الجنوب السوري تحت التوغل الإسرائيلي
تحميل المقال (PDF)منذ الساعات الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، دخل الجنوب السوري مرحلة جديدة لم تقتصر على الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت المطارات ومخازن السلاح والمواقع العسكرية في أنحاء البلاد، بل تمثَّلت أيضًا في عبور القوات الإسرائيلية خطّ وقف إطلاق النار، والسيطرة على المنطقة الفاصلة التي تراقبها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك «أندوف»، والتقدّم إلى مواقع إضافية في محافظة القنيطرة وريف درعا الغربي ومنطقة جبل الشيخ وبيت جن في ريف دمشق الغربي. وما قُدِّم إسرائيليًا في البداية بوصفه إجراءً دفاعيًا ومؤقتًا تحول، خلال الأشهر التالية، إلى وجود عسكري ممتد، وقواعد وتحصينات، ودوريات شبه يومية، وحواجز، ومداهمات واعتقالات وعمليات هدم وتجريف مست الممتلكات المدنية ومصادر رزق السكان.
يقدِّم هذا النص خلاصة الانتهاكات الموثّقة حتى 30 تموز/ يوليو 2026، استنادًا إلى تقارير الأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، والشبكة السورية لحقوق الإنسان، والمرصد السوري لحقوق الإنسان، ومركز «سِجِل»، إضافة إلى تقارير ميدانية وإخبارية عن الوقائع الأحدث. ولا توجد حتى الآن قاعدة بيانات رسمية موحدة تجمع جميع الانتهاكات لحظة بلحظة؛ إذ تختلف الجهات في تعريف «التوغّل» وفي طريقة عدّ الدوريات المتكررة، كما تختلف تواريخ إغلاق قواعد بياناتها. لذلك تمثل الأرقام الواردة حدودًا دنيا موثقة في تواريخ محددة، ولا يجوز جمع حصائل الجهات المختلفة آليًا خشية التكرار أو اختلاف النطاق الجغرافي والمنهجي.
من المنطقة الفاصلة إلى واقع احتلالي جديد
في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 عبرت القوات الإسرائيلية من الجولان السوري المحتل إلى بلدات وقرى واقعة داخل منطقة الفصل الأممية، ونفّذت مداهمات وأمرت عائلات بمغادرة منازلها. ثم أنشأت، خلال فترة قصيرة، سلسلة مواقع عسكرية تمتد من جبل الشيخ، مرورًا بمنطقة القنيطرة، وصولًا إلى أجزاء من ريف درعا الغربي. وقد حدّدت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تسعة مواقع أو قواعد عسكرية أُنشئت منذ ذلك التاريخ في القنيطرة ودرعا.
لم يعد الوجود الإسرائيلي مقتصرًا على المنطقة الفاصلة التي حددها اتّفاق عام 1974؛ فقد دخلت الدوريات إلى قرى وأراضٍ تقع شرقي خط وقف إطلاق النار، وأعلنت إسرائيل رغبتها في «نزع السلاح» من جنوب سورية. وفي نيسان/ أبريل 2026 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي قيام ما سماه «منطقة أمنية عازلة» وحدد حدودًا لها تحت اسم «الخط الأصفر»، شملت، وفق منظمة العفو الدولية، مناطق سورية هُدمت فيها منازل مدنيين. وهذا توصيف إسرائيلي أحادي لا يغيّر الوضع القانوني للأرض السورية ولا يمنح إسرائيل حق ضمها أو السيطرة الدائمة عليها.
تقول إسرائيل إنَّ وجودها وعملياتها ضروريان لمنع تمركز حزب الله أو مجموعات مرتبطة بإيران، ومنع وقوع أسلحة استراتيجية في أيدي جهات معادية، وحماية حدودها وسكانها، كما استخدمت أحيانًا شعار حماية الطائفة الدرزية. غير أنَّ هذه الذرائع العامة لم تقترن بإثبات ضرورة عسكرية لكل عملية على حدة، ولا تمنح دولة حق السيطرة المفتوحة على أراضي دولة أخرى أو هدم ممتلكات المدنيين. وخلصت منظمات حقوقية إلى أنَّ نمط العمليات تجاوز تدابير أمنية حدودية مؤقَّتة، وتحول إلى احتلال فعلي لأجزاء إضافية من الجنوب السوري، ترافق مع إعلان نيات بالبقاء وفرض قيود طويلة الأمد على السكان.
