتاب خطورة السماح للاحتلال بأن يكتب تاريخ المكان. فمن يملك الأرض ويجري الحفريات ويغير الأسماء ويصنع الخرائط يستطيع، بعد عقود، تقديم وجوده بوصفه طبيعيًا. لذلك لا تكون مقاومة الاحتلال عسكرية أو دبلوماسية فقط؛ إنها أيضًا حفظ أسماء القرى، ووثائق الملكية، وصور البيوت، وذاكرة العائلات، وتاريخ الآثار.

خاتمة

"تاريخ الجولان المفصّل" ليس كتابًا عن أرض بدأت قصتها سنة 1967، بل عن إقليم يمتد تاريخه من الأدوات الحجرية حول بركة رام إلى المدن الآرامية والهلنستية والرومانية، ومن الجابية الأموية إلى قلاع الأيوبيين والمماليك، ومن القنيطرة العثمانية وصحافتها المبكرة إلى مقاومة الفرنسيين، ثم إلى صدامات الحدود والاحتلال والتهجير والاستيطان.

يخرج القارئ من هذا العمل بصورة مغايرة للجولان. إنه ليس هضبة عسكرية صامتة، بل مجتمع ومدن وطرق وحقول وينابيع وديانات ولغات وآثار. لم يكن فراغًا بين دمشق وطبريا، بل صلة بينهما. ولم تكن القنيطرة مجرد مدينة مدمرة، بل مركزًا نما وعرف الصحافة والتجارة والإدارة والحياة الاجتماعية. ولم تكن القرى التي هُدمت نقاطًا صغيرة على خريطة؛ كانت لكل منها ذاكرة وأرض وعائلات ومقابر ومقامات ومدارس وبساتين.

قيمة الكتاب الكبرى أنه يعيد التاريخ إلى أصحابه. لا يفعل ذلك بإنكار التعدد أو اختراع نقاء قومي قديم، بل بإظهار أن التعدد نفسه عاش داخل جغرافيا سورية مترابطة. الآرامي والعربي والشركسي والتركماني والدرزي والفلاح والبدوي والجندي والتاجر والراهب والثائر، جميعهم أجزاء من تاريخ المكان.

كما يثبت الكتاب أنَّ الاحتلال الحديث لا يمكن فصله عن محاولة السيطرة على الماضي. هدم القرى، وتغيير الأسماء، وتوجيه الحفريات، والاستيلاء على المياه والأرض، وإقامة المستوطنات، كلها حلقات في مشروع واحد يسعى إلى تحويل الجولان من أرض سورية ذات مجتمع وذاكرة إلى «مرتفعات» إسرائيلية ذات تاريخ منتقى.

لكنَّ التاريخ الذي جمعه تيسير خلف يجعل هذه العملية ناقصة مهما طال الزمن. فالمكان الذي يحمل هذا العدد من الأسماء والوثائق والآثار لا يتحوّل بسهولة إلى صفحة بيضاء. تستطيع قوة الاحتلال هدم البناء، لكنها لا تستطيع إلغاء أن بانياس كانت مدينة كبيرة، وأن الجابية كانت مركزًا للخلافة، وأن القنيطرة أصدرت صحيفة مبكرة، وأن أكثر من مئة قرية كانت قائمة عشية الاحتلال، وأن المهجّرين ما زالوا يعرفون أسماء أراضيهم وبيوتهم.

لهذا لا تنحصر أهمية الكتاب في القارئ المتخصِّص. إنه مرجع للمجلة والصحفي والباحث والمؤرخ والمدرس والجولاني المهجر، وكتاب ضروري لكل من يريد فهم لماذا ظل الجولان، عبر العصور، موضع تنافس، ولماذا لا يمكن اختزال قضيته في مفاوضات حدودية أو ترتيبات أمنية.

لقد كتب تيسير خلف تاريخًا لإقليم حاول الاحتلال تحويله إلى جغرافيا بلا بشر، فاستعاد له البشر والزمن. وفي ذلك تكمن وظيفة الكتاب الأعمق: أن يجعل استعادة الجولان في الوعي سابقة على استعادته في السياسة؛ لأنَّ الأرض التي تُنسى أسماؤها وذاكرتها تصبح أكثر عرضة للفقد، أما الأرض التي يوثِّق أهلها تاريخها، فتظلُّ حاضرة حتى وهي محتلّة.


