الجولان المحتل يواجه وحوش الهواء المعدنية
تحميل المقال (PDF)واجه الجولان السوري، بعد احتلاله من إسرائيل، سلسلة من التحديات التي فرضتها التحولات السياسية والتاريخية التي مرّ بها؛ بدءًا من فصله عن وطنه الأم سورية، وما رافق ذلك من أسئلة وجودية، مرورًا بمواجهة مشاريع إسرائيلية استهدفت هويته وانتماء أهله وتعريفهم لذواتهم، وصولًا إلى التهديدات المباشرة وغير المباشرة التي طالت مقومات حياتهم وبنيتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وفي هذا السياق، ينظر الجولانيّون إلى مشروع مزارع الرياح، أو ما يسميه أغلبهم بـ«الوحوش المعدنية»، بوصفه تهديدًا يستهدف وجودهم كجماعة بشرية متمايزة، وبنيانهم الاجتماعي والسياسي، إذ يحوّلهم إلى متلقين لأنماط إنتاج دخيلة، ويدمر طريقتهم الطبيعية في التطور المعيشي؛ ففي الجولان السوري المحتل، لا تُقاس المشاريع الكبرى بما تعود به من قيمة اقتصادية، أو منفعة مادية، بل بما تتركه من أثر في الأرض التي لا تزال تشكل محور الهُويّة والذاكرة والانتماء.
وصف المشروع
بحسب ناشطين حقوقيين في الجولان المحتل، بدأت فكرة مشروع «مزارع الرياح» عام 2008، وفي عام 2013 وضع الاحتلال خطته التي تقضي بإنشاء 25 مروحة لتوليد الطاقة البديلة. يمتد هذا المشروع على مساحة تُقدَّر بـ 4000 دونم من الأراضي الممتدة شمالي الجولان المحتل، منها 3000 دونم على الأقل مصنّفة كأراض زراعية، ومعظمها مزروع بأشجار التفاح والكرز. هذا عدا عن المساحة التي يحتاج إليها المشروع، من طرقات، ومنشآت صيانة خاصة به.
ادعى الاحتلال أن مشروع المراوح هو مشروع اقتصادي اعتيادي؛ إذ قُدِّم للمزارعين بوصفه اتّفاقًا اقتصاديًا يقوم على استئجار أجزاء من الأراضي الخاصة لإقامة مراوح الرياح مقابل عائد مالي سنوي، مع الإبقاء على إمكانية استثمار الأرض زراعيًا كما كانت سابقًا.
بدأ المشروع، في صورته الأولية، متوافقًا مع التوجه العالمي نحو الطاقة المتجددة، والبحث عن مصادر أكثر استدامة للطاقة،
غير أن هذا التصور بدأ يتأكّل تدريجًا مع انكشاف مزيد من التفاصيل المتعلقة بالمشروع. فبحسب معارضين له، فإن العرض الذي قُدِّم للأهالي ركّز على المنافع الاقتصادية المباشرة، في حين لم يكن حجم المشروع الكامل وآثاره بعيدة المدى واضحين بالقدر نفسه. كما أن عملية التعاقد جرت، في كثير من الحالات، بعيدًا من النقاش العام، وتضمنت بعض العقود بنودًا تحدُّ من إمكانية مشاركة مضمونها مع أطراف أخرى.
وبحسب أحد شهود مجلة الجولان، فإنَّ الجولانيّين تعرّضوا لنوع من التمييز في طريقة تعامل الشركة معهم. ويظهر ذلك في الفارق الكبير بين المقابل المالي الذي عُرض عليهم، وما عُرض على إسرائيليين يهود في مشاريع مشابهة، مثل المشروع الذي أُقيم في عين هشوفيط. عزز ذلك لدى بعضهم الشعور بأن الشركة تعاملت معهم من منطلق نظرة عنصرية تقلل من قيمة الأرض، ومن قدرة أصحابها على إدراك حجم الأرباح الحقيقية للمشروع، إذ إن المشروع لن يدفع لأصحاب الأراضي من سوريي الجولان سوى نحو واحد في المئة من أرباحه.