حجم التوغّلات: مئات الوقائع بلا حصيلة نهائية موحدة
أحدث رقم تراكمي واضح نشره المرصد السوري لحقوق الإنسان حتى منتصف تموز/ يوليو هو 879 توغّلًا ميدانيًا وجويًا بين 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 و14 تموز/ يوليو 2026؛ منها 14 توغّلًا خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2024، و460 خلال عام 2025، قبل أن تتحول التحركات في عام 2026 إلى نشاط شبه يومي. غير أنَّ هذا الرقم لا يمثل الحصيلة النهائية حتى 30 تموز/ يوليو، لأنَّ عمليات جديدة وقعت بعد تاريخ إغلاق الإحصاء.
في المقابل، أوردت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية تقارير تتحدّث عن أكثر من 900 توغّل بري في القنيطرة ضمن الفترة التي تناولها تقريرها الصادر في آذار/ مارس 2026. ولا يمكن مقارنة الرقمين مباشرة، لأنَّ أحدهما يجمع التوغّلات الميدانية والجوية في نطاق زمني ومنهجي معين، فيما قد تعد مصادر أخرى كل دخول أو دورية أو نقطة انتشار واقعة مستقلة. والخلاصة الأدق أن التوغّلات بلغت مئات الوقائع، من دون توافر مجموع رسمي موحّد يمكن نسبته إلى الفترة الممتدة حتى 30 تموز/ يوليو 2026.
ولم تكن هذه التوغّلات مجرد عبور آليات في طرق حدودية، بل شملت دخول دبابات ومدرعات إلى أحياء سكنية، وإقامة حواجز لتفتيش المارة والسيارات، واستجواب رعاة ومزارعين، واقتحام المنازل وتفتيشها، واحتجاز أشخاص لساعات أو نقلهم إلى مواقع عسكرية أو إلى داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل. كما تضمّنت فتح طرق عسكرية وتجريف أراضٍ وإقامة سواتر ونقاط مراقبة. وفي حالات متعدِّدة حاول الأهالي منع تقدّم الآليات بالحجارة أو بالتجمعات المدنية، فردّت القوات بإطلاق النار أو التهديد أو الاعتقال.
القتل والإصابة واستخدام القوة
لا تتوافر حتى الآن حصيلة حقوقية موحدة لجميع المدنيين الذين قتلوا أو جرحوا منذ 8 كانون الأول 2024 حتى 30 تموز/ يوليو 2026.وكان مركز «سِجِل» قد أعلن في مطلع أيار/ مايو 2026 توثيق مقتل 36 مدنيًا خلال التوغّلات والاعتداءات الإسرائيلية منذ سقوط النظام السابق، إلَّا أنَّ هذا الرقم أُغلق قبل أحداث لاحقة، ولا يصح تقديمه بوصفه حصيلة نهائية حتى نهاية تموز/ يوليو.
اتّخذ استخدام القوة القاتلة أشكالًا متعددة، منها الغارات بالطائرات المسيّرة، والقصف المدفعي ونيران الدبابات، وإطلاق النار خلال الاقتحامات. ففي 15 كانون الثاني/ يناير 2025 قُتل ثلاثة أشخاص وأصيب آخرون في ضربة إسرائيلية في غدير البستان بمحافظة القنيطرة.
وفي 25 آذار/ مارس 2025 قُتل ستة من أهالي قرية كويا في حوض اليرموك بريف درعا الغربي وأصيب سبعة على الأقل، بينهم امرأة، بعد دخول قوة إسرائيلية واندلاع مواجهة مع السكان. وقال الجيش الإسرائيلي إنَّ قواته تعرضت لإطلاق نار، بينما قالت السلطات السورية إن القتلى مدنيون. وتحدّث المرصد السوري عن حصيلة أعلى، ما يوضح ضرورة نسب كل رقم إلى مصدره.
وفي 3 نيسان/ أبريل قتلت ضربة بطائرة مسيّرة تسعة أشخاص من مدينة نوى وأصابت خمسة عشر آخرين قرب أحراش سد الجبيلية، وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان. ووصفت الشبكة القتلى بأنَّهم مدنيون كانوا يحمل بعضهم أسلحة خفيفة، بينما قالت إسرائيل إنها استهدفت مسلحين. وتكشف الواقعة صعوبة الفصل الإحصائي أحيانًا بين المدني والمقاتل في البيانات المتعارضة، لكنَّها لا تلغي واجب التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
وكانت عملية بيت جن في ريف دمشق الغربي، يوم 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، من أكثر الوقائع دموية. فقد قُتل ما لا يقل عن 13 شخصًا، بينهم نساء وأطفال بحسب مسؤولين وسكان سوريين، خلال مداهمة تحولت إلى اشتباك وقصف. وقال الجيش الإسرائيلي إنَّ هدف العملية اعتقال مشتبه في ارتباطهم بـ«الجماعة الإسلامية»، وإنَّ جنوده تعرضوا لإطلاق نار أدى إلى إصابة ستة منهم. وتظهر الواقعة خطورة تنفيذ عمليات اعتقال عسكرية داخل تجمعات مأهولة، ثم استخدام نيران كثيفة عند وقوع مقاومة، بما يضاعف الأخطار على العائلات والمنازل وفرق الإنقاذ.