الهوامش

  1. تيسير خلف، تاريخ الجولان المفصّل، مركز حرمون للدراسات المعاصرة/مؤسَّسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، 2017، صفحة العنوان وبيانات النشر، ص 1–4. ^
  2. المرجع نفسه، المحتويات، ص 5؛ والتمهيد، ص 7–9. ^
  3. المرجع نفسه، ص 7–9. ^
  4. المرجع نفسه، ص 11–12. ^
  5. المرجع نفسه، ص 11–15. ^
  6. المرجع نفسه، ص 12–18. ^
  7. المرجع نفسه، ص 18–22. ^
  8. المرجع نفسه، الفصل الأول، ص 11–22. ^
  9. المرجع نفسه، ص 23–24. ^
  10. المرجع نفسه، ص 23–26. ^
  11. المرجع نفسه، الفصل الثاني، ص 23–26. ^
  12. المرجع نفسه، ص 27–28. ^
  13. المرجع نفسه، الفصل الثالث، ص 27–34. ^
  14. المرجع نفسه، ص 35–36. ^
  15. المرجع نفسه، ص 35–40. ^
  16. المرجع نفسه، ص 35–50. ^
  17. المرجع نفسه، ص 50–64؛ وانظر أيضًا نقد تفسير المواقع الأثرية، ص 349–351. ^
  18. المرجع نفسه، ص 349–353. ^
  19. المرجع نفسه، ص 65–67. ^
  20. المرجع نفسه، الفصل الخامس، ص 65–72. ^
  21. المرجع نفسه، ص 73–74. ^
  22. المرجع نفسه، ص 73–80. ^
  23. المرجع نفسه، الفصل السادس، ص 73–136. ^
  24. المرجع نفسه، ص 137–139. ^
  25. المرجع نفسه، الفصل السابع، ص 137–170. ^
  26. المرجع نفسه، ص 171–172. ^
  27. المرجع نفسه، ص 171–176. ^
  28. المرجع نفسه، الفصل الثامن، ص 171–266، ولا سيَّما الأقسام المتعلقة بالقبائل والتوطين الشركسي. ^
  29. المرجع نفسه، ص 220–266. ^
  30. المرجع نفسه، ص 267–268. ^
  31. المرجع نفسه، ص 267–270. ^
  32. المرجع نفسه، الفصل التاسع، ص 267–284. ^
  33. المرجع نفسه، ص 285–286. ^
  34. المرجع نفسه، الفصل العاشر، ص 285–310. ^
  35. المرجع نفسه، ص 311–312. ^
  36. المرجع نفسه، ص 311–320. ^
  37. المرجع نفسه، ص 318–322. ^
  38. المرجع نفسه، ص 322–330. ^
  39. المرجع نفسه، ص 330–334. ^
  40. المرجع نفسه، ص 338–341. ^
  41. المرجع نفسه، ص 340–342. ^
  42. المرجع نفسه، ص 342–348. ويعرض الكتاب احتلال الجولان والتهجير ضمن نهاية الفصل الحادي عشر. ^
  43. المرجع نفسه، المواضع المتعلقة بحرب 1967 والتهجير، ص 342–348. ^
  44. المرجع نفسه، ص 342–348. ^
  45. المرجع نفسه، ص 344–348. ^
  46. المرجع نفسه، خاتمة الفصل الحادي عشر، ص 345–348. ^
  47. المرجع نفسه، «جولة أثرية»، ص 349–466. ^
  48. المرجع نفسه، ص 349–351. ^
  49. المرجع نفسه، ص 353–408. ^
  50. المرجع نفسه، القسم المتعلق ببانياس، ص 409–424. ^
  51. المرجع نفسه، ص 420–424. ^
  52. المرجع نفسه، الأقسام المتعلقة بقلعة الصبيبة، ضمن ص 409–438. ^
  53. المرجع نفسه، القسم المتعلق بالحمّة، ص 439–446. ^
  54. المرجع نفسه، ص 447–466. ^
  55. المرجع نفسه، ص 467–478. ^