وعن الآلية التي اتبعتها الشركة لتوطين مشروعها، حدّث مجلة الجولان شاهدٌ التقت به أن الشركة لم تعتمد على التفاوض المباشر مع أصحاب الأراضي، بل سعت إلى بناء شبكة من العلاقات والتأثيرات داخل المجتمع الجولاني. وأشار الشاهد إلى محاولات لاستمالة شخصيات محلية وقيادات دينية، وإلى توظيف شخصيات درزية في واجهة المشروع، الأمر الذي فُسِّر لدى بعض المعارضين بوصفه محاولة لكسب الشرعية المجتمعية، وتخفيف حدة الاعتراضات عليه.
يمكن فهم هذه الممارسات في ضوء الاعتماد على شخصيات تنتمي إلى الجماعة المحلية لإضفاء قدر من الثقة والألفة على المشروع، وتقليص مشاعر التهديد المرتبطة به، وهي آلية معروفة في سياقات مختلفة تُستخدم فيها النخب، أو الوسطاء المحليون، لتسهيل تمرير سياسات أو مشاريع مثيرة للجدل.
وأشار شاهد آخر إلى أنَّه في عام 2020 حددت شركة الطاقة الإسرائيلية «إنرجكس» منطقة المشروع، ورسمت الموقع، ووضعت اللافتات. وفي حزيران/ يونيو 2020، حددت شركة الرياح الإسرائيلية، عبر إشعار تلقاه المزارعون، الأراضي المزمع مصادرتها، وأعلنت عزمها دخولها والبدء في إجراءات المصادرة.
آثار المشروع على الاقتصاد والبيئة والهُويّة
يعتمد الجولانيّون بصورة كبيرة على الزراعة في معيشتهم، إذ تتميز أراضيهم بخصوبتها ووفرة إنتاجها، ويُعدّ استملاك ثلاثة آلاف دونم من هذه الأراضي بمنزلة كارثة بالنسبة إلى السكان. هذا عدا عن الأخطار البيئية المترتبة على مشروع المراوح؛ فقد عدّ خبراء في البيئة هذا المشروع كارثيًا على الحياة البرية النباتية والحيوانية، لما تسببه هذه المراوح من ضجيج دائم وموجات تحت صوتية، إضافة إلى التوسع العمراني المرتبط بالمشروع، والذي سيؤثر سلبًا في الحياة البرية والبيئة والحقول المجاورة، وحتمًا في السكان أيضًا.
وفضلًا عن ذلك، سيحدّ المشروع من توسع القرى التي يستهدفها ويحاصرها. فقرية مجدل شمس، على سبيل المثال، سيحدّها المشروع من الجنوب، وهي الجهة الوحيدة التي تستطيع القرية التوسع فيها، إذ تشغل الجهات الأخرى إما حقول الألغام، أو خط وقف إطلاق النار، أو المستوطنات.
كما يرى كثير من الجولانيّين أن مشروع المراوح يستهدف وجودهم وهويتهم وأرضهم، ويربطونه بمشاريع الأسرلة والتجنيد، ومحاولات طمس ثقافة المجتمع وعاداته الاجتماعية. كما ربط أحد شهودنا بين هذه الأخطار جميعها، وعدّها جزءًا من سياسة ممنهجة تستهدف هُويّة الجولانيّين، إذ قال:
«مشروع المراوح، أو "الوحوش المعدنية"، لا يمثل التهديد الوحيد الذي يواجه المجتمع الجولاني في الوقت الراهن. هنالك قضايا أخرى لا تقل أهمية، مثل الأسرلة والتجنيد والتحولات الثقافية والاجتماعية، وما يرافقها من تهديد للهُويّة والانتماء. إلَّا أنَّ مشروع المراوح اكتسب مكانة استثنائية بين هذه القضايا، لكونه ارتبط، بالنسبة إلى كثير من الجولانيّين، بتهديد مباشر للأرض».