الاعتقال والاحتجاز والنقل إلى إسرائيل
الاعتقال أحد أكثر أنماط الانتهاك تكرارًا وغموضًا. فبحسب أحدث حصيلة تراكمية منسوبة إلى مركز «سِجِل» في تقريره عن حزيران/ يونيو 2026، بلغ عدد السوريّين الذين احتجزتهم القوات الإسرائيلية منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 حوالى 227 شخصًا على الأقل، وكان نحو 47 منهم ما يزالون في الاحتجاز أو في حكم المختفين عند إعداد التقرير. وهذه الحصيلة أحدث من رقم 197 معتقلًا و45 باقين في الاحتجاز الذي نُشر في مطلع أيار/ مايو، ما يبين أنَّ الأرقام تتغيّر مع استمرار الاعتقالات والإفراجات.
ينبغي إبقاء تاريخ كل حصيلة إلى جانبها، لأنَّ بعض المحتجزين أطلق سراحهم بعد ساعات أو أيام، ولأن الشخص نفسه قد يتعرض للاحتجاز أكثر من مرة. ولذلك فإن عبارة «حالات الاعتقال والاحتجاز الموثّقة» أدق من عبارة «عدد المعتقلين الحالي»، ما لم تتوافر قائمة اسمية حديثة تبين وضع كل شخص.
ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بصورة مستقلة، 61 حالة اعتقال واحتجاز نفذتها القوات الإسرائيلية خلال النصف الأول من عام 2026، بينهم 12 طفلًا، كما وثقت الإفراج عن 29 محتجزًا، بينهم ثلاثة أطفال. ولا يجوز إضافة 61 إلى 227، لأن الفترتين متداخلتان ولأنَّ الجهتين قد تسجِّلان الأشخاص أو الوقائع وفق منهجيّتين مختلفتين.
وتفيد شهادات جمعتها هيومن رايتس ووتش بأنَّ القوات الإسرائيلية احتجزت سوريين تعسفيًا ونقلت بعضهم إلى إسرائيل، بينما حُرم أفراد من معرفة مكان أقاربهم أو الأساس القانوني لاحتجازهم. وشملت الوقائع أطفالًا ورعاة ومزارعين وسكانًا أوقفوا عند حواجز أو خلال تفتيش المنازل. ويمثِّل نقل الأشخاص من أرض محتلة إلى داخل دولة الاحتلال مسألة قانونية خطيرة، كما أنَّ الاحتجاز من دون إعلان التهمة أو المكان أو إتاحة الاتصال بالعائلة والمراجعة القضائية يندرج في نطاق الحرمان التعسفي من الحرية، وقد يقترب من الاختفاء القسري عندما ترفض السلطات الكشف عن المصير والمكان.
هدم المنازل والتهجير القسري
يمثِّل ملفّ الهدم أحد أكثر أقسام الانتهاكات قابلية للتحقق البصري. فقد أثبت تحقيق لمنظمة العفو الدولية، اعتمد على مقابلات وصور ومقاطع مرئية وتحليل صور الأقمار الصناعية، أن القوات الإسرائيلية دمرت أو ألحقت الضرر بما لا يقل عن 23 منشأة مدنية في ثلاث قرى من محافظة القنيطرة خلال الأشهر الستة التالية لدخولها، فيما أفاد شهود بتدمير منزلين إضافيين على الأقل لم تتمكن المنظمة من التحقق منهما بالوسائل نفسها.
ومن الضروري استخدام تعبير «23 منشأة مدنية مدمّرة أو متضرِّرة»، لا «23 منزلًا مهدّمًا»، لأنَّ الحصيلة تشمل درجات مختلفة من الضرر، ولا تثبت أنَّ كل بنية كانت منزلًا دُمر بالكامل. كما لا ينبغي جمع المنزلين الواردين في الشهادات مع الحصيلة المثبتة بالأقمار الصناعية من دون توضيح اختلاف مستوى التحقق.
وثَّقت المنظمة عمليات هدم في الحميدية ورسم الرواضي والرفيد. ففي الحميدية أُمرت عائلات بالمغادرة، ثم أظهرت صور الأقمار الصناعية إزالة مبانٍ وجدران قرب قاعدة عسكرية جديدة. وفي رسم الرواضي جُمع السكان داخل مدرسة واحتُجزوا لساعات قبل إبلاغهم بمغادرة القرية، ثم عاد بعضهم لاحقًا ليجد منازل متضرِّرة أو مهدمة وأشجارًا وأراضي زراعية مجرفة. وفي الرفيد وثقت صور الأقمار الصناعية تدمير ست منشآت، إضافة إلى شهادات عن اقتلاع أشجار وإتلاف الأرض المحيطة. وأكّدت منظمة العفو أنها لم تجد مؤشرات على وجود أعمال قتالية مباشرة قبل عمليات الهدم أو خلالها أو بعدها، ما يضعف ادعاء الضرورة العسكرية الملحة.
كما وثّقت هيومن رايتس ووتش الاستيلاء على بيوت، ومنع السكان من الوصول إلى ممتلكاتهم وأراضيهم ومصادر رزقهم، وتهجير عائلات من قرى واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية. ولم تنشر جهة موثوقة حصيلة إجمالية نهائية للمهجرين حتى 30 تموز/ يوليو 2026؛ ولذلك لا يجوز اعتماد الأرقام الكبيرة التي ظهرت في بعض المنشورات واللوحات من دون مصدر. والثابت هو وقوع تهجير قسري موثق لعائلات، من دون توفير سكن بديل مناسب أو تعويض واضح أو جدول زمني مضمون للعودة.
استهداف الأرض والحركة اليومية
لم تقتصر الخسائر على البيوت. فقد مُنع مزارعون من الوصول إلى أراضيهم، ولا سيَّما قرب المواقع العسكرية والطرق التي تستخدمها الدوريات، وتضررت بساتين وحدائق وأشجار وأراضٍ زراعية بفعل التجريف وفتح المسالك والقصف. وفي جباتا الخشب وثّقت هيومن رايتس ووتش منع السكان من الوصول إلى أراضيهم الزراعية. وتؤدّي الحواجز المتنقلة واستجواب الرعاة وتقييد الحركة إلى خسارة مواسم زراعية وإضعاف اقتصاد ريفي يعتمد على الأرض والثروة الحيوانية، حتى عندما لا يقع هدم مباشر.
غير أنَّ الأرقام المتداولة عن مساحة الأراضي المجرفة، وعدد الحواجز والتحصينات، لا تزال متباينة، ولا تتوافر بشأنها قاعدة شاملة يمكن اعتمادها. والرقم الأكثر ثباتًا هو تحديد تسعة مواقع أو قواعد عسكرية جديدة من جانب منظمتين حقوقيتين، أما النقاط المؤقَّتة والسواتر والطرق العسكرية فتحتاج إلى مسح جغرافي مستقل قبل تحويلها إلى إحصاء تراكمي نهائي.
استمرار الانتهاكات حتى أواخر تموز/ يوليو 2026
لم يتوقّف النشاط بعد نشر حصيلة 879 توغّلًا في 14 تموز/ يوليو. ففي 22 تموز/ يوليو دخلت ثلاث آليات منطقة سد المنطرة في ريف القنيطرة، وبقيت فترة قصيرة قبل الانسحاب. وفي 24 تموز/ يوليو دخلت قوة من خمس آليات، بينها دبابتان، منطقة تل الدريات قرب قرية المعلقة، بعد تحرك إسرائيلي سابق في وادي الرقاد بريف درعا الغربي.
وفي 27 تموز/ يوليو 2026 نُفِّذت مداهمات في ريفي القنيطرة ودرعا؛ إذ دخلت آليات إلى الصمدانية الغربية، ودوهم منزل واحتُجز أحد السكان، كما تحركت قوات نحو معرية والعريضة في حوض اليرموك، وأُقيم حاجز ووزِّعت منشورات تحذِّر السكان من عرقلة حركة الآليات. وتؤكِّد هذه الوقائع أنَّ الرقم المغلق في منتصف الشهر أصبح أدنى من الواقع بحلول 30 تموز/ يوليو، من دون أن يسمح ذلك باختراع مجموع جديد.
ظهور بُعد استيطاني مقلِق
برز في تموز/ يوليو 2026 تطور جديد تمثَّل بتكرار محاولات مجموعات استيطانية إسرائيلية مدنية التسلل إلى الأراضي السورية. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أنَّ مجموعة هامشية تسمى «رواد الباشان» نفذت محاولات متكررة لإقامة بؤرة استيطانية، وأن الجيش الإسرائيلي أعاد أفرادها ومنعهم حتى الآن من إنشاء موقع ثابت.