ويرى الشاهد أن «هذا البعد تحديدًا ساهم في حشد قطاعات واسعة من المجتمع حول موقف رافض للمشروع، إذ إن الأرض لا تزال تشكل قيمة مركزية تحظى بإجماع واسع نسبيًا، بخلاف بعض القضايا الأخرى التي تتّسم بدرجة أكبر من التعقيد، أو الخلاف، داخل المجتمع».
مقاومة المشروع
احتلّت قضية المراوح في الجولان السوري المحتل، خلال السنوات الأخيرة، مكانة مركزية في الفضاء العام الجولاني، وأضحت حاضرة في النقاشات والمجالس بوصفها حدثًا يهدد الوجود والهُويّة، بعد أن حافظ الجولانيّون على هذا الوجود منذ عام 1967، ولم يبقَ من سكان الجولان السوري المحتل إلا سكان خمس قرى.
وبناءً على ذلك، لا يفصل الجولانيّون هذا المشروع عن السياق التاريخي والسياسي الذي رافق الاحتلال الإسرائيلي للجولان منذ بدايته. وفي هذا الإطار يقول أحد شهودنا:
«يبدو المشروع، للوهلة الأولى، مشروعًا بيئيًا ينسجم مع الحاجة العالمية إلى مصادر طاقة أكثر استدامة، وإلى الحد من الأضرار البيئية التي تسببها أنماط إنتاج الطاقة التقليدية. لكن لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخه السياسي، ولا عن الصراع المستمر حول الأرض والسيادة والهُويّة».
وفي السياق نفسه، يربط الشاهد بين مشروع المراوح وسلسلة من المشاريع التي رُفعت عبر العقود بعناوين بيئية أو زراعية، بدءًا من مشاريع التشجير الواسعة وصولًا إلى مشاريع «استصلاح الأرض»، حيث قُدمت أرض الجولان في السردية الصهيونية بوصفها أرضًا مهملة تنتظر من يحييها ويجعلها تزهر.
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة المهتمين بمتابعة تفاصيل المشروع، وبدأ الجدل يتجاوز حدود العقود الفردية والعوائد المالية. فبالنسبة إلى كثيرين، لم تعد القضية تقتصر على إقامة مراوح رياح في أراضٍ زراعية، بل أصبحت تتعلق بطبيعة التغييرات التي قد يفرضها المشروع على الحيّز الجغرافي والاجتماعي في المنطقة.
وخلال سنوات المواجهة، انخرط الأهالي والناشطون في متابعة الجوانب القانونية والبيئية والصحية المرتبطة بالمشروع، واستعانوا بخبراء ومتخصِّصين لدراسة آثاره المحتملة. ويرى كثيرون أن هذه التجربة كشفت حجم الوعي الذي أظهره المجتمع المحلي، ودحضت التصورات النمطية التي افترضت أن الجولانيّين سيتعاملون مع المشروع من زاوية العائد المالي فحسب، من دون مساءلة، أو تدقيق، في تبعاته الأوسع.
وهو ما حصل بالتدريج مع انكشاف مزيد من التفاصيل المتعلقة بالمشروع وسياقه الأوسع، واتضح لقطاع أوسع من الجولانيّين أنهم ليسوا إزاء مشروع اقتصادي، أو بيئي، وأن الخلاف أوسع من أن يكون حول جدواه وآثاره المباشرة على الأرض.
وقد ربط بعض معارضي مشروع المراوح بينه وبين سياسات أوسع تتعلق بمستقبل الجولان. ويستشهدون، من بين أمور أخرى، بالاجتماع الحكومي الذي عُقد في مستوطنة خسفين عام 2016، في خطوة عُدّت آنذاك ذات دلالات سياسية ورمزية خاصة، ولا سيما مع اختيار تاريخ 17 نيسان/ أبريل، وهو تاريخ يحمل رمزية خاصة في الذاكرة الوطنية السورية.