وهذا يعني أنَّه لا توجد، وفق المعلومات المتاحة حتى 30 تموز/ يوليو، مستوطنة مدنية إسرائيلية أُنشئت فعليًا في الأراضي التي احتُلت بعد كانون الأول 2024. لكن تكرّر المحاولات، وظهور ناشطين إسرائيليين على أطراف حضر في محافظة القنيطرة، وعلاقات المجموعة مع وزراء وشخصيات من اليمين الإسرائيلي، مؤشرات تستوجب الرصد، خصوصًا في ظل التوسع الاستيطاني الرسمي المستمر في الجولان السوري المحتل منذ عام 1967.
التكييف القانوني والموقف الدولي
أنشأ اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 منطقة فصل تشرف عليها «أندوف»، ولا يمنح أي طرف حق الاستيلاء الدائم عليها أو التوسع خارجها. وقد دعت الأمم المتحدة مرارًا إلى احترام سيادة سورية ووحدة أراضيها والعودة إلى الالتزام بالاتفاق. وفي جلسة لمجلس الأمن في تموز/ يوليو 2026، أشار مسؤول أممي إلى مقتل شخصين شرق خط وقف إطلاق النار والتوغّل في عابدين، وإلى شكاوى سكان حضر من المداهمات والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي الزراعية، مؤكدًا أن الأنشطة الإسرائيلية خلف خط ّعام 1974 تنتهك سيادة سورية وتزيد التوتر وتضر بالحياة اليومية للمدنيين.
وبموجب قانون الاحتلال واتفاقية جنيف الرابعة، لا يجوز تدمير الممتلكات الخاصة إلا عندما تفرض العمليات العسكرية ذلك بصورة مطلقة، ويحظر النقل القسري للسكان والنقل غير المشروع للمحتجزين. ورأت منظمة العفو الدولية أنَّ عمليات هدم الممتلكات المدنية التي حقّقت فيها ينبغي أن تُبحث بوصفها جرائم حرب، وطالبت بجبر ضرر الضحايا. كما عدَّت هيومن رايتس ووتش أنَّ التهجير القسري الذي وثّقته يشكِّل جريمة حرب. وهذه توصيفات قانونية صادرة عن منظمات حقوقية متخصِّصة وليست أحكامًا قضائية نهائية، لكنّها تستند إلى مقابلات وأدلة مرئية وصور أقمار صناعية.
وفي الختام
تكشف الوقائع، حتى 30 تموز/ يوليو 2026، نمطًا متكاملًا لا سلسلة حوادث معزولة: احتلال مواقع جديدة، ومئات التوغّلات، وإنشاء قواعد عسكرية، ومداهمات وحواجز، وقتل وإصابات، ومئات حالات الاحتجاز، ونقل معتقلين إلى إسرائيل، وهدم منشآت مدنية وتهجير عائلات، ومنع الوصول إلى الأرض والإضرار بالزراعة، مع استمرار الغارات وظهور محاولات استيطانية مدنية في ظل الاحتلال العسكري.
أما الأرقام الأكثر دقة فهي:
879 توغّلًا ميدانيًا وجويًا وفق المرصد السوري حتى 14 تموز/ يوليو 2026، مع التأكيد أنَّ العمليات استمرّت بعد هذا التاريخ؛ و227 حالة احتجاز على الأقل وفق أحدث حصيلة منسوبة إلى مركز «سِجِل» حتى حزيران، مع بقاء نحو 47 شخصًا في الاحتجاز أو الاختفاء عند إعدادها؛ و61 حالة احتجاز إسرائيلية وثّقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان خلال النصف الأول من عام 2026، بينها 12 طفلًا، وهي حصيلة مستقلة لا تضاف إلى الرقم السابق؛ و23 منشأة مدنية مدمّرة أو متضرِّرة ثبتت بالأقمار الصناعية، إضافة إلى منزلين ورد تدميرهما في شهادات لم تتمكن منظمة العفو الدولية من التحقّق منهما بصريًا.
إنَّ الدفاع عن حقوق أبناء الجولان والجنوب السوري لا يتحقّق بتضخيم الحصائل أو تحويل الأرقام الجزئية إلى مجاميع نهائية، بل بتوثيق متين يمِّيز بين عدد الأشخاص وعدد حالات الاعتقال، وبين المنزل والمنشأة المدنية، وبين الواقعة المثبتة والشهادة التي ما تزال في حاجة إلى تحقق؛ توثيق لا يترك ثغرة يمكن استخدامها للطعن في حقيقة الاحتلال والانتهاكات الواقعة على الأرض السورية.