وقد أُقرت في ذلك الاجتماع تصريحات وخطط حكومية تحدثت عن زيادة أعداد المستوطنين في الجولان خلال العقود المقبلة، من خلال تطوير البنى التحتية، وإقامة مشاريع سكنية جديدة. وبالنسبة إلى كثير من الجولانيّين، لا يمكن قراءة مشروع المراوح بمعزل عن هذا السياق الأوسع، إذ يُنظر إليه بوصفه جزءًا من سياسات تهدف إلى تعزيز الوجود الاستيطاني وترسيخه في المنطقة، ولا سيما بعد تصنيفه ضمن مشاريع ذات أهمية قومية، وهو ما يمنح الجهات الرسمية صلاحيات أوسع في التعامل مع الأراضي اللازمة لتنفيذه.
وعلى الرغم من أنَّ الناشطين في الجولان يواصلون مساعيهم الحثيثة لوقف المشروع ومنع تنفيذه، فإن كثيرًا منهم يدركون حجم الفجوة في موازين القوى بينهم وبين دولة الاحتلال والشركة المنفذة. ولذلك لا يستبعد بعضهم أن يُفرض المشروع في نهاية المطاف، على الرغم من سنوات من المسارات القانونية للاعتراض عليه، والحملات الشعبية التي وصلت أحيانًا إلى حدود المواجهة المباشرة، إذا لم تكن هناك مشاركة في مواجهته القانونية والشعبية من بقية السوريّين.
ويرى أحد شهودنا أن "الأثر الأهم الذي خلّفه هذا الصراع لا يرتبط فقط بمصير المشروع نفسه، بل بما أحدثه داخل المجتمع الجولاني. فخلال سنوات المواجهة، راكمت شرائح واسعة من المجتمع خبرة سياسية وقانونية، ومعرفة أعمق بقضايا الأرض والتخطيط والحقوق الجماعية. كما ساهم المشروع، بحسب وصفه، في إعادة رسم الاصطفافات داخل المجتمع، وأفرز نقاشات جديدة حول قضايا تتجاوز المراوح نفسها لتطال أسئلة الهُويّة والانتماء، والثقافة، والتجنيد، ومستقبل الجولان".
ومن هذا المنظور، فإن أهمية الصراع لا تُقاس فقط بقدرته على وقف المشروع، أو تأخيره، بل أيضًا بما أفرزه من وعي جماعي جديد، ومن إعادة تشكل للنقاش العام داخل المجتمع الجولاني، وهي تحولات يرى كثيرون أنها ستبقى حاضرة حتى بعد حسم مصير المشروع نفسه.
ويضيف الشاهد أن «أحد أسباب شعوري بمحدودية جدوى المسار القانوني يتمثَّل بطبيعة العلاقة القائمة بين بعض الشركات الكبرى، ومن ضمنها الشركة المنفذة لمشروع المراوح، ومؤسَّسات الدولة. وهي علاقة تتجاوز النشاط الاقتصادي المباشر، لتشمل قدرة الشركات على التأثير في دوائر صنع القرار، والسياسات العامة، بما يخدم مصالحها».
ويورد شاهدنا أمثلة على ما يُعرف بمفهوم «الباب الدوّار»، وهو مصطلح يُستخدم لوصف انتقال شخصيات بين مواقع قيادية في مؤسَّسات الدولة، ومناصب إدارية في الشركات الخاصة. ولتوضيح هذه الفكرة، يشير الشاهد إلى حالة أحد المسؤولين في شركة «إنرجكس»، الذي شغل سابقًا منصبًا في وزارة المالية قبل انتقاله إلى العمل في الشركة، حيث عدّ أن مثل هذه الحالات تجسد ظاهرة «الباب الدوّار» بين مؤسَّسات الدولة والشركات الخاصة.
ويرى الشاهد أن هذا النمط من العلاقات يمنح الشركات نفوذًا واسعًا، وقدرة أكبر على التأثير في دوائر صنع القرار، بحكم الخبرة، والعلاقات التي راكمها مسؤولوها خلال عملهم السابق في المؤسَّسات الحكومية. ومن هذا المنطلق، عززت هذه المعطيات لديه الشعور بأن المواجهة القانونية مع هذه الشركات ليست متكافئة، وأن نتائجها قد تكون شبه محسومة سلفًا بسبب ما تملكه هذه الجهات من موارد، وعلاقات، ونفوذ مؤسَّسي.
إلَّا أنَّ هذا الإدراك لطبيعة موازين القوى، ولمحدودية فرص النجاح في المسار القانوني، لم يمنع الجولانيّين من خوض هذا المسار حتى نهايته. فبحسب الشاهد، لم يكتفِ الأهالي برفض المشروع، أو الاحتجاج عليه، بل انخرطوا على مدار سنوات في سلسلة واسعة من الجهد القانوني والمجتمعي والتنظيمي لمواجهته.
قُدِّمت اعتراضات رسمية، ونُظِّمت حملات توقيع شعبية، وتمت الاستعانة بخبراء ومتخصِّصين في مجالات البيئة والصحة والزراعة والصوتيات والأنثروبولوجيا لإعداد دراسات وتقويمات مهنية حول الآثار المحتملة للمشروع. كما شارك مئات من أبناء الجولان في جلسات وإجراءات رسمية استمرّت لسنوات، في محاولة لاستنفاذ جميع الوسائل المتاحة للتأثير في مساره.
وأكد الشاهد حضور مشايخ وكبار سن لهذه الجلسات بصورة منتظمة، على الرغم مما تطلبه ذلك من جهد شخصي وزمني كبير، وما رافقه أحيانًا من تحديات مرتبطة باللغة، أو بطبيعة الإجراءات القانونية المعقدة، بل حتى من أعباء جسدية بحكم تقدم بعض المشاركين في السن، بوصفه مثالًا على حجم الانخراط المجتمعي الذي رافق القضية، وعلى تحولها من شأن يخص أصحاب الأراضي فقط إلى قضية عامة انخرطت فيها شرائح واسعة من المجتمع الجولاني.
ويؤكد الشاهد أن الجولانيّين استنفدوا تقريبًا جميع الأدوات القانونية والمعرفية المتاحة لهم، الأمر الذي حوّل الاعتراض على المشروع إلى تجربة جماعية واسعة ساهمت في إنتاج معرفة متخصِّصة حوله، وفي بناء خبرة قانونية وتنظيمية غير مسبوقة داخل المجتمع المحلي.
ومن ثمّ، يُضاف إلى قضية المراوح أهمية الأسئلة التي أعادت طرحها على المجتمع الجولاني. فقد أعادت هذه القضية إلى الواجهة أسئلة الأرض والهُويّة والانتماء والعلاقة بالمكان، وكشفت مرة أخرى أن التحديات التي يواجهها الجولان لا تنحصر في مشروع بعينه، بل تمتدُّ إلى صراع أوسع على المعنى والذاكرة والمستقبل.
وبينما قد تُحسم بعض الموجهات التفصيلية مع الاحتلال، أو تتغير ملامحها مع الزمن، يبقى تمسّك الجولانيّين بأرضهم وهويتهم القاسم المشترك الذي يتكرر في كل محطة من محطات تاريخهم. فكلما تبدلت أشكال هذه التحديات، بقيت الأرض في قلب الحكاية، وبقي الجولاني متمسّكًا بها بوصفها أكثر من مجرد مكان؛ فهي ذاكرة وهُويّة وامتداد للوجود نفسه.
وإذا كانت الشهادات قد روت تفاصيل الحكاية، فإنَّ الشاعر الجولاني الوطني ياسر خنجر قد التقط روحها بقوله:
والريح كانت مشغولة دائمًا
بحمل أنفاس حبيبتك إليك،
وأنفاسك إليها.
كيف ترضاها إذن،
زفيرًا حاملًا سكاكين الخراب؟
والأرضُ كانت، قبلةً من فمك
في فم من تهوى تفوح،
طعمُها ناضج التفاح والكرز.
كيف تتركها إذن،
فريسةً بين أنياب الذئاب؟
وأنتَ فارسًا كنت، خيولك تسبق الحلم،
وأغنيةً أنتِ كنتِ، على فم الورد
يردِّد لحنها الأفق ويتبعها السحاب.
كيف انتهينا إلى الخدر إذن،
فصار الحقل طواحين هواء؟
